ماذا جرى لعامل الألوميتال؟

في صباح الجمعة الماضية 29 ديسمبر المنصرم، وأثناء انتهاء صلاة القدّاس في كنيسة "مارمينا"، الكائنة في منطقة حلوان في جنوب القاهرة، كان المدعو إبراهيم إسماعيل رفقة مسلّح آخر قد وصل إلى الكنيسة التي يعرفها جيدًا شاهرًا سلاحه، مُرديا به عشرة مواطنين، أغلبهم في متجر في شارع "أطلس" وبعضهم الآخر في شارع الكنيسة.

 

باتت تفاصيل الحادثة معروفة على مواقع التواصل الاجتماعي. كما بات من مكرورا الحديث عن التقصير الأمني وتحميله مسؤولية الضحايا الأبرياء.

 

أعادت الحادثة إل ى الأذهان رعب الشهور الستة التي قضيناها في مصر ما بين ديسمبر 2016 ومايو 2017، والتي شهدت الاعتداء على الكنيسة البطرسية وكنيستَي الإسكندرية وطنطا و"أتوبيس" المنيا، وهي الحوادث التي تبنتها خلايا تابعة أو موالية لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

 

وبما أنّ حوادث العنف ليست متناثرة وليست منبتّة الصلة عن سياقها وجذورها، ولا تحدث فجأة وبدون إنذار، فإنه يمكن قراءة أمرين في هذه الواقعة تحديدًا.

 

أوّلها متعلّق بمنطقة حلوان ومزاجها السياسي. فقد كانت حلوان من المناطق التي تتالت فيها المظاهرت المناوئة لانقلاب يوليو 2013، مثلها مثل مناطق الألف المسكن، وعين شمس، والمطرية في القاهرة. وقد زادت المظاهرات بعد مجزرة رابعة في أغسطس 2013 واستمرت حتى صيف 2014 في منطقة حلوان حين ظهرت مجموعة في فيديو تبدو عليه مظاهر السذاجة وانعدام الخبرة وأسموا أنفسهم "كتائب حلوان". طوال شهور طويلة إذن، لم تتوقف مدرعات الأمن وحملات الأمن عن تمشيط منطقة حلوان بالكامل واعتقال العديد من شبابها الذين شارك بعضهم في التظاهرات  وتصادف مرور وبعضهم في وقت اشتداد الحملة الأمنية.

المدرعات الأمنية موجودة بالفعل في حلوان، ولكنّها ليست لأجل "الحماية" من اعتداءات ممكنة أو متوقعة، بل موجودة لأجل قمع التظاهرات السلمية واعتقال الشباب. لذا لم يكن غريبًا تصريح المسؤول الأمني عن سبب انصراف مدرّعة شرطة كانت قريبة من مكان منفّذ الحادث المسلح، بأنّ تلك المدرعة مجهزة لفضّ التجمهر وليس للتصدّي لمسلّح..

لقد سبقت الدولة إلى العنف والقمع والزج بعشرات الشباب في السجون في إطار الجملة في قضايا تُنظر أمام المحاكم إلى اليوم، وجعلت البيئة مهيّئة لردّات فعل لا تتوانى عن محاولة محاكاة الدولة في عنفها الشديد، والموجّه إلى الأبرياء.

 

 

ثانيها متعلّق بمنفذ الحادث، الذي انكشفت هويته فورًا، وتبيّن أنّه من سكّان حلوان ومن مواليد 1984، والذي أصيب وعولج وأدلى باعترافات أمام النيابة. كان إبراهيم "في حاله" قبل 2013، كما يقول جيرانه. ووفق هؤلاء الجيران، فقد "كان من البيت إلى عمله إلى المسجد" ولم يشارك في مظاهرات من الأصل. وكان، بحسبهم، عامل ألوميتال "شاطر" لديه ورشته الخاصّة، وكان كذلك من أسرة "مستورة وطيبة". ويواصل الجيران أنّه اختفى من المنطقة منذ ثلاث سنوات، أي في 2014، العام الذي كانت فيه المدرعات تمشّط حلوان وتفضّ مظاهراتها وتعتقل شبابها.

 

ماذا جرى لعامل الألوميتال؟ ماذا جرى للشاب الثلاثيني ليمتشق السلاح ويتوجه إلى الكنيسة التي من المؤكد أنّه يعرفها جيّدًا ليقتل أبرياء؟ ماذا جرى ليقتنع بأفكار تسوّغ له حمل السلاح وقتل أبرياء؟ أليس من الأقرب القول إنّه حاكى المدرعات والأجهزة الأمنية التي تحمل السلاح هي الأخرى وتقتل به أبرياء، ولديها من الأفكار ما يسوّغ لها هذا القتل؟

مقولة التقصير الأمني قد تريح ضمائرنا، ولكنّها في الوقت ذاته لا تقدّم أو تؤخر شيئًا. فجميع الكنائس كانت في ظل حماية مدرعات الشرطة قبيل أعياد الميلاد، وقد زادت الاحتياطات الأمنية تحسبًا لهجوم "المفارز الأمنية" لتنظيم الدولة. ولم تغنِ هذه الاحتياطات شيئًا. فما الذي يدفع عامل الألوميتال ليهجر ورشته وزوجته ويختفي ثلاث سنوات، ثمّ يعود ليهاجم كنيسة جيرانه؟ ألم يكن من المرجح أن يكون عامل الألوميتال في ورشته الآن، أو مع أسرته أو يلعب "ماتش كورة" مع جيرانه، كما يقول هؤلاء، عوض تحوّله إلى عضو تنظيم مسلّح؟ قد يفيد التيقظ الأمني في ضبط الجناة وملاحقتهم، لكنْ على الأغلب بعد نجاح الجناة في قتل العديد من الأبرياء. ولكن هل تفيد اليقظة الأمنية في منع وقوع الحوادث من الأصل؟

 

على الرغم من مرور ما يزيد عن أربع سنوات، لا نزال نعيش متتالية انقلاب دموي ومجازرَ دموية ارتكتبتها الدولة دون هوادة. ولا نزال نتجرّع مرارة اغتيال السياسة والعمل السياسي الذي كان وليدًا في مصر بعد الثورة. وحين يُغلق باب السياسة، يصبح الطريق ممهدًّا للعنف.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

العيوب الأمنية لأجهزة الحاسوب وتصريحات المستشار السابق في البيت الأبيض ستيف بانون المثيرة عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب واحتجاجات إيران تلك هي أهم مواضيع الصحف الفرنسية الصادرة اليوم الجمعة.

تناولت صحف ومجلات أميركية قضايا ومواضيع دولية متعددة ومتنوعة، من بينها الاحتجاجات الإيرانية المتواصلة، وقال كاتب بواشنطن بوست إن لدى الشعب الإيراني مقومات الثورة لكن هناك نظام قوي يحول دونها.

الأكثر قراءة