الأقصى كقضية أولى

القضايا الكبرى تحتاجُ إلى هممٍ كبرى، هذا ملخصُ الحركةِ التي نريدُ في تعاملنا مع قضايانا المصيرية،  وجميع القضايا التي تتشكلُ على مستوى أمتنا.
 
بدأتْ تتمحورُ جلُّ مشاكلنا في طريقةِ التعاملِ التي تكونُ تجاهَ القضية التي نودُ التحركَ من أجلها، فجميعُ ما يصدرُ منَّا هو فقط ردُ فعلٍ تجاه أفعالٍ تمتْ من قبل الغير، والمشكلةُ الأكبرُ أنَّ هذهِ الردود لا تنطلق من واقعٍ أو من عقلٍ واعٍ على مستوى الأمة والجماهيرِ، بل يكونُ المصدر لردودِ الأفعالِ هذه عاطفيًا بصورةٍ مطلقة، وهذا لا يعني أن العاطفة هي جزء سيء في التحرك أو الفعل وردته، بل هي مطلب وضرورة لأنها تشكل محور الاعتقاد والحركة، لكن ما نحتاجه بالقرب من هذه العاطفة المتقدة هو وعي تام بحيثيات قضايانا وأهميتها، واطلاع عليم بأسلحة العدو وما يبغيه من خلالها.
 
القضية الفلسطينة هي القضية الأم لكل قضايانا، ومنها تتأصل فكرة الأممية، فلن يعنينا أن نكون أمة عربية أو إسلامية ما لم ننصرها ونتدافع في إعادة حقها، المسجد الأقصى خاصة والقدس عامة كانت دائمًا المعركة الفاصلة والحاسمة لكل حروبنا مع الصليبيين وغيرهم، وفي كل مرةٍ تخفُ الهمم وتضعف الغايات تذهبُ القدسُ منا بعيدًا دون رجعة، فهي اختبار الزمان لا تعود إلا بعودة الهمم والنفوس القادرة  والمريدة لإنصاف الحق.
 
وما يحصل الآن في القدس وما حولها ليس إلا نتيجة حتمية للوضع العام للأمة، وهو أمرٌ طبيعي في ظل الضعف الكامن فينا، وفي ظل الفوضى العارمة التي ضجت بها شوارع الأمة. والسؤال الذي من الممكن أنْ يُطرح بقوة لتتم مناقشته مع جميع الفصائل والحركات والأحزاب وحتى الحكومات والأفراد هو: أين نحن من قضيتنا المفصلية؟ وهل الإجابة هنا ستمنحنا وعيا أكبر حول قدرتنا على معالجة وتجاوز قضايانا الأصغر منها لنصل إليها؟
 
قبل العبث بأي تركيبة من تراكيب المجتمع العربي وقضاياه، لابد أن نعي أن مانحن فيه من فوضى واقتتال لن يمر مرور الكرام بين براثن أعدائنا، أو أن هذا الحال سيدفعهم لارتداء الرحمة وانتعال الرأفة من أجلنا

 

يبدو أنَّ السؤال يفتح آفاقا للإجابة والنقاش لن تؤدي إلى وعي تام بالقضية، لأن الوضع الحالي للأحزاب والحكومات وحتى الأفراد يشكل بصورته العامة بعدًا آخر بعيدا عن هموم الأمة، فالشخصنة والمصالح واللأخلاق هي التي تحكم وبقوة بين العناصر المكونة للمجتمع بكامل فئاته. تتنازع الحكومات على السلطة، وتتقاتل الأحزاب على السيادة وإثبات القدرة والوجود، وأما المواطن فينقسم إلى لاهثٍ هاربٍ من موتٍ، أو باحثٍ عن لقمة عيش قد لا تكفيه ولا تطعمه، وإسلامي ملتحٍ يقاتل الجميع ليبقى ولينصر صورة الدين المرسومة في ذهنه، أو مسالمٍ يحارب بترهات الكلام ليبعد صفة الإرهاب عن دينه وصفتهِ كمسلم.

 
وهذا لا يمنحنا إلا صورة مهزومة ومهزوزة عن الفرد في جانبهِ العربي أو الإسلامي. وبالتمحيص في الشارع العربي لابد أن نراه بشقيه، الشق الأول وهو الصورة المهزوزة ذاتها التي تطرقنا لها، وهذا يتطلب طاقة أكبر من الصفوف الواعية ترميم الفراغ في هذا الانهزام وإعادة البناء بشكل أمثل وأكثر كفاءة، أما الشق الآخر وهو الجانب الذي سيدفع بفكرة الترميم لتكون محل نقاش وعمل جدي، فالشارع العربي والإسلامي إلى الآن هو الضابط الوحيد – على الرغم من صورته المتعبة – لثبات القضية الفلسطينية كقضية أولى ضمن أوجاعه وآلامه، وليس الضابط هي الجماعات أو الحكومات أبدًا.
 
وقبل العبث بأي تركيبة من تراكيب المجتمع العربي وقضاياه، لابد أن نعي أن ما نعيشه من فوضى  واقتتال لن يمر مرور الكرام من بين براثن أعدائنا، كما لا يجب الاعتقاد أن حالنا هذا سيدفعهم لارتداء الرحمة وانتعال الرأفة من أجلنا، لأن ذلك بعيد كل البعد عن الواقع وعن المتداول من أحداث التاريخ، لهذا لن تكون أي ردة فعل تجاه هذه القضية ذات أثر ما لم نكن في صف واحد على اختلافنا وتشرذمنا، ورغم ما ينخرنا من أمراض وفساد، كما يجب علينا البدء بالقضايا الأصغر والأفعال الأدوم للحركة، ليكونَ فعلنا في القضية الكبرى فعلًا مؤثرًا، لا ردة فعل عاطفية تذهب مع الريح ولا يخشاها العدو.


المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة