شعار قسم مدونات

متلازمة القلب المكسور.. ضريبة العاطفة!

BLOGS حزن

عزيزي.. النساء من حولي ينتظرن الموت يوميا، الأيّام بالنسبة لهن متشابهة، لا شيء يدعو للأمل؛ فأهاليهن قالوا كلمتهم، سيمكثن هنا إلى آخر العمر. هذا المكان نطلق عليه "آخر العمر"، هو مكان أشبه بالروضة تلك التي لم أضعك فيها يوما، فقد كان لي حضن كبير وقوي لا تضاهيه روضة لهذا أنت لم ولا تعرف الروضة، أمّا أنا فعرفتها، أتساءل أحيانا ماذا لو عرفتها؟ لو ذقت طعمها يا بنيّ لأحسستَ بما أشعر به الآن، لو ذقت طعمها لسارعت لإنقاذي من مخالبها. أنا فيها لا أضحك ولا أبكي ولا أغنّي ولسوء حظّي أنا متعلّمة لا يمكنني إقناع نفسي أنّني هنا لأتعلم حروف الأبجدية وإن كنت أتعلم دروس الألم الأبدية! المربيات يُعدن تربيتنا من جديد، إنّهنّ يدربننا على النسيان، غير أن كل محاولتهن تبوء بالفشل معي فأنا أتذكرك جيّدا وأريدك.

 

ينبض قلبي كمراهقة وأنا أنصت إلى زقزقة الباب حين يفتح، اعتقادا منّي أنّك قد أتيت، أطمع أن أراك أمامي منتصب القامة مبتسما طائرا إلى حضني تناديني "ماما"، لكنّ رفيقتي تقول إنّ أولادها عرفوا الروضة ومع ذلك ها هي ذي قد جرّبتها، تقول إنّ الأمر لا يمتّ بصلة للقاعدة السخيفة التي تدور في ذهني، فالقضية قضية تربية ونحن أسأنا التربية يا وحيدي! الفرق بيني وبين الطفل أنّه يعود إلى البيت مساء وأنّي أعود إلى وجع صار يتردّد على صدري وضيق يخنقني كل مساء وخفقان لا يغادرني؛ فهدوء الانتظار يجعلني أستشعره بوضوح رغم ضجيج اللهفة.

 

في المساء أعود إلى حبوب صنع التحمّل ومسكنات الانكسار. المساء بالنسبة لي مرادف الخيبة، مرادف لم يأتِ، مرادف سأبقى ليوم آخر ريثما تتذكّر وتنصرف من أشغالك إليّ يا ولدي. أتدري أن الإفراط في الأمل هو أكثر ما يقتل امرأة في هذا السنّ؟! لو تعلم كم أشتاق إليك، لرؤيتك لحضنك، لمسحة يدي على شعرك، لبسمتك، لشدّ يدك، ليتك تعلم يا (…)!"، هذا ليس فيلم هندي، ففي المستشفيات يُخرج لنا الزمن أغرب الحكايات الواقعية وأتعسها وقلّما تستطيع المستشفيات رسكلة صحّة إنسان حطّمته العاطفة! كانت هذه آخر رسالة خطّتها يد أمّ (…) البالغة من العمر (62) سنة لوحيدها في دار المسنّين؛ هذه الأخيرة التي تعدّ أكبر مركز وموّثق للتراجيديا الإنسانية، فأمّ (…) ليست إلّا عيّنة! تقول إحدى العاملات بدار المسنّين المقرّبات منها إنّها نقلت إلى المستشفى بعد ساعات من كتابة رسالتها تلك وقد اشتدّت عليها آلام الصدر بعد حالة من الحزن الشديد.

أكدت الإحصائيات أنّ متلازمة تاكوتسوبو تصيب النساء أكثر من الرجال وعادة ما تحدث للأشخاص الذين تجاوز سنّهم الخمسين. إنه مرض قابل للعلاج والشفاء كما أنّ احتمالية الموت بسببه ليست مستبعدة

توفيّت أمّ (…) إثر سكتة قلبية هكذا تقول رفيقاتها، لكنّ التشخيص أكّد أنّها كانت تعاني من متلازمة القلب المكسور Broken Heart Syndrome أو ما يسمى باعتلال تاكوتسوبو للقلب Takotsubo Cardiomyopathy وهي عبارة عن اعتلال مفاجئ لعضلة القلب وضعف قصير الأمد يصيب البطين الأيسر عقب ألم نفسي حاد ومعاناة يمرّ بها الفرد أو استجابة لصدمة عاطفية يختبرها كالفقد والانفصال وقد يكون بسبب ضغط جسدي كالحوادث، بل يمكن أن تكون صدمة ناتجة عن حدث سعيد مفاجئ مما يجعل اسمها يتحول إلى متلازمة القلب المغمور بالفرح Happy Heart Syndrome وهو ما أثبتته بعض الأبحاث بسويسرا من خلال دراساتها بمستشفى زيورخ الجامعي على مجموعة من المرضى الذين أصيبوا بالمتلازمة بعد تلقيهم لخبر مفرح.

أكدت الإحصائيات أنّ متلازمة تاكوتسوبو تصيب النساء أكثر من الرجال وعادة ما تحدث للأشخاص الذين تجاوز سنّهم الخمسين. إنه مرض قابل للعلاج والشفاء كما أنّ احتمالية الموت بسببه ليست مستبعدة وإن كانت نادرة، وكثيرا ما يتداخل تشخيصه مع النوبة القلبية نظرا لاشتراكهما في الأعراض، إلّا أنّ هذه المتلازمة عبارة عن اضطراب مؤقت لا تتسبب في أذى كبير للقلب كما هو الأمر في حالة النوبة القلبية، ذلك أنّ انسداد الشرايين فيها غير وارد وأكثر ما قد يعاني منه المريض هو نقص تدفق الدم فيها وفشل قلبي.

أعراض متلازمة القلب المكسور:

يعاني المصاب بمتلازمة القلب المكسور من ضيق في التنفس وآلام على مستوى الصدر، فضلا عن تسارع في نبضات القلب بعد اختبار الفرد لحدث صادم، بالإضافة إلى ضعف في القلب، وانخفاض في ضغط الدم وإغماء، ما يجعلها أشبه بالنوبة القلبية لولا نتائج الفحوصات والتشخيص الفارقي الذي يحدّد نوع المرض.

الضغط الانفعالي كعامل خطر للإصابة:

تتسبّب العاطفة في الكثير من مشاكل الإنسان إن لم يكن جلّها ولا تكاد تخلو حياة فرد على هذه الأرض من التوتر والقلق والاضطرابات الانفعالية التي تنعكس سلبا على النفس والجسد إذا ما زادت عن حدّها، فاختبار الفرد لحدث أليم قد يتسبب له في ضغط حاد أو مزمن من السهل أن يتطوّر إلى اكتئاب أو يتفجّر إلى مرض نفسجسدي. ولعلّ الألم النفسي الناتج عن الفقد هو أكثر ما يؤثر على صحة الفرد، كموت شخص عزيز أو الانفصال عنه أو خسارة مالية ضخمة أو فصله من وظيفته أو تواجده في بيئة تفرض عليه ظروفا من الصعب التكيّف معها، خاصة إذا كانت المصادر الذاتية للفرد وسمات شخصيته غير كافية لمواجهة الأحداث الضاغطة أي أن التهديد يفوق قدراته.

يستجيب الجسم لكل هذا من خلال تغيرات فيزيولوجية كخفقان القلب "نتيجة زيادة نشاط الجهاز العصبي السمبثاوي" وزيادة التنفس وارتفاع ضغط الدم وانقباض العضلات بالإضافة إلى ارتفاع هرمونات الإجهاد نتيجة تفاعل الفرد مع بيئته المحيطة، فتعرضه لحدث ضاغط أو تهديد أو ألم نفسي حاد يسهم في ارتفاع مفاجئ للأدرنالين الذي يتسبب في نقص تدفق الدم نتيجة ضيق يحدث على مستوى الشرايين التي تعمل على تزويد القلب بالدم.

النساء أكثر عرضة للإصابة بمتلازمة القلب المكسور خاصة بعد بلوغهنّ سنّ اليأس فإنّ الانتباه لهذا العامل من طرف الأزواج والأبناء أمر في غاية الأهمية
النساء أكثر عرضة للإصابة بمتلازمة القلب المكسور خاصة بعد بلوغهنّ سنّ اليأس فإنّ الانتباه لهذا العامل من طرف الأزواج والأبناء أمر في غاية الأهمية
 
العلاج والوقاية:

ممّا لا شكّ فيه أنّ هذا النوع من الأمراض يعالج دوائيا على وجه التحديد، حيث توصف للمريض بعض الأدوية التي تخفّف من تعب القلب وقد يبقى في المستشفى لتلقي الرعاية اللازمة إلى أن يتماثل للشفاء، لكنّ العلاج النفسي مهم أيضا فإذا كانت الخبرات النفسية المؤلمة من أهم العوامل المسهمة في تفجير متلازمة القلب المكسور فلا بدّ من الوقوف عليها، ولا يتمّ علاج الضغط إلّا إذا انطلقنا من دراسة المصادر المتسببة فيه ووضع برنامج وقائي أو علاجي فعّال للقضاء على المشكلة أو التأقلم معها إيجابيا من خلال أساليب وتقنيات التخفيف من حدّة القلق والضغط النفسي وإدارة الألم، فالتفريغ الانفعالي يساعد المريض على التعبير عن مشاعره وتخفيف حدّة المعاناة النفسية والكبت الذي يعيشه بمشاركة الآخرين ما يشعر به من ألم والتركيز على الحلول بدل الدوران حول المشكل، فضلا عن تقبّل الأوضاع التي لا يمكن تغييرها والسعي للتأقلم معها تدريجيا. كما أنّ للعلاج المعرفي السلوكي دور فعال في عملية الشفاء كتحديد الأفكار السلبية وإعادة البناء المعرفي والاسترخاء وتقنيات التأمّل.

الملاحظ في اعتلال تاكوتسوبو هو فجائية تلقي الخبر أيضا سواء كان محزنا أو سارا وكيف تتحوّل المفاجأة إلى صدمة لدى بعض الأشخاص، لهذا وجب التمهيد لهذه الأخبار بطريقة ذكية حفاظا على سلامة المتلقي خاصة إذا كانت مصادره الذاتية غير كافية للمواجهة. وهو أمر وجب التنبيه له. وبما أن هذه المتلازمة تصيب كبار السن بالدرجة الأولى فمن الواجب تقديم الدعم الاجتماعي والنفسي لهم بدءً بأفراد الأسرة، لأنّ الاهتمام بهذه الشريحة واحتواءها ورصد احتياجاتها، والإصغاء لانشغالاتها وإدماجها في أنشطة اجتماعية وتطوعية تشتّت انتباهها للمرض والمشاعر السلبية التي تنتابها بسبب تقدّم السن وفقدان العديد من الامتيازات التي لطالما حظيت بها زيادة عن فقدان الأصدقاء.

 

ولا بدّ من الحرص على اتباعهم لنمط معيشة سليم يقوم على النوم الكافي والطعام الصحي والجولات الترفيهية والتأكيد على الملاءمة العلاجية بالنسبة للذين يعانون مسبقا من أمراض مزمنة كالسكري وارتفاع ضغط الدم والربو وغيرها من الأمراض. ولأن النساء أكثر عرضة للإصابة بمتلازمة القلب المكسور خاصة بعد بلوغهنّ سنّ اليأس فإنّ الانتباه لهذا العامل من طرف الأزواج والأبناء أمر في غاية الأهمية كونه يعد نقطة تحوّل حسّاسة في حياتها ما يشعرها أنّها على وشك الشيخوخة وأنها قد فقدت صلاحيتها مما يعود سلبا على نفسيتها فيفقدها الأمن النفسي ويعزّز لديها الألم والضغط الانفعالي ما قد يجعلها عرضة للأمراض القلبية.