قيادة موحَّدة للانتفاضة الوطنية الجديدة

لا يحتاج الفلسطينيون إلى مزيد من البراهين للتدليل على انهيار عملية السلام وتضاؤل، بل انعدام فرص التوصل إلى حل سياسي للصراع، إذ شكل تصويت الكنيست الأخير على قانون القدس وقرار ترمب بشأنها الرصاصة الأخيرة في نعش ما كان يعرف بـ"عملية السلام".

 

وليس مفيدا ولا مطلوبا الإغراق في تحليل وتفسير أسباب هذا التجاوز لكل الخطوط الحمراء من قبل التحالف "الصهيو أمريكي" الجديد بقيادة كوشنر -نتنياهو، بل المطلوب هو البدء فورا في تشكيل قيادة فلسطينية موحدة لإدارة الصراع مع الاحتلال وفقا لهذه المعطيات الجديدة، والتي تشير إلى الغاء تل أبيب خيارَ المفاوضات أو الحل السياسي، والشروع عمليا في إجراءات ميدانية وقانونية لتصفية القضية الفلسطينية بـ"اليد" و"البلطجة" كما يقال، وعلى مسمع ومرأى من العالم، يشاركها ويشجعها في مسعاها رئيس أمريكي أرعن، وصهر يدير السياسة الخارجية بمؤهل واحد هو أنه زوج ابنة الرئيس.

  

إزاء هذه التطورات وانهيار مسار التسوية السياسية، وكذلك الأزمة التي يعيشها خيار المقاومة، بات خيار الانتفاضة الثالثة الخيارَ الشعبي الوحيد ربما للخروج من هذه الأزمة

صحيح أن نتنياهو يواجه أزمة داخلية واتهامات بالفساد، وتم استجوابه للمرة السابعة في قضايا فساد ورشوة، وربما هو بمحاولته إقرار مثل هذه القوانين المتطرفة في الكنيست يحاول فقط الهروب إلى الأمام، لكنْ يبدو واضحا أيضا أن هناك مخططا إسرائيليا قديما يعيد نتنياهو طرحه اليوم بقوة، مستفيدا من حالة الوهن العربي والتآمر والتواطؤ المباشر من قبَل دول عربية في المنطقة لتصفية القضية الفلسطينية عبر مشروع جزء منه توطين الفلسطينيين في سيناء، وهو مشروع قديم ذكره الشهيد  "أبو اياد" صلاح خلف في إحدى كلماته المسجلة في ثمانينيات القرن الماضي وحذر من إعادة ترويجه مستقبلا، ورأى أن المقاومة الشعبية هي السبيل الوحيد لمواجهته.

 

تمثل ذلك المشروع في السعي الإسرائيلي إلى إقامة دولة في غزة، على غرار ما تم التوصل إليه  في تشرين 1953 في مباحثات بين الولايات المتحدة الأمريكية والحكومة المصرية -التي كانت تتولي الإشراف على القطاع آنذاك- ووكالة غوث للاجئين الفلسطينيين، إذ توصلت الأطراف في تلك الحقبة الزمنية إلى اتفاق محدد تقدم مصر بموجبه 50 ألف فدان من أراضي شمال غرب سيناء لتنقل وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين وتوطّنهم في تلك الأراضي. وكانت إسرائيل طبعا تتطلع إلى تنفيذ هذا، لكن المقاومة الشعبية والرفض الفلسطيني أسقطا ذلك المشروع.

 

ويبدو اليوم أن قادة جُدداً في المنطقة تعهدوا للرئيس الأمريكي بإعادة تنفيذ هذا المشروع ويضغطون على الطرف الفلسطيني بالقبول بما بات يعرف بـ"صفقة القرن"، والمتضمنة إلغاء حل الدولتين وتوطين الفلسطينيين في سيناء، مع اعتبار أن الأردن هو فلسطين.. ولعل استشعار ملك الأردن الخطر وعمق وامتداد هذه المؤامرة التي تدار ضد القضية الفلسطينية وضد المملكة الأردنية الهاشمية دفعه إلى التصعيد الأخير في مواقفه وتحذير الدول المتورطة من خطورة المضي قدما في أي حل على حساب الأردن.

 

إزاء هذه التطورات وانهيار مسار التسوية السياسية، وكذلك الأزمة التي يعيشها خيار المقاومة، بات خيار الانتفاضة الثالثة الخيارَ الشعبي الوحيد ربما للخروج من هذه الأزمة ونقلها إلى الداخل الإسرائيلي ومطالبة إسرائيل بتحمل مسؤولياتها كدولة احتلال ونزع الغطاء الذي تمنحه إياها أوسلو أمام المجتمع الدولي. والمطلوب من الشعب الفلسطيني تفعيل المقاومة المدنية التي تُعرّي الاحتلال وتعيد الوضع إلى ما كان عليه قبل أوسلو، وهو معادلة شعب تحت الاحتلال يطالب بحقه المشروع في التحرر وتقرير المصير، وفضح نظام الفصل العنصري الذي تقوده تل أبيب؛ وهذا يستدعي وعيا فصائليا ووطنيا، وتوقّف فتح وحماس عن لعبة تبادل الاتهامات، التي باتت ممجوجة ولا قيمه لها في ظل عجز الطرفين، فاستمرار هذه الممارسات يشكل خدمة مجانية للمشروع الصهيوني.

 

المطلوب هو أن تسحب السلطة الفلسطينية الاعتراف بإسرائيل وتُجمّد وظائفها، وخاصة التنسيق الأمني، ثم تشكيل قيادة فلسطينية موحدة للانتفاضة الوطنية التي ستقود هذه المرحلة
 

المطلوب أن يتم التحلل من معاهدة أوسلو، التي أدخلت القضية الفلسطينية في نفق مظلم طويل دام أكثر من 25 عاما، دُمّر خلالها مستقبل الشعب الفلسطيني وكُبّلت حركة تحرره بهذه الاتفاقيات. كما يجب على حماس ان تتحلل -هي الأخرى- من سلطة أوسلو والعودة إلى هويتها كحركة مقاومة وتحرر وطني.

 

لا ندعو إلى حل السلطة فجأة، فلا يُتصور أن يصحو سكان الضفة والقطاع في اليوم التالي فلا يجدون سلطة تدير أحوالهم، لكنْ إذا استمرت هذه السلطة فسنصحو فلا نجد وطنا ولا بقايا وطن.. فالقدس اليوم تضيع من بين أيدينا فيما يتصارع أبناؤها على وهم السلطة. المطلوب، باختصار شديد، أن تسحب السلطة الفلسطينية الاعتراف بإسرائيل وتجمّد وظائفها، وخاصة التنسيق الأمني، وتضع الاحتلال أمام مسؤولياته، ثم تشكيل قيادة فلسطينية موحدة للانتفاضة الوطنية التي ستقود هذه المرحلة بعد جملة القرارات السابقة.. بغير هذا، سنستمر في الدوران في حلقة مفرغة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

أعلنت الحكومة الفلسطينية أنها ستعاود تسديد فاتورة الكهرباء التي تدفعها لإسرائيل لتزويد قطاع غزة بالكهرباء، بعد ستة أشهر من قطعها، في إجراء اتخذ حينها للضغط على حركة المقاومة الإسلامية (حماس).

الأكثر قراءة