قطار مصر.. عندما اجتمع الجلاد والمجلود!

مدونات - قطار

صباح الرزق على أعين الكادحين، في ترحالهم بحثًا عن الحياة، عن المال في بحثهم مشقة، وفي مَشقتهم عرق المعاناة، يعانون كل يوم حتى أصبح الألم عادة، وأمسى التعب تقليدًا صامتًا بلا صوت ومن يسمع الأنين غير الله عز وجلّ. في قطار مصر، قطار الغلابة هكذا يسمى، الغلابة فيه نوعان: جلاد ومجلود، أسمعت من قبل عن جلاد مغلوب؟ أم غلبه ليس في الفقر، بل في ضميره الفقير، ونفسه الحقيرة، وروحه التي فقدها بين ضربة صوت وأخرى على جلد مجلود مظلوم.

الأول رجلٌ متوسط العُمرِ في تجاعيد وجهه همٌ يزداد كل يوم، يزداد مع كل ضجيجٍ لعربةِ قطار، في كل محطة يعاني من بطء ضربات الحياة له، عامل في مصنع الغزل والنسيج، بيته في طنطا ويرجع إليه مقهوراً عندما ينقضي عدد ساعات عمله الطويل في القاهرة. والثاني عجوزٌ قد ضربه الوهنُ في كل أعضاء جسده، ضعيفٌ لا يقدرُ على الممكن، ناسيًا سنوات عجاف ماضية، متذكرًا قليلًا ممّا تبقى له من الأيام القادمة، يخطو مترنحًا بين عضلات الحياة وقوتها، ضعيفًا يترقب ما هو أقوى، ربما يكون شابًا يافعًا بائعًا ماهرًا عنه في حرفته، يعمل العجوز في دكانٍ صغير يبيع الحلوى وبعض العصائر، يذهب من بركة السبع صباحًا، ويعود من شُبرا في مساءٍ دامس لا يراه أحد، وينتظره الكثير ممن يحمل الهمَّ من أجلهم. والثالث هو اليافع الماهر، بشوش الوجه، صبور على الحلمِ الذي طال في الانتظار، طالبٌ جامعي، كلية الآداب الفرقة الرابعة، يستلقي القطار لحضور المحاضرات، حتى إن تخرجَ بحث عن سبيلٍ الخروج من هذه البلدة الظالم حُكامها، السارق أثرياؤهَا، الجلاد أمينُها وهو الوجه الرابع.

هكذا يجتمع في كل قطار يسير على قضبان مصر، المجني والمجنيّ عليه، المجلود وجلاده، الطامح والطامع، الكل ينظر إلى بعضه، والبعض لا يهتم إلا بما هو منتظرٌ له.

أما الرابع فهو وجهٌ شاحب، غليظ في طبعه، لا يعرف للين معنى إلا وهو يغازل فتاة قد قاربت من العُمر نصف عُمره، يغازلها يَتحرش بها أمام الجمعِ، والجمع لا يتحدث. الجمع خائفًا لا يترقب، فهو ذو سلطةٍ أو هو أمينٌ للسلطة أو هو أمينٌ للشرطة، يُعلق ثلاثة أشرطة تدُل على وظيفته الشرطية، يستلقي عربة القطار ذاهبًا إلى عمله في إحدى أقسام الشرطة التي تشاركُ الشعب في خدمة الوطن، الوطن الذي يتبرأ كل يوم من خدامه الشرطي ممّا يفعله في الشعب.

يتقابل الأربعة في قطارٍ واحد، كلًا منهم يذهب إلى سعيه، لكن الرابع هو جلاد الثلاثة، الأمين هو جلاد المؤتمن عليهم، يستقوى على ضعفهم، يسلبُ منهم قُوتهم بسُحتهِ، يمدُ يده في جيبهم، أو يمسكُ سوطًا أمام ظهورهم. يقابل عامل المصنع في الطريق فَيوقفه ليأخذ منه حق أولاده مقابل تركه ليكمل الطريق للوصول إليهم بأمان بلا فزع. أما عن العجوز فيذهب إليه في دُكانهِ فيأكل الحلوى ويشرب السُكر دون حساب، فالحِساب هُنا يوم الحِساب، وإلا سيُكتبُ محضرٌ صغير يذكر فيه أن الدُكان غير مُرخص، ويدخل العجوز في متاهة هو غنيٌ عنها ببعض الحلوى التي يأخذُها الجلاد رغمًا عن أنف صاحبها. وأما المجلودُ الثالث، أي الطالب الثالث، فَجلدته ليست في ماله وحلواه، بل في نفسه كان أثرها أكبر وأكثرُ عُمقًا لأنه هو الذي أدرك حقيقة الأمرِ، ولَحِقَ بالحقِ، وشَهِدَ الثورة، وآمن بها، وتمسك بمطالبها، وواجه من طغى عليها بصدره، فتعرى ظهره فيما بعد للجلاد.

كان السوط يجلدُ ويجلد، والظهر العاري يرسم طريق التحرير، وعبد المأمور ينفذ ويثبت أركان الظلم والجبروت. هكذا يجتمع في كل قطار يسير على قضبان مصر، المجني والمجنيّ عليه، المجلود وجلاده، الطامح والطامع، الكل ينظر إلى بعضه، والبعض لا يهتم إلا بما هو منتظرٌ له، والجلاد يهرب منه عيون الآخرين فهو في نفسه ظالم. أما العامل لا ينفذ كدحه، والعجوز لن يطول شقاءه، والطالب يطلب الحرية وما أظنها بمطلبه قد قاربت، ولا الجلادُ إنسانيته قد استيقظت، والقطار يسير حتى إن وصلَّ عاد من جديد، ليبدأ رحلة أخرى يتكرر فيها ذات المشهد.