الوعي ومركزية الإنسان (2)

يمكننا أن نتساءل عما إذا كان مفهوم الحرية يشير إلى شيء واقعي، هو الحرية لا كشيء نريده وإنما كشيء له وُجود واقعي، مثل وجود الأرض والأشجار، أي وُجود خارج عالم الأفكار والرغبات. إن خصائص الأشياء المحسوسة مثل الطول أو اللون لا يُمكن تصورها موجودة إلا في شيء ما، في مادة، فليس هناك شيء اسمه الطول أو اللون موجود بشكل مستقل عن المادة. فهل الحرية هي خاصية مثل الطول أو اللون، أي مجرد صفة تتعلق بالإنسان والمجتمع بحيث تكون عبارة "إنسان حُر" مماثلة لعبارة "مسطرة طويلة" و "طاولة بيضاء"؟

 

هُناك وجه لهذه المقارنة مثير للاهتمام، وهو أن كلا من الطول واالبياض هي كميات وخصائص غير محددة ومتدرجة. فمسطرة طويلة هي شيء غير محدد بدقة، إذ يُمكن أن يكون طولها 70 أو 90 سنتمترا أو أي رقم أكبر أو أقل أو بين الرقمين، فهل يُمكن قول الشيء نفسه عن الحرية. بمعنى أن حرية الإنسان ليست مثل متغير ثنائي قيمته إما صفر أو واحد. فهل الحُرية رمادية إذن؟

 

على أية حال، يُمكننا التفكير في الحرية بأفضل شكل كنقيض للضرورة والحتمية والإكراه، وعلى أساس هذا التعريف يُمكننا تتبُّع الضرورة والإكراه في مستويات مختلفة من الوجود الإنساني. هناك المستوى الخارجي الاجتماعي والسياسي، فالإنسان يُوجد في مجتمع تحكمه العديد من الأنظمة والهياكل أو البُنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والمعرفية، وحرية الإنسان في هذا المستوى تتحدد بإزاء هذه الهياكل القائمة خارج الإنسان.

 

لا وجود للذات بعالم محكوم بالعقل، سواء كان هذا العقل مفارقا، أو كامنا بصميم العالم في صورة قوانين أو في صورة سببية شاملة تحكم الواقع المحسوس والواقع الذهني على السواء
 

هناك مستوى آخر للحرية أكثر التصاقا بالإنسان يتعلق بجوهر الإنسان نفسه، بما يُمكن تسميته الذات الإنسانية. في هذا المستوى يُمكن التفكير في الحرية كخاصية للذات، بنفس المعنى الذي يكون به الطول خاصية للمسطرة، أو اللون خاصية للأشياء الملونة. الحرية بهذا المعنى هي التي تحكم علاقة الإنسان بالعالم الخارجي، وبالتالي حريته بالمعنى الأول، أي الحرية الخارجية في الواقع الموضوعي.

 

إذا فكرنا في الحرية بالنسبة للذات الإنسانية كالطول بالنسبة للمسطرة، فإن انعدام الحرية بالنسبة للذات، يعني انعدام الذات نفسها، تماما مثلما أن انعدام طول المسطرة يعني انعدام المسطرة. وليس ذلك لأن الحرية هي الذات، أو لأن الخاصية الوحيدة للذات هي الحرية، وإنما لأن الذات بدون حرية ستكون مثل مسطرة بدون طول. لنفكر الآن على سبيل الجدل في قطعة مسطرة لها كل خصائص الشوكولاتة من لون ورائحة ومذاق ولكن طولها يساوي الصفر. ستكون هذه المسطرة/الشوكولاتة غير موجودة ببساطة لأنها لا تملك طولا ولو قليلا.  الأمرنفسه بالنسبة للذات، إذا كانت تملك جميع ما يُمكن اعتباره خصائص الذات الإنسانية، فإذا لم تكن حرة فهي ببساطة جزء من العالم الواقعي، وسيكون هناك فقط عالم واقعي وليس هناك ذات بالمعنى الذي نفهمه من هذه الكلمة.   

 

لا وجود للذات في عالم محكوم بالعقل، سواء كان هذا العقل مفارقا، أو كامنا في صميم العالم في صورة قوانين أو في صورة سببية شاملة تحكم الواقع المحسوس والواقع الذهني على السواء، وإنما توجد الذات في مقابل كل هذا، كنقيض لكل ما هو موجود بشكل موضوعي، نقيض لكل ما تسري عليه السببية والقوانين وأي شكل من أشكال الإرادة العليا يُمكن أن يُوجد، أي أن الذات لكي "تُوجد" يجب أن تكون شيئا مستقلا عن كل ما يُدرك بوصفه موجودا، شيئا قائما بذاته، وإلا فليس هناك ذاتا. فإذا كانت الذات موجودة على غرار وجود الأشياء الأُخرى، فهي ليست حُرة، لأنها ستكون جزءا من العالم، أي جزءا من كل أكبر يسري عليه ما يسري على هذا الكل. وما ليس حُرا لا يُمكنه أن يكون ذاتا، وإنما شيئا ضمن الأشياء.

 

فإذا كانت الذات مستقلة عن العالم وحرة فهي لا يُمكن أن توجد في نفس هذا العالم، بغض النظر عمّا تعنية كلمة "العالم" هنا، بل يجب أن يكون هناك شيء أشمل من الذات والعالم يستوعبهما معا، وأيّا كان هذا الشيء فيجب أن يكون حُرا بمعنى أنه لا يسوده أي شكل من أشكال السببية. فما هو الذي يُمكنه استيعاب العالم والذات معا، ودون أن تفقد الذات حريتها وهويتها بالتالي؟ إن التفكير في هذا السؤال ربما سيقودنا إلى شكل من أشكال وحدة الوجود.

 

الذات ليست موجودة لأننا لا ندركها، ولكن عدم إدراكها لا يعني أنها عدم، تماما مثلما أن عدم رؤية العين لنفسها لا يعني أن العين عدم أو أنها مجرد خيال و افتراض
 

يُمكننا إعادة طرح المشكلة من منظور آخر لا ينتهى بنا إلى سؤال "أين توجد الذات"، وذلك بالتفكير في الوجود كخاصية لا تتعلق بالذات وإنما بالأشياء الأخرى، والتي توجد أساسا بالنسبة إلى ذات واعية ما. بهذا المعنى يُمكننا القول إن الذات غير موجودة، ليس بمعنى أنه ليس هناك ذاتا، وإنما بمعنى أن الوجود ليس خاصية متعلقة بالذات وإنما بالأشياء الأخرى، بالموضوعات التي تدركها ذات ما. بمعنى أن الوجود هو أمر متعلق بالإدراك وناتج عن الوعي وهو ينطبق على الموضوعات التي تُدرك في الوعي، وليس من بينها الذات كما سيتضح بعد قليل.

 

ينتج عن هذا الافتراض فصل الذات عن كل شيء يُمكن أن يحدد ماهيتها، لتصبح بذلك هي مركز الوجود، بمعنى أن كل ما يُوجد إنما يوجد بالنسبة الى الذات، وليس ذلك لأن الأشياء لا وجود لها بمعزل عنها، وإنما لأن مفهوم الوجود لا معنى له خارج الذات، والأهم من ذلك لا يُمكن تطبيقه على الذات، أي لا يُمكننا القول بأن الذات موجودة. مثلما أن العين لا يُمكن أن ترى نفسها، فكذلك الوجود هو بالنسبة للذات مثل النظر بالنسبة للعين.

 

فما هو موجود بالنسبة لنا، هو كذلك لأننا ندركه أو لأننا نعتقد بوجوده. وإذا زال الإدراك وزال الاعتقاد، فليس هناك وجود، وليس ذلك بالطبع لأن الأشياء في ذاتها تنعدم، وإنما لأن مفهوم الوجود يشير الى وجود الشيء في الذهن كمدرك، وليس الى وجود الشيء في ذاته بمعزل عن الإدراك، لأن ذلك غير ممكن. فنحن نشير الى الأشياء التي ندركها بحواسنا وعقولنا، ولا يُمكننا الإشارة إلى ما هو خارج الإدراك، لا يُمكن أن نقول بأن شيئا ما هو موجود خارج إدراكنا. والذات ليست موجودة لأننا لا ندركها، ولكن عدم إدراكها لا يعني أنها عدم، تماما مثلما أن عدم رؤية العين لنفسها لا يعني أن العين عدم أو أنها مجرد خيال وافتراض.

 

قد تبدو خلاصة هذا المسار من التفكير غريبة: هناك ذات، ولكنها غير موجودة! ولكن هذه الغرابة تزول، إذا اعتبرنا الوجود هو دائما وجود داخل الوعي، أي هو فكرة توجد خلال الذات، بذلك تكون هذه الخلاصة مقبولة باعتبار أن الشيء لا يُمكن أن يوجد داخل نفسه. 



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قدمت جريدة لوفيغارو الفرنسية لقرائها سبعة تطبيقات مجانية للهواتف الذكية نصحت باستخدامها خلال العام 2018 كونها مفيدة للأنشطة المتعلقة بالصحة مثل التغذية والرياضة وتنظيم الحياة اليومية.

الأكثر قراءة