كليبتوقراطيات عربية

يحار المرء في تصنيف الكثير من الأنظمة العربية، يمكن أن نصفها بأنها "تيوقراطية" (الحكم باسم الدين) وهي تنطبق على كل الأنظمة التي تبرر شرعية سلطتها باسم الدين، أو "أوليغارشية" (حكم القلة) وهو يختلف عن حكم الأقلية الذي يوجد في الديمقراطية، لأن القلة غالبا ما تكون غير منتخبة. لكنْ هناك مصطلح يعكس إلى حد كبير حالة الكثير من الأنظمة التي تحكم البلاد العربية إنه "الكليبتوقراطية"، أي حكم اللصوص، أو بتعبير عربي فصيح "اللصوصقراطية"، وبتعبير عربي دارج "الحراميقراطية".

 

وكل هذه المصطلحات بعيدة كل البعد عن "الديمقراطية" التي ترفعها الكثير من الأنظمة العربية كيافطات أو شعارات موجهة للاستهلاك الخارجي. "الكلِبتوقراطية" اصطلاحا مكونة من كلمتين يونانيتين هما "كلبتو" أي (لِص) و"قراط" أي (حُكم). ومن حيث المعنى فهو مفهوم سهل الاستيعاب ولا يحتاج إلى العودة إلى التاريخ لأنه يوجد في أكثر من دولة عربية ويعني -ببساطة- نمط الحكم الذي يجمع ما بين السلطة السياسية والثروة الشخصية للحاكم أو القلة الحاكمة، على حساب الجماعة التي تمثل الأغلبية.  

 

وهذا النمط من الأنظمة ليس وليد اليوم، وإنما وجد دائما عبر التاريخ، لأن من يسعى إلى الحكم إنما يفعل ذلك من أجل الحصول على الثروة أو يحتاج إلى الثروة من أجل الوصول إلى السلطة. فهادان النقيضان: السلطة والثروة توأمان سياميان يصعب التفريق بينهما. وهذا النوع من الأنظمة يفتقر إلى الأخلاق والقيم، يمجّد الأشخاص غير الأخلاقيين الذين يدّعون أنهم صادقون في خدمة الصالح العام، في حين أن ما يحركهم في الواقع هو جشعهم الشخصي الذي لا يعرف حدودا.

 

من مفارقات الأنظمة الكليبتوقراطية أنها تكون الأكثر فسادا واستقرارا في الآن نفسه، لأن إحدى أدوات الطبقة الحاكمة الجشعة هي الأمن الذي تقويه لحماية سرقاتها وقمع معارضيها
 

كما أن "الديمقراطيات" غير المحصنة، أي تلك التي لا توجد فيها مؤسسات قادرة على تحصينها، قد تتحول إلى "كلبتوقراطيات"، وهما في الواقع نقيضان لا يجتمعان؛ لأنه عندما تتحول "الديمقراطية"، التي تعني حكم الشعب وخدمة الشعب، إلى نظام لـ"التحكم" في الشعب وسرقة ثروته، يتحول الشعب إلى "خادم" للحاكم أو الأقلية الحاكمة. وتتحول سياسات الضرائب التي تسنها الحكومات غير الديمقراطية إلى "جباية" تذهب إلى جيوب الأقلية الحاكمة بطرق مختلفة، بل وقانونية.

 

وهو ما يؤدي إلى سوء توزيع في الثروة التي لا تصل ثمارها بكيفية عادلة إلى جميع المواطنين، فتظهر الفوارق الاجتماعية الكبيرة ويزداد الاحتقان داخل المجتمع، ما يتم التعبير عنه بالغش في العمل وتفشي الفساد وارتفاع معدلات الجريمة والاحتجاجات، التي تأخذ أشكالا معينة حسب القنوات المتاحة لها داخل مجتمعاتها.

 

خطورة نظام "الكليبتوقراطية" أنه أصبح نظاما عالميا يخترق حدود الأوطان والقارات، يضم رؤساء دول ورؤساء شركات ورجال أعمال يتشاركون في حماية سرقاتهم من خلال عمليات غسيل الأموال وتبييضها وتهريبها وتوفير الملاذات الآمنة لها. وقد سبق لصحيفة "واشنطن بوست" أن أشارت إلى أحد التقارير (1) الذي قدر حجم الثروة المسروقة في العالم في 2012 بنحو 32 تريليون دولار، ما دفعها إلى الحديث عن "عولمة الكليبتوقراطية".

 

وغالبا ما تنتهج الأنظمة "الكلبتوقراطية" ثلاث طرق لفرض سلطتها، أولا: القانون، الذي تشرّع به سرقاتها وتحمي به فسادها وتعاقب به منتقديها ومعارضيها. وثانيا: زرع الفرقة داخل المجتمع وخلق صراعات أو استقطابات وهمية بين أفرده لبسط هيمنتها عليه وتقديم نفسها حكما وضامنا لاستقراره ووحدته. وثالثا: زرع ثقافة وصولية انتهازية قائمة على الفساد والتواطؤ والمحسوبية، تمجّد وتعلي من قدر الفرد الذي "ينجح" في تحقيق مكاسب شخصية ومراكمة ثروة كبيرة لمصلحته الخاصة وعلى حساب المصلحة العامة.

 

ولمعرفة هذا النوع من الأنظمة في عالم اليوم عليك فقط أن تراقب الدول التي ترهق كاهل مواطنيها بالعبء الضريبي، وفي الوقت نفسه تجد قادتها يتصرفون في ثرواتها كما لو كانت حسابا خاصا بهم، وغالبا ما يستغلون عائدات هذه الثروات في إنفاقها على مشاريع ضخمة لا أثر لها على حياة الناس، لكنها توفر لهم الفرص لنهب المال بطرق "قانونية" من خلال إبرام عقود كبيرة تمكّنهم من الحصول على مخصصاتهم التي تودع في حسابات خارجية بعيدا عن أية مراقبة أو محاسبة.

 
بدأت الشعوب العربية تعي طبيعة الأنظمة التي تحكمها منذ أن تفجّرت الثورات مع الثورة التونسية، التي رفع خلالها المتظاهرون شعارا يقول "التشغيل استحقاق.. يا عصابة السُرّا"

 

وليس غريبا أن أقوى الدول في العالم اليوم هي ذات أنظمة "كلبتوقراطية"، نموذج روسيا والصين. بل إن "واشنطن بوست" سبق لها أن تحدثت في أحد تقاريرها عن " كلبتوقراطية ترمب"، لأنه يمثل نموذجا جديدا لهذه الأنظمة، لكنْ في أمريكا توجد مؤسسات دستورية قوية قادرة على كبح هذا النوع من الأنظمة، على خلاف الأنظمة الديكتاتورية.

 

كما سبق لـ "غارديان" البريطانية أن كتبت (2) أن ما نشهده اليوم في أمريكا هو قيام ""كلبتوقراطية على نطاق لم يسبق له مثيل في أمريكا.. فترمب أعلن صراحة أنه يضع مصالحه المالية الخاصة في السياسة الوطنية"، لكنها عقبت على ذلك بالقول إن "الجمهور الأمريكي لن يبقى مكتوف الأيدي إلى أن يُحول ترمب أمريكا إلى جمهورية موز". وفي المقال نفسه دعا كاتبه القضاة إلى عدم إخلاء الميدان لأن ذلك سيكون مخيبا للآمال وسيسمح لفساد ترمب بأن يستشري ويمد عروقه إلى أعماق الدولة. ونقلت عن أحد القضاء قوله إن القمع مثل الليل لا يأتي في وقت واحد، وإنما يسبقه الشفق قبل أن يحل الظلام، والشفق علامة التغيير ووقته قبل أن يعم الظلام الداهم.

 

نماذج هذا الحكم وُجدت دائما في عالمنا العربي، وما زالت موجودة حتى اليوم في أكثر من بلد عربي، حتى في تلك التي ترفع شعارات خداعة، وكل همها هو سرقة ثروات أوطانها وتفقير شعوبها وفي الوقت نفسه قمعها والتحكم في مصائرها لضمان استمرار نهبها وسرقاتها. ومن مفارقات هذه الأنظمة أنها تكون الأكثر فسادا واستقرارا في الآن ذاته، لأن إحدى أدوات الطبقة الحاكمة الجشعة هي الأمن الذي تقويه لحماية سرقاتها وقمع معارضيها. 

 

نظام "الكليبتوقراطية" هو نظام السرقة القانونية والممنهجة للمال العام والثروة الوطنية، لأن هؤلاء "اللصوص القانونيين" إنما يقومون بسرقاتهم من خلال التفويض "الديمقراطي" الذي يحصلون عليه

وبفضل ثورات الشعوب العربية في 2011 اكتشفت عدة مجتمعات عربية أن حكّامها الذين أطاحت بهم كانوا مجرد لصوص كبار نهبوا ثروات بلدانهم وحولوها إلى حساباتهم الخاصة في بنوك أجنبية مازالت عالقة فيها حتى اليوم، مثال أنظمة زين العابدين بنعلي في تونس، ومعمر القذافي في ليبيا، وحسني مبارك في مصر، وعلي عبد الله صالح في اليمن. كما أن فضائح ما عرف بـ"أوراق باناما" و"سويس ليكس" و"الملاذات الضريبية" كشفت حجم الأموال المهربة من قبَل حكام ورجال أعمال وساسة عرب، كلها سرقات نهبوها من أوطانهم.

 

وقد بدأت بعض الشعوب العربية تعي بطبيعة الأنظمة التي تحكمها منذ أن تفجّرت ثورات الشعوب العربية مع الثورة التونسية، التي رفع خلالها المتظاهرون شعارا يقول "التشغيل استحقاق.. يا عصابة السُرّاق". وتحت هذا الشعار المدوي انطلقت انتفاضة الشباب التونسيين قبل أن تتحول إلى ثورة طردت "عصابة السُرّاق". وخلال ما عرف في المغرب بـ"حراك الريف" رفع المتظاهرون شعارا قريبا من شعار الثورة التونسية يتساءل: "هل أنتم حكومة أم عصابة؟"..

 

وبتعبير أدق وأقرب إلى الواقع العربي، فإن نظام "الكليبتوقراطية" هو ما تم التعبير عنه أيضا بمصطلح آخر أكاديمي هذه المرة هو "الدولة العميقة"، وهي في الواقع مجموعة الأشخاص المستفيدين من النظام الذي يسمح لهم بالسّرقة، بل ويحميهم، لضمان ولائهم له، وهؤلاء مستعدون لفعل كل شيء من أجل استمرار النظام حتى تستمر سرقاتهم، فهم من يسنّون القوانين والتشريعات لضبط المجتمع والتحكم فيه وفي الوقت ذاته حماية أنفسهم وشرعنة سرقاتهم، ويبررون ذلك باسم حماية النظام والحفاظ على الوطن. 

 

ولتقريب الصورة أكثر، فإن نظام "الكليبتوقراطية" هو نظام السرقة القانونية والممنهجة للمال العام والثروة الوطنية، لأن هؤلاء "اللصوص القانونيين" إنما يقومون بسرقاتهم من خلال التفويض "الديمقراطي" الذي يحصلون عليه، وبواسطة "القوانين" التي يشرّعونها، والتي يمكن تلخيصها في قاعدة أساسية عندهم تقوم على "تأميم المخاطر وخصخصة الأرباح".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

روابط:

(1) ، (2)



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

ارتفع العجز التجاري التونسي لمستوى قياسي بنهاية نوفمبر/تشرين الثاني الماضي بوصوله إلى 14.362 مليار دينار (5.82 مليارات دولار) مقابل 11.628 مليار دينار في الفترة ذاتها من العام الماضي.

حذرت منظمة هيومن رايتس مونيتور من تنفيذ أحكام إعدام وصفتها بـ"الباطلة" بحق المعتقلين في القضية المعروفة إعلاميا بـ"استاد كفر الشيخ" في مصر، وإهدار حياة مزيد من الأبرياء حسب تعبير المنظمة.

الأكثر قراءة