غزّة.. عامٌ آخرُ تحت الحصار!

دقت ساعة الصفر إذن، وخلعت الدنيا عامًا وارتدت عامًا جديدًا وغيّر الكون تقويمه فأضاف إليه رقمًا. في كل أصقاع العالم ابتهج الناس وانتظروا تلك اللحظة لينهلوا من نبع التفاؤل والأمل، احتفل الجميع عربًا وعجمًا بالسنة الجديدة فأضاؤوا أشجار الميلاد المجيد وأطلقوا الألعاب النارية، مانحين للعدم فرصة إحراق ملايين الدولارات.. ما أجملها من لحظات يتهادى فيها البشر الهدايا والقبلات والأمنيات السعيدة. ديسمبر يجمع حقائبه وحقائب الشهور التي سبقته ويذهب إلى الخلود في سجلات الكون. حُقّ للبشرية الاحتفال باقترابها من يومها الموعود الذي تنتظره بلهفة. هذا هو المشهد في جميع المدن إلا في.. غزة هاشم، التي لم تستطع الاحتفال على الطريقة التقليدية، إذ احتفلت بعام جديد وهي تحت الحصار، تستقبل القنابل التي ترميها طائرات الاحتلال بهذه المناسبة الاستثنائية عوض الألعاب النارية التي لم يتمكن أهلها من شرائها وإطلاقها!
 
لقد سئم أهل هذه المدينة من العد، السنوات العجاف تشابهت عليهم، إنها مجرد أرقام لا تفيد سوى بأن أفظع حصار في تاريخ البشرية ما زال مستمرًا! يجب أن نعترف بأنهم كانوا يخرجون في نهاية الأعوام الأولى من الحصار مستبشرين بأن أحدًا ما قد سمع صوتهم المجروح! يتلفتون يمينًا ويسارًا علّهم يرون ناصرًا قادمًا من هنا أو هناك! علّهم يسمعون وقع خطى الأشقاء الذين هبوا لنجدتهم وفكِّ الحبال السميكة الملتفة حول رقابهم! وبمرور السنوات، تلاشى الأمل رويدًا رويدًا، فأصبح هذا التقليد العالمي منبهًا لجراحهم وكذبة هم مجبرون على التماشي معها وهم غير مقتنعين بها إطلاقًا.
 
من يستطيع أن يقنع شابًا في مقتبل العمر بأن يكون سعيدًا بالعام الجديد (وقد عانى للحصول على شهادة جامعية عليا) يعمل الآن نادلًا في مقهى في ظل ظروف مهينة وبأجر لا يكفي لشراء علبة سجائر؟! من يستطيع أن يقنع أمًّا ودعت طفلها وهي تنتظر على بوابات المعابر لكي تعالجه في الخارج، قبل أن يسبقها السرطان إلى روحه البريئة؟! من يقنع فتاةً فارقت خطيبها قبل زواجهما بأيام عندما طلبته الشهادة في بطن الأرض وهو يحفر الأنفاق مع رفاقه الكادحين ليمرروا بعض المؤن والأدوية الأساسية لتستمر عجلة الحياة في الدوران حتى ولو بأقل الإمكانات! من يستطيع أن يقنع أبًا لا يقدر على إخماد بركان رغبةٍ اجتاحت قلب طفله الصغير في شراء دمية "سانتا كلوز" بمناسبة رأس السنة الجديدة! كيف يحتفل شعبٌ بالألعاب النارية وهو بالكاد يستطيع شراء الشموع التي تعصمه من أنياب الظلام في الليالي الباردة؟ إنها الأولويات إذن، وأولوية هذا الشعب هي البقاء على قيد الحياة للاستمرار في رواية الصمود التي يكتبها بعذاباته المتفردة.
 
غزة.. الحصن الأخير الذي بقي وحيدًا في الحرب، بعظام أبنائها تشيد ما يتهاوى من أسوارها لتحمي قلبَ أمتها، وبشعر صباياها تنسج العلم المرفرف في الأعالي لتحيي الهمة في أحرار العالم

 

ما أصعب أن تموت ببطء ثقيل، تصرخ وتنادي ولا مجيب! متعبًا محبوسًا في غرفة ضيقة، مقيدًا بخذلان أشقائك وتجاهل رفاقك وأسوار شيدها عدوك ليخنقك حين لم يستطع قتلك بالرصاص.. ينهش المرض جسدك ولا يُسمح للدواء بالوصول إليك فتلفظ أنفاسك الأخيرة متمنيًا الموت لترتاح من وجعك ومن الأمل القليل المتبقي لديك، هذا حال أهل غزة.. لقد تعدى الأمر كونه كارثة إنسانية.. كلمة "كارثة" صارت عاجزة عن وصف الأوضاع هنا، كنا نقول إن الوضع يسير نحو الهاوية، أما اليوم فإن الوضع يحفر في الأرض قبرًا ليدفن نفسه فيه!

 
لتفهم الوضع ما عليك إلا أن تتمشى في شوارع المدينة، الشوارع التي كانت عامرة بالمشترين والباعة والضحكات والإنارة الليلية. نعم، لم يكن الوضع مثاليًا في يوم من الأيام لكنه اليوم وصل إلى ما هو أقل من الحد الأدنى لاستمرار الحياة الطبيعية. انظر إلى وجوه المشاة لترى حالةً مستعصية من الاكتئاب الجماعي. الموضوع ليس متعلقًا بالظروف الاقتصادية وحسب.. حتى الهواء هنا مختنق، ولولا رحمة الله ومباركته للأرض الطيبة لمات الناس منذ زمن نكدًا وقهرًا، إن الإحساس المسبق بأنك تحت الحصار كافٍ لتعيش الحالة بكل حيثياتها.. فلا سبيل إلى التنقل بحرية ولا إلى العمل بمعايير محترمة ولا إلى التجارة بإمكانات مشجعة.
 
يفوتك دائمًا قطار الفرصة الحقيقية لأنك ببساطة غير قادر على بناء المحطة. تبيت في الظلام الدامس مع أنك -جغرافياً- تقع في قلب منطقة يفيض فيها البترول الذي يمتلكه أشقاؤك. تحيى بمعزل عن العالم، العالم الكبير الواسع الذي قبل أن تحيى بضيق ولم تتحرك شعرة منه رأفةً بحالتك! ليسَ غريبًا أن تعانى مدينة ما من كل هذا العذاب! غزة تستحق ما تعانيه.. لأنها لم تتعلم لغة الهزيمة، لا تستطيع أن تقول لقد هزمت! ببساطة، إنها أحرف لا تعرفها ولسانها العربي الفصيح يستثقل نطقها. لقد مر عام آخر تحت الحصار وغزة تقاتل وتداري جراحها الغائرة. مر عام آخر تحت الحصار وغزة تعول على أحرارها وأحرار الأمة والعالم أن يفكوا حصارَها ويرجعوا إليها الحياة لتستطيع الفرح بقدوم الأعوام الآتية برفقة البشر جميعًا، غزة..
 
غزة، الجندي الأخير في المعركة، لا تمتلك إلا إرادة الصمود، لا زاد ولا عتاد ولا أنصار، تستيقظ كل صباح، تنادي بتكبيرات شهدائها في لحظاتهم الأخيرة.. بأنّات مرضاها الذين يموتون وهم ينتظرون الدواء.. بلعنات شبابها الذين يحرمون من السفر والعمل والحياة الكريمة.. بتنهيدات عجائزها الذين تعبوا من تصبير الناس وأنفسهم.. غزة، الحصن الأخير الذي بقي وحيدًا في الحرب، بعظام أبنائها تشيد ما يتهاوى من أسوارها لتحمي قلبَ أمتها، وبشعر صباياها تنسج العلم المرفرف في الأعالي لتحيي الهمة في أحرار العالم؛ تصيح في أبنائها: يا أيها المتعبون الجبّارون لا تسمحوا للموت بخداعكم، لا تموتوا جوعًا ولا مرضًا ولا قهرًا، بل موتوا برصاص أعدائكم عسى أن تستيقظ أمتكم على صرخة شهيدٍ منكم فتعرف شقيقها من عدوها!


المزيد من المدونات

حول هذه القصة

بعد انقضاء نصف النهار دون أن تبيع سوى اليسير من خضرواتها المعروضة على بسطتها, اضطرت الستينية أم رامي الديب للوقوف على قدميها والمناداة على المارة علهم يبتاعون بضاعتها المعرضة للتلف.

شنت طائرات الاحتلال الإسرائيلي فجر اليوم الخميس غارات بصواريخ عدة على أراض زراعية بشرق مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، وتسبب القصف في إلحاق أضرار بعدد من المنازل.

أعلنت الحكومة الفلسطينية أنها ستعاود تسديد فاتورة الكهرباء التي تدفعها لإسرائيل لتزويد قطاع غزة بالكهرباء، بعد ستة أشهر من قطعها، في إجراء اتخذ حينها للضغط على حركة المقاومة الإسلامية (حماس).

الأكثر قراءة