وعجلتُ إليك..

blogs دعاء

في النهر الجاري روعةٌ لا تجدها في الماء الراكد، وفي الشجرة ذات الأغصان المتحركة بلطف ألقٌ يختلف فيه عن الشجرة الساكنة، والطائر المحلق في المعالي يلقي بروحك معانٍ أكثر جمالاً وعمقاً من ذاك الطائر القائم في عشه، والقلب النابض الهمّام أكثر القلوب جلالاً.. طامحٌ لا خامل، متحركٌ لا راقد، مثابرٌ مبادر، لا يرضى بالدون من السفاسف، قلبٌ نورانيٌ تحركه الفضائل، وغاية عجبه أن ألّف بين النقائض، فهو خاضعٌ عابد، عزيزٌ متحركٌ آنف، طالبٌ لكل فعلٍ حميد، ونافرٌ من كل قبيح..

 

صاحبه ذو نفسٍ تواقة، كلما وصلَ انتقل، وإلى الله امتثل، يحذوه الأمل، لا يرضى بالثبات قبل تحقيق أسمى الغايات، وهذا عهده في المسرات والملمّات، رحالٌ لا يقيم، يبحث عن النعيم بين كلّ عظيم، أفاض الله على قلبه خيره العميم، سيره على خطى الحبيب الرحيم، همتهُ همّهُ، وهمّه مهمته في تحصيل الكمال، روحه بناءة، أنفاسه عالية لا تُطال، قطافه دانية سهلة المنال، خيّرٌ مباركٌ له إرادة تعانق أعالي الجبال.. قد أفلح من حظي بتلك الهمة فكانت همّه، وندم من دام كسله فخاب أمله، كما قال الحكماء.. فكن قمة لا ترضى إلا القمم، همُّك همتك، وإرادتك مرادك.

 

عطايا

أطلق لروحك العنان، لتسرح في آلاء المنان، تتلمس فضله في كلّ مكان، وتسلو ما اعتراها من أحزان، تلملم العثرات وتتكشف المعجزات، فترقى وتسمو إذ علمت أنها لا شيء، إن لم يكن كلُ صغير حولها شيئاً.. أعط لكل شيء مقداراً، واعلم أنه ما كان إلا لك، حتى تعيش في حسن قرار.. قوتٌ وكسوةٌ وبيتٌ يحميك، وأهلٌ ورفقةٌ عن سؤال غيرهم تغنيك، وفوق كل ذاك ربٌّ رحيمٌ كلما ضعفت يقويك ويسدد خطاك ويهديك، أفلا تكون له عبداً شكوراً..  انظر لكرمه وتأمل، إذا أنعم أكرم، وإذا أعطى أدهش، ومع شكرك له يزيد، ويثيبك عنه رضاً وزيادة، وهو الصاحب المعطي الغنيّ، وأنت الطالب الحاصل الفقير، أوَ تعجز بعد ذلك وتقعد، وتكسل ولا تشكر..

 

القلب.. في عمقه انجذابُ خضوعٍ وذلٍّ لقوةٍ مدبرةٍ مهيمنةٍ بيدها الأمرُ من قبلُ ومن بعدُ، يرى جلالَها في كل شيء، فيهتزُ عجزاً اهتزازةَ ذلٍّ وفقر
القلب.. في عمقه انجذابُ خضوعٍ وذلٍّ لقوةٍ مدبرةٍ مهيمنةٍ بيدها الأمرُ من قبلُ ومن بعدُ، يرى جلالَها في كل شيء، فيهتزُ عجزاً اهتزازةَ ذلٍّ وفقر
 

دع روحَك في محراب الشكر تتجلى فتهنى، بخضوعٍ للمولى، وحبٍّ أصفى، واعترافٍ بالمنة، واستعمالها في ما يرضى، فتزهو عليك أثر النعمة حمداً وثناءً، وعلى قلبك محبة وخضوعاً، وعلى جوارحك انقياداً وطاعة، فتكن من أهله وخاصته، "وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ".. دع الأنوار تشرق بنفسك، وابحث عن عطايا ربك، واروِ شجرةَ الإيمانِ في روحك، واشكر الشكور على قوت قلبك، وانشر ثمار شجرة التوحيد حولك وبلّغ، وتذكر"وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ".

 

وكلما أدهشتك العطايا، أعمِل لسانك شكراً، وقلبَك سكنى، وجوارحَك دعوة، واطلب العفو عن التقصير، وقل: يا قدير، أنا عبدك الفقير أنخت مطيتي ببابك، فأوزعني حسن شكرك واجعلني من خاصة عبادك، فما أجد نفسي أهلاً لكرمك وجلالك.. علّ روحَك عندها تبقى مشدوهة للملأ الأعلى، لا تطلب إلا رضا المولى، فتحيا وقلبك، وتسكن وترقى..

 

لا تسمع إلا همساً

إذا أُثقل الشجرُ بالثمرِ انحنى، وكأنه أدرك فضلَ الله عليه، فدوى ذلَّ امتنانٍ وعجزٍ للمولى، وفاض بالثمر شكراً للمنة.. وكذا القلب، في عمقه انجذابُ خضوعٍ وذلٍّ لقوةٍ مدبرةٍ مهيمنةٍ بيدها الأمرُ من قبلُ ومن بعدُ، يرى جلالَها في كل شيء، فيهتزُ عجزاً اهتزازةَ ذلٍّ وفقر.. ويُشرق قلبُه، وتتألق روحُه بفيوضات حبه وأسرار ذاك الحب "يحبهم ويحبونه"، فيذوبُ حياءً وذلاً بين يدي محبوبه الودود اللطيف الكريم، وهو الفقير أمام غناه، وهو المملوك بين يدي مليكه، فيزدادُ ذلاً لمولاه فيكرمُه بعزةٍ وشرفِ نفس لا تكونُ إلا للمؤمن..

 

للوردةِ الحمراء بشويكاتها جمالٌ يختلف عن باقي الزهر، ففيها نفحٌ ممتزجٌ بدم الشهداء الذين وصلوا فغرسوا، فأينعوا فينا زهراً فواحاً من الشوك والألم الذي حفّ طريقَهم، فسلكوه بصبرهم وتضحيتهم

وفي كل آن يرى نفسَه أمام هذي العطايا العظام، ضعيفَ الحال والمقام، وسيده لا يقطع عنه، بل يزده ويكرمه، ويمهله ولا يهمله، ويَجبرُ كسرَه ويصلحُه، فيرقُّ قلبُ ذاك العبد ذلاًّ لمولاه، في كل حال.. ويرتقي باحثاً في ملكوت الله، مستكشفاً متطلعاً، وكلما غار في بحثه أكثر، أدرك جهلَه أمام هذا الكونِ بأسراره، فسلّم للعليم، وسعى عماراً وبذلاً أينما أقام ورحل..

 

تتحرك روحُه على مدار الزمن، وترى التجددَ والانكسار، والفناءَ والبقاء، وتحُس بانجذابها الأبدي إلى الموجد الباقي، فتهتزُ اهتزازة ذلٍّ للمولى كتلك التي شهدها القلب، اهتزازةً تقلب حياته عزاً وعملاً، إنتاجاً وحركة، دفعاً وبناءً، حباً وصفاءً، وداً وسكينة، قوة وشرف نفس..

 

جريـــــــــان

للوردةِ الحمراء بشويكاتها جمالٌ يختلف عن باقي الزهر، ففيها نفحٌ ممتزجٌ بدم الشهداء الذين وصلوا فغرسوا، فأينعوا فينا زهراً فواحاً من الشوك والألم الذي حفّ طريقَهم، فسلكوه بصبرهم وتضحيتهم "واعلم أنّ النصر مع الصبر".. هو الإيمان إذا ما خالط الفؤادَ فرسى، وهي المحبة ما إن اصطلت نارُها بالقلب فجوى، وهو اليقين ما إن استقر بالروح فزادها اطمئناناً أن كلُ شيء بقدر لا هوى.. فتنظرُ العينُ بقلبها للمحنة وتراها منحة، وللمنع فتجدُه عطاءً، وللألم فتصّيرُه ألماً، فتبسُمُ بروحها وتصابر..

 

قد ُتفتح الأبواب، ويسهل الطريق المظلم المُسوَد، ويجد في القلب ميلاً، وفي المكان خِلوةً وسكنى، لكنها الروحُ المرابطةُ على ثغر القلب تحرسه وتقول له "واصبر" فالسكنى ليست ها هنا، من هنا الطريق، وينبض القلبُ أن هذا هو الدليل، ويدعو النفسَ لأن تبادر، ويخضعُ في محراب الطاعة، يتلو تراتيلَ الخشوع والذل والفقر بدموع سجام، متنفسًا من الصبر أنفاسًا تزده قربًا ووصالا، ليأته الصوتُ مرة أخرى وهو بين أنسام الطاعة.."واصبر"…

 

ويمطر عليه الصبر أفراحًا، فله المحبة من المولى وكفاه فخرًا، "وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ"، وله الحفظ والتأييد "إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ"، ويعفى من الحساب جزاءً "إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ"، وله البشرى "وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ".. وهذا حال القلب الرباني، أمره كله خير، طالما ديدنُه الصبر، واثقاً مستيقناً أن لا راحةَ دون تعب، فأجمل العطايا تلك التي تأتيك بعد مخاض أليم..

 

إذا ما كثر البلاء، واضطربت الأحوال، وتراجعتَ إلى الوراء، وبحثتَ عن ملجأ وانقطعت بك الأسباب، فأطلق قلبك مستسلماً لله، مفعماً بحسن الظنّ والرجاء، وفوّض أمرك لله
إذا ما كثر البلاء، واضطربت الأحوال، وتراجعتَ إلى الوراء، وبحثتَ عن ملجأ وانقطعت بك الأسباب، فأطلق قلبك مستسلماً لله، مفعماً بحسن الظنّ والرجاء، وفوّض أمرك لله
 
عِصمة

آمال وآلام، أعباء وواجبات، همٌّ وكدر، رغبة في نجاح، في جمع ثروة، في نصرة أمة، في صفاء قلب، وطمأنينةِ نفس، وتحصيل رزق، وتتعدد الرغبات والأسباب، والمسبب واحد، وكفى بالله وكيلاً، جاعلِ النار برداً وسلاماً على إبراهيم، ومنقذِ يوسف من غيابة الجب، ومخرجِ يونس من ظلمات ثلاث، خالقِ من العدم، ومحيي الرمم، باعثِ الأمم، من لدن آدم ربِ البشر إلى أمة محمدِ مخرج الناسَ من كل سقم، فجرّد قلبك وامحُ الملل، وغير الله لا تسل..

 

وإذا ما كثر البلاء، واضطربت الأحوال، وتراجعتَ إلى الوراء، وبحثتَ عن ملجأ وانقطعت بك الأسباب، فأطلق قلبك مستسلماً لله، مفعماً بحسن الظنّ والرجاء، وفوّض أمرك لله، واسكن للنتيجة قرير البال.. ازرع البِذر ولا تنساه، واسقه وارعاه، واعلم أنه لولا بذرُك إياه ما نبت له ورق ولا ساق، واجعل قلبَك ساكناً متجهاً للرحمن، وجوارحَك عاملة راعية لما بين يديك من الأسباب، واستعن بالله على نمو الثمرة "وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ"، واخضع له شكراً وعبادة "إِيَّاكَ نَعْبُدُ ".. وتحرك ولا تسكن، فما عرف القلبُ المتوكلُ موضعَ رخاء، قلبُه دائمُ الحركة، في حسن توجه وامتثال، لله القادر المدبر المتعال.. فمن فقره صدق في الطلب، وأخذ بالسبب، والتفت إلى الغنيّ المدبرفي كل ساكنة وجارحة، واثقاً راضياً متوكلاً، فكان الله حسبَه ونعمَ الوكيل..

 undefined

انحناءة

ما أشبهَنا في بحثنا عن رقعةٍ نريح بها قلوبَنا ونُسكنُ عليها أرواحَنا، بسفنٍ استغرقها ماءُ البحر، وحفتها أمواجُه من كل جانب. وتعلو هذه السفن تارة وتنخفض أخرى، وتهتز يَمنة ويَسرة، وكأنها تحكي حالَ قلبِ صاحبها في تردّده وإقباله، في غفلته وصحوته، وفي حالته الأولى؛ في عدم استقراره وبحثه عن السكنى، فإذا ما وجدَت بقعةً تطمئنُّ عليها، رست واستوت، وخشعت وأخبتت..
 

أيا قلبي، ها هي ذي السّكنى بعد عاصفةٍ بلا مأوى، من هنا، من دلّكَ بعد الضلال، وخضوعك بعد الاستكبار، وانخفاضِك لله الغفار، ترجو جبرَه للأعمال القلال، تشكر فضلَه على المنح العظام، وترى في منعه حِكَماً لا تطال. من هنا، من تلك السكينةِ بعد ذاك الإعصار، من حيث أوقدَ شعاعَ الافتقار، للملك الغنيّ الغفار، فأشرَقتْ في سماء روحك ظلالُ معانيه وأسمائه التي لا يعدّها ولا يحصيها إنس ولا جانّ، فكان لك شرفُ البشرى "وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ"، أن تكون منهم "أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ"..

 

وفاضت تلك النسماتُ، فسكنتِ الجوارحُ، وخشَعَت تلك الروحُ العابدةُ المتبتلةُ، صلاةً ومعاملةً وعملاً وعلماً، وكأن حياتَها محرابٌ تخضع به وتخشع، فترقى وتعلو، تسلو معه وَحشةَ الطريق، فمياه الأنس أشبعتها رياً، فاهتزت وربت..