شعار قسم مدونات

متى أصبح قتل النفس مباح؟!

blogs سوريا

تلك المُدن المُطلة على الحياة لا تشتهي لُقيانا.. يقول نزار قباني في قصيدة رثاء نظمها بعد مقتل زوجته بلقيس في تفجير طال السفارة العراقية في بيروت عام ١٩٨١م، حيث تعد هذهِ القصيدة من أطول ما كتبهُ نزار لها، ويقول في مقتطف من أبيات القصيدة:

"ها نحنُ .. يا بلقيسُ ..
ندخُلُ مرةً أُخرى لعصرِ الجاهليَّةْ ..
ها نحنُ ندخُلُ في التَوَحُّشِ ..
والتخلّفِ .. والبشاعةِ .. والوَضَاعةِ ..
ندخُلُ مرةً أُخرى .. عُصُورَ البربريَّةْ ..

سأقول في التحقيق :
إنَّ اللصَّ أصبحَ يرتدي ثوبَ المُقاتِلْ

لو أَنَّهُمْ من رُبْعِ قَرْنٍ حَرَّروا ..
زيتونةً ..
أو أَرْجَعُوا لَيْمُونَةً
ومَحوا عن التاريخ عَارَهْ
لَشَكَرْتُ مَنْ قَتَلُوكِ .. يا بلقيسُ .."

يا ترى ما وجه الشَبه بين الأمس واليوم مع تغير الرقعة الجغرافية للحدث وفرق التوقيت يأتي الموت مُتقمصاً دوراً إنساني جديد، تتعدد الأدوار الإنسانية التي يلعبها الجاني، والمجني عليه لا ذنب لهُ سوى التعبير بحرية عن رأيه.

يقول شاعرٌ في الخمسين من العُمر في محضر التحقيق: وماذا يستطيع الشعراء فعلهُ لأوطانهم لكي تتوقف الحرب أو ينتهي الدمار أو تكف السلطات عن ملاحقتهم وسلبهم ثروة القافية أو لكي تنام البنادق وتكف عن إطلاق الرصاص صوب الأبرياء العُزل.. لا يستطيعوا فعل شيء سوى بعض الأبيات الحزينة والرثاء الطويل.. الشعراء أضعف من أن يوقفوا حرب أو يشعلوها.. لكنهم يقفون يبكون على اعقابها وإن مرت عليها سنوات!

الجاهل يهاجمك في جهلهُ عند أول مفترق طريق لا يجتمع فيهِ رأيك مع رأيه.. والفاهم يقنعك ويفسر لك فيما أوتي من علم لكنه يتقبل رأيك ولا يقلل من قيمة ما تفعلهُ

يقول شيخٌ طاعن في السن: اعتقلت في العشرين من العمر بشكل عشوائي بعد خروجي من المسجد قضيت شبابي خلف القضبان بذنب لم ارتكبهُ، ذنبي الوحيد كان ظن الجهات الاستخباراتية بأني انتمي لجماعة سرية تنشر الفكر الإرهابي في المجتمع، أي جماعة تلك وأي إرهاب ذاك الذي أنشرهُ لا أعرف ما أعرفهُ إني خرجت بعد أن تجاوزت الثلاثين من العمر ببراءة مؤكدة وأحلام أجهضتها ذاكرتي تحت التعذيب والترهيب النفسي.

يقول شاب مهاجر تعرض للخطف من أمام باب منزلهُ منذ خمس سنوات: سؤال لأولئك الناصحين المصلحين الصالحين المتمسكين بأوامر وتعاليم الدين.. الذين ما حضروا مجلس وما دخلوا في حوار إلا قالوا هذا حلال وهذا حرام وأنا سوف أدخل الجنة وأنت يامن لا تتفق معي سوف تتدخل النار.. سؤال لهم لو كان الإسلام بهذا الشكل وهذا المبدأ فعليكم إعادة التعرف عليه وإدراكه وعيش تجارب وأسلوب حياة على أساسه ثم الإفتاء باسمه.. لو كنا ملائكة نسير على الأرض معصومون لسنا مخطئون ما كان الله تعالى غفور بعبادهُ ورحيم.. أما عن تلك النصائح التي تدلون بها، لو تعاملتم وعشتم ومن معكم بما تنصحون ما كان واقع حال أمتنا حيث نحن اليوم؛ فأين تعاليم ديننا وأين إسلامنا؟!

تقول فتاة في العشرين تحاول رؤية الجانب المشرق من الحياة: عن وطنٌ نحبهُ ولا يحبنا.. أسأل الله أن تصفوا الأيام بيننا وتزهر من جديد فوق أرضك أحلامنا.

يقول أستاذٌ جامعي متقاعد: الجاهل يهاجمك في جهلهُ عند أول مفترق طريق لا يجتمع فيهِ رأيك مع رأيه.. والفاهم يقنعك ويفسر لك فيما أوتي من علم لكنه يتقبل رأيك ولا يقلل من قيمة ما تفعلهُ.

هل مجرمي اليوم والعقول المدبرة للقتل الممنهج هم قائدة الغد؟ لا نعلم إن كان التاريخ سوف يدور ويعود لهم كما عاد لآخرين من قبلهم.. لا نعلم كم يلزم الأمم والشعوب من وعي لتستطيع أن تفهم وتُفرق بين من يسعى لتَجهيل المجتمع متعمداً ويساهم بنشر الفوضى وزرع الفتن لنشهد ولادة أشكال إجرامية أكثر بشاعة من سابقتها، وليس للمواطن يدٌ فيها سوى إنه ساهم بالترويج لها وبممارسة دور الواعظ على الآخرين حتى ينام بضمير مرتاح على الرغم من الواقع السيء الذي يعيشه كل يوم. يا ترى هل أصبح الدم ضرورة لا بد منها في سبيل الوطن، جميعنا جنود لا سلاح لنا سوى الشهادة على يد العدو المدجج بالسلاح لممارسة جريمة القتل المباح؟!