السيدة راء وأنا

مرتدية فستان زفافي، تحيطني صديقاتي ويبدو على وجهي القلق، لا أملّ السؤال عن الساعة، فقد تأخر بنا الوقت ونحن على سفر إلى حيث يقام العرس. يأخذني زوجي من يدي بعيدًا ويدهشني هدوءه، وبعيدًا ألمح ترتيبات صديقاتي لأمر ما. يغمض عيني ولا أسمع سوي تعليقاتهن: "والآن، افتحي عينيك".. أشهق، أعجز عن النطق، رأيتها.
 
كان وجه رضوى أمامي مباشرة، مجسم خشبي لها، لوجهها وضحكتها وأبيات من شعر مريد أسفل الصورة. تلاقت أعيننا فغلبت بسمتي عبرتي، رضوى تشاركني الفرح أو تبعث في قلبي فرحًا فوق فرح. تقف صورتها تلك منذ ذلك اليوم جوار مكتبتي شاهدة على حب مُهدى إلي بضحكة رضوى، ويتعاقب السؤال من الزائرين مَن هذه؟ ولماذا هي هنا؟ لا أذكر بدء معرفتي برضوى، كأنها معرفة بدأت منذ الأزل.. كنت طالبة ثانوي حين ادخرت لأقتني أول كتاب لها، ولم أعرف أن دربًا يجمعني برضوى سيطول وأن رضوى ستكون دافعي الأول لأكتب.

أقف داخل عربة من عربات القطار وأنا في أول سنة من سنوات دراستي الجامعية، ولأنه لم يتسنَّ لي حجز مقعد، ولأني أعرف أن قواي ستخور لا محالة وأني لن أحتمل رحلتي واقفة، أختار أن تصحبني رضوى في "تقارير السيدة راء".. تحكي وأستمع وأراها، السيدة الشابة ذات الشعر الأسود القصير تعبر عن رأيها -السياسي غالبًا- بصوت عالٍ داخل سيارتها الـ"127″ الزرقاء، وأراها تلوم نفسها وتعنفها وتحادثها بصوت عالٍ، وهو ما أفعله أنا في أغلب الأوقات.

وتصحبني رضوى في رحلة قطار أخرى وهي تقص عليّ أنباء رحلتها إلى أمريكا، فتاة عشرينية تحمل حقائبها تارة وتحمل آلة كاتبة تارة أخرى وتحمل الكثير والكثير من الشوق لرفيق عمرها مُريد. تنتظر وأنتظر وصول أول خطاب بعد السفر، وألعن عنها المسافات التي باعدت بينهما. وفي الجامعة تثقل علي المحاضرة التي أحضرها، خاصة أن الدكتور يحترف نصب الفاعل ورفع المفعول احترافًا يشعل غضبي، فأنصرف عنه إلى رضوى وحكايات "خديجة وسوسن"، خديجة الأم التي أسلمت نفسها للزمن، وسوسن التي تحاول تعديل جريانه. وتضعني رضوى أمام خوفي الأكبر، هل تتحول سوسن إلى خديجة أخرى؟
  

 
يغلبني البكاء فأجهش. تهرع إلي صديقتي ورفيقة الغرفة لتطمئن عما إذا كنت أواجه صعوبة في مادة امتحان الغد أم ماذا. أطمئنها بأنْ لا دخل للامتحان في الأمر وبأنني أبكي شتات رقية وأبنائها.. تنظر إلى الكتاب الذي أمسكه "الطنطورية" حسنا تذهبني وتمضي..

وأبكي إحراق الكتب وضياع الأندلس وموت أبي جعفر وعذاب سليمة وهرب حسن بـ"ثلاثية غرناطة"، أبكيهم داخل قطار مرة أخرى لأرفع وجهي عن الكتاب فأكتشف أنني أصبحت موضع تحديق المارة.. وأنتبه الآن، لمَ يجمعني ورضوى كل هذا السفر؟! تحمل كل رواية جزءًا من رضوى تحكيه كأنه لا يخصها، لكن المُحب لرضوى وحيرتها ودهشتها على الورق سيفطن لذلك بلا شك حتى يأتي الوقت الذي تزيح فيه حجاب التورية عن وجهها وتجالسك لتقص، وهي رضوى هذه المرة هي بطلة قصتها في "أثقل من رضوى"، أن ترى كل من أحببتهم في أعمالها متجمعين فيها. هي ندى ورقية ومريمة، وهي، في أكثر الحالات، أنا.
 
هي الطالبة التي تقف على سلم الجامعة تسمع رفيق عمرها يقرأ الشعر الذي يكتبه، فتقرر التوقف عن كتابة الشعر، وهي الأنثى المحاربة التي تحارب لتكمل عمرها مع من تحب، وهي الأم التي تُحسن الأمومة، وهي الأستاذة الجامعية التي تجلسنا جميعًا أمامها لنبدأ التعلم، وهي الكاتبة التي تكتسي اللغة في رواياتها بزي يليق بها.

لا يتعلق الأمر حتى بكتابتها، أشعر بأن ما يجمعني بها أكبر، ليس الروايات سوى الملموس في الحكاية، حين أجابت رضوى عن سؤال لماذا تكتبين أنها تخاف الموت وترغب في تحديه كانت تفسر لي لماذا أكتب.. أرسلت إليها قبل موتها بستة أشهر تقريبًا أخبرها بأني أحبها وحسب، لكنها لم ترها وقررت أن أذهب لأراها، لكني عرفتُ أنها مريضة فأرجأت الأمر. زارني طيفها في حلم، لا أذكر منه سوى ضحكتها ونظرتها وإبتهاجي بذلك الحلم. وظللت أرفض أن أكتب عن رضوى خوفًا مني على الحب الذي أعُدّه أحد أسراري، ولكن إن جمعتنا الكتابة التي تحبها رضوى فما الضير في أن أهدي روحها هذه الكلمات!؟



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

شهدت كنيسة المهد في بيت لحم إحياء قداس الميلاد بحضور الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وسط استمرار أجواء غضب ضده لاتهامه بالمشاركة في صفقات بيع أو تأجير أراض وعقارات لمنظمات يهودية.

شاركت أمهات المعتقلين والمخفيين قسرا بسجون تديرها قوات الحزام الأمني التي تشرف عليها الإمارات بمدينة عدن بوقفة احتجاجية أمام منزل نائب رئيس الوزراء وزير الداخلية للمطالبة بالكشف عن مصير ذويهم.

الأكثر قراءة