تطوان وشفشاون.. تحف غرناطية

أحيى العالم منذ بضعة أيام ذكرى سقوط الأندلس، وسقوط آخر معاقيلها مدينة غرناطة.. يعيدنا المشهد إلى القرن الخامس عشر، والمشاهد العصيبة التي عاشها سكان الأندلس على يد الملكين الكاثوليكيين فيرناندو وإيزابيل، بعد خرقهما الاتفاقية الموقعة مع حاكم غرناطة، فعاش حينها مسلمو غرناطة ويلات محاكم التفتيش والتعذيب، مشاهدُ تبكي لها العين دماً من هول وصفها.
 
كان الموريسكيين حينذاك يملكون خيارين اثنين أحلاهما مر: إما هجرة الوطن والرحيل عنه أو تعميدهم من قبَل المحكمة، فاختار عدد منهم التوجه نحو بلدان شمال إفريقيا هروباً من ويلات وبطش الكاثوليك، خصوصاً بعد قرار فيليب الثالث وطرد الموريسكيين من الأندلس سنة 1906م. كان للمغرب حينذاك نصيب الأسد، فتمركز الوجود الموريسكي في مدن الشمال وفاس والرباط، فشيدوا قرىً وأحياءَ ببصمة أندلسية قحة، خصوصاً هنا في مدن الشمال.
 
ولطالما تساءلتُ -بدوري- عن سبب تأثرنا، نحن أهل شمال المغرب، بالثقافة الإسبانية، ما السبب الذي كان وراء مزج ثقافتنا بثقافة جارتنا الأوروبية؟ تساؤلات طالما رددتها كلما سنحت لي فرصة زيارة الأحياء العتيقة، أهو القرب الجغرافي للضفة الأخرى يا ترىظ؟ أم أنه من مخلفات الاستعمار الإسباني لمنطقة الشمال؟ احتمالات كثيرة صُغتها وحاولت النبش فيها والتحقق منها؛ لكنْ في كل محاولة مني لفهم ذلك كنت أهمل جزءاً مهماً من تاريخ المنطقة، جزءا كنت أتغاضى عنه نظراً إلى عدم اطلاعي الكافي عليه وعلى أجزائه الخفية، لكنني الْيَوْمَ قررت التنقيب عنه لفهم تاريخ المنطقة والتعرف على خباياها..
 
يخيّل إلى الزائر منا لمدينة تطوان وكأنه في كنف مدينة إسبانية، فالمعمار الأوروبي يطالعك يميناً ويساراً، والجدران هنا تحمل في أعمدتها رائحة أندلسية، فمدينة تطوان، أو تطاوين، تمثل نموذجاً للحضور الأندلسي الغرناطي. فبعد تعرضها للتدمير الكامل على يد الاستعمار البرتغالي، طال المدينةَ شبحُ النسيان، إلى أن قدم إليها النبيل الغرناطي أبو الحسن علي المنظري، الذي أعاد تأسيسها مع المهاجرين الموريسكيين، ليقدموا لنا تحفة معمارية أندلسية غرناطية. فموريسكيو شمال المغرب تمكنوا من الحفاظ على موروثهم المعماري والشفهي المتمثل في الطرب الأندلسي أو الغرناطي وملبسهم ومطبخهم من النسيان، أكثر مما حافظ عليه موريسكيو فاس والرباط.
 
لايمكننا تهميش الحضور الأندلسي في كل من مدينة طنجة وشفشاون، فلهما أيضاً نصيب من الثقافة الغرناطية، التي ألقت بظلالها على مدن الشمال جميعها

 

صُمّمت المدينة على شكل قلعة، فأسوارها العالية تحيطها من جميع الجوانب، فتوحي للقادم من بعيد بأنها قلعة حربية. أما المعمار الداخلي للبيوت وللمرافق العامة فهو شبيهٌ تماماً بنظيره الأندلسي، فما زالت جدران القصور والبيوت والأضرحة والمساجد تحمل عبقاً أندلسياً، يحكي للزائر هوس أهلها بوطنهم ويجسد حرقتهم على ضياعه.

 
يتجسد الحضور الموريسكيو، أيضاً، في لباس المرأة الشمالية، فالمنديل الأحمر المخطط بالأبيض الذي ترتديه نساء المنطقة يعود أصله إلى الثقافة الأندلسية، إذ حمل فيه الموريسكيين متاعهم خلال هجرتهم وركوبهم قوارب الخيبة، إضافة إلى الجواهر والحلي الغرناطي التي مازالت تستعمل كزينة للعروس، بالإضافة إلى الموشحات الأندلسية التي ترددها النسوة في المناسبات، فلا يخلو عرس أو مناسبة منها.
وغير بعيد عن مدينة تطوان، نجد قبيلة أنجرة، وهي من أكبر قبائل المنطقة، المكان هنا شبيه بمنطقة "البشارات" في غرناطة. فقد وجد فيها الموريسكيون الفلاحون بديلاً فأقاموا عليه البيوت البيضاء وتزوجوا من سكانها وجعلوا من أرضها الخصبة أرضاً فلاحية بامتياز. كما أنهم أطلقوا على بعض قراها أسماءاً إسبانية صرفة.
 
كما لا يمكننا تهميش الحضور الأندلسي في كل من مدينة طنجة وشفشاون، فلهما أيضاً نصيب من الثقافة الغرناطية، التي ألقت بظلالها على مدن الشمال جميعها، هذا الموروث الأصيل الذي ما زال السكان يحافظون عليه من الاندثار. ما زال أحفاد الموريسكيين يتخذون من المغرب وطناً لهم، بعد ان عاش أجدادهم حلم العودة إلى الوطن. فعلى خطى المهاجرين الذين هجروا طوعاً من وطنهم، نجد أن الموريسكيين احتفظوا منذ قرون بمفاتيح بيوتهم في غرناطة وورّثوا هذه المفاتيح لأبنائهم أملا في عودتهم ذات يوم إلى الوطن.
 
لقد كان كابوس سقوط الأندلس ولا يزال واقعاً معاشاً للموريسكيين الأحفاد، إذ أن معاناتهم تنتقل من جيل إلى جيل؛ كابوس تحيي ذكراه الْيَوْمَ إسبانيا عن طريق تظاهرات للتذكير بانتصارهم واستيلائهم على المخزون الأندلسي، من كتب ومخطوطات علمية وارتكاب الكاثوليك جرائم إبادة في حق المسلمين الغرناطيين.


المزيد من المدونات

حول هذه القصة

شهدت كنيسة المهد في بيت لحم إحياء قداس الميلاد بحضور الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وسط استمرار أجواء غضب ضده لاتهامه بالمشاركة في صفقات بيع أو تأجير أراض وعقارات لمنظمات يهودية.

الأكثر قراءة