شعار قسم مدونات

هكذا استقر القرآن في قلبه أربعين عاماً

مدونات - رجل يقرأ القرآن

أذكر ذلك اليوم الذي كنا نمشي فيه سوياً، كنت أسمعه يتمتم بكلمات غير مفهومة شددته من معطفه وسألته بماذا تهمس يا أبي؟! فأجاب: إني أقرأ القرآن يا ابنتي.. مرت سنوات عديدة ولا زلت أذكر ذلك المشهد، جئت إليه يوماً أشتكي من صعوبة تذكر السور التي أحفظها، أرجع إليها فأجدها اختفت تماماً من عقلي بعد فترة، قال لي يومها: إنك إن نسيت القرآن يوماً ينساك عاماً، فهل تراجعين ما حفظته كل يوم؟ تذكرت هنا قصة طه حسين في روايته (الأيام)، حين فرح به أبوه لأنه حفظ كل القرآن لكن ما إن اختبره شيخه حتى بدى أنه نسي ما حفظ، فنال بعدها عقاباً شديداً وأصبح هذا عاراً عليه جعله يعيد الحفظ من جديد.

أراجع! كلا يا أبي، أنا أمرر الصفحات ولا يهمني سوى أن أختم القرآن، وهو غاية الكثيرين من أبناء جيلي، نصل إلى آخر آية وقد نسينا الأولى. أما نحن يا ابنتي فقد حفظنا القرآن بقلوبنا، وسخرنا له عقولنا وأجسادنا فامتزج بدمنا ولحمنا وكل ما فينا. كان القرآن لنا سراجاً بعد أن أظلمت البلاد بالحرب والسنوات العجاف، كنت أحمل لوح القرآن معي إذ ما ذهبت إلى الرعي، لازمني القرآن ملازمة القمر للنجوم، سافرت لأجله في وقت كنا نركب فيه الدواب أو نمشي أميالاً على طريق جبلية وعرة. كانت الزوايا بيوتنا التي لم نحظى فيها بدفيء أو مأكل، البرد يقرص أجسادنا والجوع يفتك ببطوننا ما جعلنا نقاوم هو حب القرآن وطلب العلم. هذا الكتاب الخالد الشاهد على أمم سبقت ورسل اختلفت، فيه للناس ما هو شفاء هدى ورحمة من كل بلاء، لم نكن نعرف شيئاً غيره يا ابنتي، لم تكن لنا هذه الهواتف التي حبستكم في عوالمها، كان الصبي منا إذا بدأ ينطق كلماته الأولى ندخله الكُتّاب، ويكفي ذلك ليعلمه القرآن كل شيء.

هكذا استقر القرآن في قلبه أربعين عاماً، لأنه لم يمر بآية إلا وقد غيرت حياته، لأنه لا زال لليوم يتمتم بتلك الكلمات وهو في الطريق.

أبي لا يحمل شهادات ولم يدخل الجامعة يوماً، درس ست سنوات في حياته فقط، لكن القرآن وعلومه علماه الكثير. في عصره كانت الزاوية القرآنية بمثابة الجامعة يتسابق عليها طلاب العلم من كل حدب وصوب، وكما قال الإمام مالك (العلم يأتي ولا يأتي)، وفي قول آخر: (من سلك طريقا يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة). كان أبي في طريقه الشاق مشياً أو ركوباً، حراً أو برداً، يستشعر معنى هذه الكلمات، فكان القرآن سحابة تمطر عليه بالصبر والرضى كسحابة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

ما معنى أن تحفظ القرآن ولا زلت تجهل معانيه، ما معنى أن تمر على آية تحرم الربا ولا زلت تخوض فيه، أن تمر على آية تدعو إلى الإحسان وأنت مدرك عنه، أن تمر على آيات تصف الجنة ولا يهتاجك الشوق إليها. أن تمري على سورة مريم دون أن تجعليها قدوةً لك، أن تمر أخي على سورة يوسف دون أن تجعله بطلك. عن عباد ابن حمزة قال: دخلت على أسماء رضي الله عنها وهي تقرأ "فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ" فوقفت عندها فجعلت تعيدها وتدعو فطال ذلك علي فذهبت إلى السوق فقضيت حاجتي ثم رجعت وهي تعيدها وتدعو. أنحن حقاً بعيدون كل هذا البعد عن القرآن؟! إذا أردت أن تفتح هذا الكتاب لتمرر عينيك فقط عليه فأغلقه وقم، القرآن يحتاج أن يمر على قلبك ليزيح تلك الكتلة السوداء منه، خلق القرآن ليحرك القلوب. أُنزلت تلك الكلمات لتأذن بقيام حضارة جديدة تصيغها المعاني الكريمة والأخلاق العظيمة التي لم تكن لأي حضارة قبلها، لنكون خير أمة أخرجت للناس. هكذا استقر القرآن في قلبه أربعين عاماً، لأنه لم يمر بآية إلا وقد غيرت حياته، لأنه لا زال لليوم يتمتم بتلك الكلمات وهو في الطريق.