المخدِّر النفسيّ.. أثرُ الحربِ السورية

blogs - syrian

"رائحةُ الباستا تتدفّق إلى أنفي، الموسيقى الصاخبة تدلل على شبابيّة المكانِ هنا، طاولاتٌ وكراسٍ وألعاب"، كان هذا أوّلُ مشهدٍ عايشتهُ لحظة دخولي إلى إحدى الحواضن الشبابيّة في برلين، ألمانيا. كان جُلُّهم من بلادٍ عربيّة منوّعة نزحوا إلى هنا بطرقٍ شتّى ولأسباب متفاوتة رغم تشابهها، ومع هذا، كان قدرٌ كبيرٌ منهم قد لجأ إلى ألمانيا هربًا من الموتِ في سورية، إلى الحياةِ الأكثر أمنًا… هنا.

من البديهيّ أنّ أعمار الشبّانِ غضّة متراوحة ما بين 12 إلى 23 عامًا، واحتضانهم وتوفير إطار داعم لهم للتواجد في مكانٍ ينمّي ويطوّر قدراتهم هو أحد أهداف هذا المركز الألمانيّ الذي يفتح أبوابهُ أمام الألمان والأجانب على حدٍ سواء. ومن الجليّ أيضًا أنّ ألمانيا تبذل جهودًا ماديّة ومعنويّة لتدمج المهاجرين في صفوف الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة لها بما أنّ اللاجئين يبحثون عن إطار لهم لاحتضانهم وتوجيههم وتنمية مهاراتهم للاندماج والتطوّر في ألمانيا، بعد رحلة اللجوء الطويلة المتخمة بالشتات وعدم الاستقرار.

"الحربُ غيّرت كل حياتنا، ما كنت أقدر أروح عالمدرسة بسبب أنه منطقتنا كانت خطرة"، قالها لي أحد الشبّان النازحين من سوريا ساردًا لي تفاصيل نزوحه إلى تركيا بمفردهِ دون عائلتهِ، هُناكَ في اسطنبول وأنقرة وإزمير جرّب أكثر من عمل، ولكنّه كما عبّر لي فإنّ جميع الأعمال كانت شاقّة بالنسبةِ له ولا تتيح له التمتع بقضاء يومه على الوجه الذي يريد، عدا المبالغ المالية القليلة التي كان يتقاضاها، فرأى في العمل ضمن عصابات تهريب اللاجئين من هناك إلى اليونان رزقًا أكبر له.

كثر من الشباب السوريين يطمحون إلى إثبات أنفسهم في العلم والعمل الجادّ لدحض كُلّ العنف الذي جعلَ منهُم ضحايا، فالإنسان والعنف علاقة تحتاجُ إلى ترويض كي لا تستمر كما كانت في عهدِ قابيل وهابيل

كان هو فردًا صغيرًا من هذه العصابات، تلخّصتْ مهمّته بإقناع اللاجئين بالسفر عبر القوارب المطاطيّة المنفوخة، ليتفق معهم بعدها على الموعد المحدد للانطلاق من وسط المدينة، والأهم من ذلك: السعر، فيذهبُ بهم بعد الاتفاق بأيام إلى الشاطئ للانطلاق نحو المصير المجهول بواسطة شاحنة يجلسُ هو بجانب سائقها ومعهُ عددٌ من اللاجئين.

اعترفَ لي وكأنّه لم يقترف أيّ ذنب، بل في عينيه ابتسامة لم أفهم سببها: "عند وصولنا إلى الشاطئ كان اللاجئون يأتون مع كثيرٍ من الحقائب والأمتعة وأنا كنتُ أمنعهم من اصطحابها إلى متن القارب المطاطيّ، أجبرتهم دومًا على اصطحابِ مقتنياتهم الهامّة فقط وترك ما تبقى على الشاطئ، فالقاربُ المطاطيّ لا يتّسعُ إلّا إلى 25 شخصًا، ومع هذا كُنّا نضعُ على متنه 30 شخصًا كي نكسب المال، فهم بالمقابل يريدون النزوح بأي ثمنٍ كان. كلُّ شخصٍ عليهِ دفعُ 800 دولار للصعود وكذلِكَ يبلغُ سِعرُ القارب المطاطيّ 800 دولار، أي أننا نشتري قاربا مطاطيّا مقابل ما يدفعهُ شخص واحد، أما الكابتن يكونُ واحدًا من بين اللاجئين المتطوعين بقيادة القارب ولا أحد مختصّ للقيادة بهم".

قاطعتهُ ووجهي يرسمُ ألف علامةِ سؤالٍ له: "لكنّك تعلَم أنّ كثيرا من السوريين، أبناء جلدتك، قد ماتوا غرقًا وهم يسافرون في هذه القوارب المطاطيّة إلى اليونان، أليس كذلك؟"، فأجابني: "هذا قضاءُ الله وقدره، أنا ليس لي شأن بهذا، إن كتبَ الله لهم الموت سيموتون" ثم ابتسم متابعًا: "هل تعلمين أنّهم كانوا يتلون كل آياتِ القرآن عند صعودهم إلى القارب إلى حين وصولهم، لأنّ شعور الرعب والخوف يدبُّ بِهم! كان من الممكن أن يقبض عليهم خفر السواحل التركيّ فيعيدهم إلى تركيا وبهذا يخسرون المال الذي دفعوه، وإن كانوا محظوظين سيلحظهم خفر السواحل اليونانيّ لإيصالهم إلى برّ الأمان، هذا إن لم يموتوا غرقًا".

أما هو، قرر بعدها اللجوء إلى ألمانيا لأنّ شروط المعيشة والإقامة بها أفضل للاجئين من تركيا كما أخبره أصدقاؤه، وفعلًا نزحَ إلى ألمانيا بعدَ أن خرجَ من تركيا عبر الباخرة، ساردًا لي "وصلتُ إلى ألمانيا وحصلتُ على الإقامة، أمضيتُ سنة كاملة دون أن أتعلم أو أعمل، أريد أن أعيش حياتي الآن فشروط المعيشة تساهم في أن أرتاح". اللافت في الأمر أنّه استخدم مصطلح "أعيش حياتي" أكثر من مرّة، فاستوقفته "كيف تريد أن تعيش حياتك؟" أجابني: "أن أجرّبَ كُلّ شيء، فأنا ما زلتُ شابًا والأحداث في سورية منعتنا كشبّان أن نعيش بشكلٍ طبيعيّ في مرحلتنا العمريّة هذه، لقد خسرنا الكثير".

العنفُ توأم الدكتاتوريّة والسلطويّة والقمع والترهيب وسلب الحريّات ونفي الآخر... والآن هو ألّا تلقِي بأخيك إلى مصيرٍ مجهول.. للموت..
العنفُ توأم الدكتاتوريّة والسلطويّة والقمع والترهيب وسلب الحريّات ونفي الآخر… والآن هو ألّا تلقِي بأخيك إلى مصيرٍ مجهول.. للموت..

حاصرني حينها السؤال "كيف أثّرتْ تجربةُ الحربِ واللجوء على شبابٍ يافعين مثلهم في فكرهم ومبادئهم ونظرتهم للحياة؟". ربما تكون الأجوبة في الأعلى تحملُ وجهًا قاسيًا من التناقضات والألم، ولكن حتمًا لا يُمكنُ تعميمها على قدرٍ واسع، وهي ليست حالة عامّة للشباب السوريّ، إلّا أنّ ملاحظةً عامّة للسلوكيات في هذا المركز خلصتْ إلى أنّ استعمال العنف السلوكيّ والجسديّ واللفظيّ المتمثل بالشتائم يتم بشكلٍ بارز واعتياديّ، ربما قد يكون هذا نتاج عوامل نفسيّة أخرى لا شَأن للحربِ بها، كأن العنف نتاج سلوكياتنا الذكوريّة في المجتمعات العربيّة التي تتمخض عنها مفاهيم الرجولة، أو ربما قد تكون الحرب قد تركتْ أثّرًا خفيًا يظهرُ في عدد من ردود الفعل على التخبطات الاجتماعيّة والشخصيّة والمهنيّة، بطريقةٍ أو بأخرى.

في تعريف الحرب؛ هي حدث جماعيّ شامل يتصارعُ فيه طرفان وأكثر، أما أثر الحربِ على الأفراد فهو خفيّ لا يُمكنُ قياسُه بشكلٍ مباشر، ولكنّهُ في أفضلِ توصيف له أنّه مخدّرٌ نفسيّ للأفراد، بعض من يتعرّضون لصدمات الحرب من المراهقين يصبحون رافضين تمامًا لأي سلطة تُفرض عليهم، مما يجعلُ منهم أكثر عدائيّة ورفضًا للمحيط، ربما قد يبرّرون كلّ ما يفعلون من منطلقِ ما تعرّضوا له من ظلم وتشريد وقمع، كما أنّها تظهرُ أحيانًا بعدم القدرة على العمل أو الانخراطِ بالحياة.

لا شكّ أنّ هذه حالة واحدة من عدّة حالات تعرّفتُ عليها في مركزٍ لرعاية الشباب ورأيتُ بها تناقض الأحوال، بيدَ أنّ كثيرا من الشباب السوريين يطمحون إلى إثبات أنفسهم في العلم والعمل الجادّ لدحض كُلّ العنف الذي جعلَ منهُم ضحايا، فالإنسان والعنف علاقة تحتاجُ إلى ترويض كي لا تستمر كما كانت في عهدِ قابيل وهابيل، فكيف لمن كان ضحيّة هذا اللجوء أن يقبلَ الأذى على من يساوونهُ في المعاناة؟ فالعنفُ توأم الدكتاتوريّة والسلطويّة والقمع والترهيب وسلب الحريّات ونفي الآخر… والآن هو ألّا تلقِ بأخيك إلى مصيرٍ مجهول، للموت، العنف حلقة يصبحُ فيها من كان الضحيّة جلادًا.. وهذا أخطر ما قد يكونُ مستقبلًا على بلداننا العربيّة!