"منقول" وبالإنجليزية "كوبيد cpd"

هل تذكر كم مرة قرأت فيها كلمة "منقول" في بداية أو نهاية مداخلات الأصدقاء والزملاء والأقرباء على شبكات التواصل الاجتماعي، وبالأخص على فيسبوك؟ حسنا، هل تذكر كم مرة بدأت أنت شخصياً مداخلتك أو أنهيتها بكلمة "منقول"؟ قد يجد البعض التبرير قائلين لقد نقلت خبراً أو ما سبق نشره في مكان آخر، ولكن النسق يمتد ليشمل مقالات الآخرين ومقولات مفكرين وأبياتا شعرية، وكلها تظهر وكأنها مبنية للمجهول. بل إنني تتبعت في بعض الحالات أن المنشور الأول كان يحتوي على اسم المؤلف أو الكاتب ولكن مَن نقله نقل كل شيء إلا اسم من أنتج الأفكار ومن صاغ الكلمات.

هل نحن أمة تحب الصدق وتتحراه وتتحمل تبعات الحرص عليه وتتجنب نشر غير الموثق ومجهول المصدر وعديم المصداقية، أم أننا أمة كسولة لا تنتج فكراً ولا تحرص على تتبع منابعه، بل تكتفي بنقله دون مراجعة أو تمحيص؟ ألا يعدّ الحرص على نشر الحقيقة وتحري المصداقية اجتهادا يثاب عنه الإنسان ويقدر معنويا واجتماعيا وأخلاقيا؟

 

في حقبة التدفق المعلومياتي واليسر الشديد في الحصول على ما كان مستحيلا قبل سنوات قليلة، من معلومات وقراءات وبيانات وإحصاءات، أجد نفسي أتساءل لماذا لا نحب في العالم العربي تحديد المصادر وتوثيقها والتأكيد عليها باعتبارها جزءا من المصداقية والمهنية بل والالتزام الأخلاقي؟

 

كلمة أو تعبير "منقول" الذي يبدأ به الكثيرون أو ينهون مداخلاتهم على شبكة التواصل الاجتماعي ليست فقط مقلقة ومضللة ولكنها أيضا تسبب راحة مزيفة للضمير الهش والعقل المقيد

لقد تضاعفت للشخص العادي الآليات والوسائل التي يتيقن من خلالها من مصداقية ومصدر الكلمة أو الصورة المنشورة. فقط بضغطة زر، أو بالأحرى بلمسة على شاشة الحاسوب اللوحي، يمكن أن تتيقن من مصدر النص المكتوب وتحديد كاتبه ومكان وتاريخ نشره. وبلمسة مشابهة، يمكن أن تراجع مصدر الصورة ومصورها ومكان تصويرها وتتأكد مما إذا كان قد جرى التلاعب بها بواسطة أحد برامج تحرير الصور والمواد المرسومة.

في هذا السياق، دعونا نتأمل هذه التجربة الكاشفة عن التحولات في علاقتنا بالتحقق والتيقن مما ننشره. كنت قد تسلمت نسخة من بحث للدراسات العليا لنيل درجة الماجستير دُعيت لفحصه كممتحنٍ خارجيّ. استوقفني مراراً الكم الهائل من الصفحات والفقرات المنقولة حرْفيا من كتب شهيرة في مجالات الدراسات المعمارية والعمرانية، محور الرسالة وتخصصي الأكاديمي، دون إشارة بتاتاً إلى تلك المصادر. ثم أدهشني وجود صفحات كاملة من كتبي وأبحاثي دون الإشارة إلى المصدر.. بل يبدو -بناءً على ما نراه في مناخنا الأكاديمي العربي- أن كل هذا مقبول أو بالأحرى متكرر في السياقات الأكاديمية العربية، التي اشتهرت مع الأسف بأعلى معدلات السطو البحثي والأكاديمي.

 

ولكن ما لم أتوقعه أبدا هو تفسير الطالبة حين تساءلت قائلا ألم يكن من الواجب والمهم والعلمي ذكر هذه المصادر؟ كانت إجابتها السريعة والخاطفة وشديدة الدلالة هي: هذه كتابات منقولة يا دكتور، وأنا ذكرت في المقدمة آن بعض ما في البحث منقول.. ثم استمرت في تنبيهي إلى الحقبة الجديدة حين أضافت "يعني كوبيد بالإنجليزي يا دكتور، مثل حالة المداخلات والمقالات في فيسبوك".. شكرتها على جهدها التنويري مع شخص منغلق ومحدود ويبدو أنه غير "منقول" مثلي.

إن كلمة أو تعبير "منقول"، الذي يبدأ به الكثيرون أو ينهون به مداخلاتهم على شبكة التواصل الاجتماعي ليست فقط مقلقة ومضللة ولكنها أيضا تسبب راحة مزيفة للضمير الهش والعقل المقيد. فالإنسان العربي المعاصر النشط على شبكات التواصل الاجتماعي أصبح سعيدا وراضيا بإضافة كلمة "منقول" لأنها تزيح عن كاهله كل تبعات محتوى الكلام المنشور وأهدافه ونتائجه. كما أن هذه الكلمة الصغيرة خماسية الأحرف تقدم له على طبق من ذهب تبريرا رائعا إذا واجهه قارئ مدقق، كاشفا عدم مصداقية المطروح لأنه يملك الإجابة السحرية عندما يقول لقد كتبت في المقدمة أنه "منقول"..

كنت قد رصدت سابقا مرحلة لجأ فيها الفاعلون على شبكات التواصل الاجتماعي إلى حيلة أخلاقية مريحة وهي نشر معلومات هم متيقنون تماماً من زيفها، ولكنهم يبدؤون بجملة "هل ممكن تأكيد هذا الكلام من فضلكم؟".. كانت هذه هي الجملة السحرية التي تسبق كل الأكاذيب والافتراءات والشائعات والنهش الأخلاقي في أجساد أبرياء. وكأن مطالبة الآخرين بالتأكيد والتيقن يُعفيك من مسؤولية أنك أنت الناشر لهذه الأكاذيب والافتراءات، التي لم تبذل أنت شخصيا أدنى مستويات الجهد في التحقق منها قبل طرحها على صفحتك، لتمنح الجميع فرصة التخمين والاستنتاج وتوزيع التهم وتبنّي الإساءة إلى الآخرين.

 

أرجو أن نبتعد تماما عن استخدام كلمة "منقول" في مداخلاتنا لأنها تساهم في إسقاط حقوق الآخرين الفكرية والإبداعية، وتساهم أحيانا، دون أن ندري، في تزييف وعي الشعب والأمة
 

وعندما نعترض ونستنكر هذه الممارسات اللاأخلاقية واللاإنسانية، يكون الرد: ألم تلاحظ أنني بدأت مداخلتي قائلا "مطلوب التأكيد"؟ ولكن الحالة أو المرحلة التي انتقلنا إليها الآن أكثر خطورة لأنها لا تبرر تبني غير الصادق فقط، ولكنها تسقط حقوق الملكية الفكرية وتقدير إنتاج العقول والحرص على تقديم نموذج لعدم الاكتراث بالتأصيل والتوثيق والكشف عن المصادر.

قد يظن البعض أن القضية بسيطة ولا تستحق التركيز أو الاهتمام، ولكن الواقع بل والمثير في تأمل هذه الظواهر وانتشارها المتسارع هو أنها تنتقل من حالة شبكات التواصل الاجتماعي إلى حالات أكثر رسمية ،مثل شبكات الإعلام والجرائد اليومية والمجلات الأسبوعية. ثم، كما أوضحت في بداية مقالي، إلى حالة الأوساط الأكاديمية المعرفية.

 

خطورة هذا التوجه أن تشكيل الوعي المجتمعي، بل وتشكيل الرصيد المعرفي، يمكن أن نكتشف في النهاية أنه مرتكز على مجموعة من المداخلات أو المقالات أو الأطروحات عديمة المصدر والتي لم ينشغل القارئ ولا الإعلامي المهني ولا الأكاديمي المدققبفحصها وتمحيصها والتيقن من مصداقيتها والتعرف الكامل على كاتبها أو محررها. لا يوجد خطرٌ يهدد أي أمة أكثر من أن تكتشف أن عملية تشكيل وعيها وإدراكها وأفكارها واختياراتها وتوجهاتها العاطفية والعقلانية مرتكز على مجموعة كيانات مزيفة ومنقولة ومجهولة المصدر.

أختي النشيطة، أخي النشيط على شبكات التواصل الاجتماعي، أرجوكما ابتعدا تماما عن استخدام كلمة "منقول" وبالإنجليزية "كوبيد cpd" في مداخلاتكما لأنكما لا تساهمان فقط في إسقاط حقوق الآخرين الفكرية والإبداعية، بل إنكما تساهمان أحيانا، دون أن تدريا، في تزييف وعي الشعب والأمة. كما أنكما تؤصلان لفكرة الارتكاز على رصيد عديم أو مجهول المصدر في صياغة مواقفكم وتوجهاتكم واختياراتكم.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة