صراع الحياة اليومية والأحلام.. أيهما كان المنتصر؟

لم تنحصر أحلامي وطموحاتي في أي يوم مضى في أن أصبح فتاة تؤهّل نفسها لتغدو مجرد ربة بيت، تطهو الطعام وترعى الزوج والأبناء وتنظف وتلمع البيت لتكون مضرب أمثال في النظافة، وتستقبل الضيوف والزوار وتتبادل الزيارات والاجتماعيات والمجاملات التي لا تنتهي..
 
أحلامي جاوزت الثريا منذ صغري، ولم يكن للزواج أدنى نصيب بينها، بل وصل بي الحال أني رفضت تَعَلُم فنون الطهي في مراهقتي (إذ تتعلم جميع الفتيات الطهي في تلك المرحلة العمرية استعداداً للزواج وتكوين أسرة) تأكيداً مني لأسرتي ولمن حولي بأنني لا أصلح للزواج ولا أريده!
 
أكملت دراستي وانخرطت في العمل حتى غدوت على أبواب الماجستير، لأجد نفسي، فجأة وبعيداً عن أية مقدمات، أعلق في شباك الزواج والزوجية. وبسرعة، ودون أن أنتبه إلى نفسي، وجدتُني وقد صرت أمّاً لثلاثة أطفال. أحببتهم، بل عشقتهم. ووجدت نفسي أغرق في عقبات وصعوبات ومشكلات يومية نتيجة افتقاري إلى مهارات ربة البيت الضرورية التي أجهلها. كما وجدت أني كنت مخطئة في نظرتي إلى الزواج والإنجاب، فما أروع الأمومة! وما أجمل أن يكون لي طفل أربّيه على ما أؤمن به من مبادئ وأخلاق وقيم ودين، ابن يكون امتداداً لي في الحياة وعوناً لي، إن أرتني الدنيا وجهها الكالح يوماً أو عمراً.
 
ورغم مشاعر أمومتي المستجدّة، التي جعلت قلبي يخفق ويفيض بمشاعر غاية في الروعة، فإنني لم أرغب في أن أكون نمطية، فأغدو صورة مكررة عمن حولي من النساء، فأجلس في البيت كربة بيت وأمّ مثالية، فلم أكن لأكتفي بأن أكون أماً، بل يجب أن أكون عاملة أيضاً وأثبت ذاتي وأدون اسمي في دفتر الأيام بمياه من ذهب، فوجدتني أنساق في الطريق الأصعب والأعقد.
 
كما أنجبت أبنائي وربيتهم، رحت أنجب الكتب والقصص والروايات وأُتعب نفسي في تهذيبها وصقلها، فتطرب روحي لرؤيتها ونجاحها

   

في بدايات حياتي الزوجية، أضفت إلى أدوار الزوجة والأم وربة البيت والمرأة العاملة دور طالبة العلم أيضاً، فحصلت على درجة الماجستير، وأتبعتها بالدكتوراه. كما أضفت إلى تلك الأدوار دور الطاهية المميزة التي لا تُطعم أسرتها إلا الطعام الصحي الذي تُعدّه بيديها وفي مطبخها الخاص، وتحرص دائماً على أن يكون ذا قيمة غذائية عالية وطعم لذيذ ولا يحمل في ثناياه ويخفي خلف طعمه اللذيذ أخطاراً صحية وأضراراً تنتج عن استعمال مضافات الأغذية، وأصباغا، ونكهات، ومحسنات قوام، ومواد حافظة ونسبا عالية من الدهون والملح والسكر وغيرها.

 
وتمضي بي الأيام كمركب يبحر إلى الأمام بسرعة كبيرة دون أن ينتبه إلى أن أيامه تتسرب بين ذرات المياه التي يخوض غمارها، لأجد نفسي، فجأة وقد غدوت على أبواب الخمسين، يهاجم البياض شعري والتجاعيد وجهي والآلام عظامي ومفاصلي، وأكابد مسؤوليات تفوق طاقتي.. أشعر مع كل ذلك بملل يطبق فكيه على نفسي، ككماشة يعصرني، مرهقة ومنهكة حتى الرمق الأخير. أشتاق إلى إجازة طويلة أقضيها في البيت دون أن أغادره. أنام حتى أستيقظ وحدي دون منبه يزعجني منذ الصباح الباكر محذراً من نفاد الوقت وحاملاً العشرات من الرسائل الأخرى المحذرة. فأقفز من فراشي قفزاً لأن الكثير من المسؤوليات تنتظرني ووقتي محدود ومحسوب، فلا أستطيع إهدار أي جزء منه.
  
أبدأ مشواري الصباحي على عجلة من أمري، ولا أنتبه إلى أن اليوم انقضى إلا عندما أخلد لفراشي ليلاً عندما تتجاوز الساعة الحادية عشر مساءً، وأُخال نفسي بأنني مجرد حطام. ورغم هذه الحياة المنهكة، فإنني لم أسمح لتيار تلك الأشغال والمسؤوليات العاتي بأن يجرفني ويلقيني حيث يشاء، بل رحت أكابد الأمواج وأسبح عكس التيار. فمثلاً، ألزمت نفسي بالقراءة والكتابة يومياً حتى غدت الكتابة طقسا ليلياً لا غنى لي عنه، كالماء والطعام.
  
وكما أنجبت أبنائي وربيتهم، رحت أنجب الكتب والقصص والروايات وأُتعب نفسي في تهذيبها وصقلها، فتطرب روحي لرؤيتها ونجاحها. يأتيني بعض الناس يحدثونني عن العقبات التي حالت دون تحقيق أحلامهم، فيقولون: كنت أريد أن أفعل كذا وكذا إلا أن… منعني من ذلك. ويطلبون مني أن أصدقهم، بل وأتعاطف معهم، وهم أنفسهم لم يصدقوا أحلامهم ولم يؤمنوا بها، ولم تكن شغلَهم الشاغل ولا الحافز الذي يشحذ هممهم ويوقد الجذوة داخلهم.


المزيد من المدونات

حول هذه القصة

شاركت أمهات المعتقلين والمخفيين قسرا بسجون تديرها قوات الحزام الأمني التي تشرف عليها الإمارات بمدينة عدن بوقفة احتجاجية أمام منزل نائب رئيس الوزراء وزير الداخلية للمطالبة بالكشف عن مصير ذويهم.

الأكثر قراءة