جبهة العدالة الجزائرية تحضر مؤتمرها الأول!

اجتماع مجلس الشورى الوطني لجبهة العدالة والتنمية الجزائرية السبت الماضي 30 ديسمبر 2017، قرَّر من خلال التعليمة رقم 01 بداية التحضير للمؤتمر الأول الذي ينعقد في 02 و03 فبراير من العام الحالي (2018)، وحث قواعده في الولايات إلى عقد مؤتمرات ولائية ابتداء من 12 يناير الحالي وبحضور كل مناضلي جبهة العدالة رجالا ونساء دون إقصاء. يأتي هذا المؤتمر بعد انقضاء خمس سنوات عن المؤتمر التأسيسي الذي عقد في 10فبراير من عام 2012 بعد انقسام حركة الإصلاح الوطني التي قادها الشيخ عبد الله جاب الله إلى النجاح الكبير في تشريعيات ومحليات 2002، إذ فازت بالمرتبة الثانية بعد حزب السلطة جبهة التحرير الوطني أمام تراجع التجمع الوطني الديمقراطي.

الظهور القوي لحركة الإصلاح لم يعجب صناع القرار في الجزائر، وخوفا من تقدمها وتجذرها شعبيا وربما إعادة صورة جبهة الإنقاذ إلى الذاكرة، جاءت مشاركة جاب الله في رئاسيات 2004، وتراجعت أعداد المصوتين من مليون ومائة ألف صوت التي تحصلت عليها الإصلاح في محليات أكتوبر 2002 إلى أقل من 500 ألف صوت فقط في الرئاسيات التي فاز بها الرئيس بوتفليقة، وبفارق كبير جدا عن منافسيه، كانت بداية التفكك لحزب لم يصمد طويلا في الساحة، وهو الذي تأسس في ماي 1999 على أنقاض حركة النهضة. كما يأتي هذا المؤتمر بعد فشل تجربة الاتحاد الاستراتيجي (الاتحاد من أجل النهضة والعدالة والبناء) الذي أسس في يناير من العام 2017 وكان يهدف من خلال الوثيقة التي صادق عليها قادة الأحزاب الثلاثة إلى تحقيق 14 هدفا، أهمها "المحافظة على السيادة وحماية الوحدة الوطنية والدفاع عن الحقوق والحريات الفردية والجماعية".

جبهة العدالة والتنمية بقيادة الشيخ عبد الله جاب الله شاركت في تشريعيات 2012 ولم تتحصل إلا على سبعة مقاعد، وهو ما اعتبر في حينه تراجعا كبيرا لشعبية زعيم التيار الإسلامي الوسطي!
 

أعلنت تلك الأهداف في لقاء شعبي بقصر المعارض بالجزائر العاصمة أشهرا قليلة قبل الانتخابات التشريعية التي كانت من بين الأهداف الاستراتيجية للاتحاد، لكن الحصول على 15 مقعدا فقط من بين 462 مقعدا بالمجلس الشعبي الوطني، جعلت حظوظ البقاء في الساحة السياسية قليلة جدا، وهو ما أكدته الأيام التي تلت تلك الانتخابات عندما غابت قيادة جبهة العدالة عن الحملة الانتخابية في محليات 23 نوفمبر الماضي، الأمر الذي أثار تساؤلات كثيرة في الصحافة الجزائرية المتابعة للشأن المحلي الداخلي عموما، والمتابعة لحركية التيار الإسلامي خصوصا. التحالف الذي كان يسعى إلى تحقيق "التقارب مع كافة التشكيلات السياسية بما يخدم المصلحة الوطنية وتنمية ثقافة العمل المؤسساتي"، وكذلك "المساهمة في إقرار التحولات الآمنة والهادئة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا" فشل عندما كانت بدايته مع التجربة الانتخابية ولم يصمد أمام النتائج الهزيلة وطنيا ومحليا.

جبهة العدالة بقيادة الشيخ عبد الله جاب الله وبإعلانها الذهاب للمؤتمر الأول تكون قد قطعت الطريق أمام إصحاب فكرة الاندماج التي نادى بها عدد من قيادات حركة البناء الوطني التي يقودها الشيخ بلمهدي رفيق الراحل محفوظ نحناح مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في الجزائر. هذا القرار الذي أعلنه مجلس شورى جبهة العدالة، يكون قد أنهى فكرة الاتحاد كتجربة من تجارب التقارب بين الإسلاميين، والذي سبقته تجربة تكتل الجزائر الخضراء، والذي أنهاه كذلك عمار غول الذي انشق عن التكتل وأسس بعد انتخابات 2012 التشريعية تجمع الجزائر المعروف باسم (تاج).

جبهة العدالة والتنمية بقيادة الشيخ عبد الله جاب الله شاركت في تشريعيات 2012 ولم تتحصل إلا على سبعة مقاعد، وهو ما اعتبر في حينه تراجعا كبيرا لشعبية زعيم التيار الإسلامي الوسطي والذي قاد النجاحات في عز الانكسار، لأن تجربة حركة النهضة عام 1997 كانت رائدة رغم كل ما أحاط العملية الانتخابية من تزوير فاضح أقر به الكثير من قادة الحزب الوليد آنذاك، حزب التجمع الوطني الديمقراطي، كما أقر به عدد من مسؤولي الإدارة، خاصة الوالي بشير فريك الذي كان واليا على وهران عاصمة الغرب الجزائري في حصة تلفزيونية بقناة الشروق، تسمى الحلقة المفقودة. جاب الله الذي سجل حضوره كذلك في رئاسيات أبريل 1999 كان من بين الفرسان الذين انسحبوا ليلة الانتخاب وتركوا الساحة فارغة أمام مرشح الجيش عبدالعزيز بوتفليقة، وكان من بين أبرز المرشحين المنسحبين الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي الذي حل ثانيا بعد بوتفليقة رغم انساحبه المعلن هو والستة مرشحين.

جاب الله الذي كان ثالثا، اغتنم الفرصة وأسس حركة الإصلاح مباشرة بعد الرئاسيات، وفي ماي 1999 عُقد المؤتمر التأسيسي ليقود الشيخ حزبا آخر نحو النجاح ويَغيب أو يُغيب عنوة عن تشريعيات ومحليات 2007 بعد تركه هو وأنصاره دون غطاء سياسي إثر الانقلاب الأبيض الذي قاده التقويميون، بقيادة جهيد يونسي ومحمد بولحية وسرقوا منه حركة الإصلاح بتواطؤ مفضوح مع الإدارة. الانقسامات والانكسارات المتتالية بقدر ما زادت من شعبية شيخ الشباب، كما يصفه البعض، بقدر ما أنهكت قواه وقوى أنصاره، كما كان لغيابه عن الساحة الحزبية حوالي خمس سنوات أو أكثر تأثيرا سلبيا على سيرورة العمل السياسي الذي قاده جاب الله قبل التعددية السياسية التي أُقرت في الجزائر بعد انتفاضة أكتوبر 1988 في دستور 1989، عندما كان الراحل الشاذلي بن جديد رئيسا للجمهورية .

 أكيد أن المؤتمرات الولائية والجهوية ستبين التوجه العام لجبهة العدالة، كما أن تصريحات جاب الله المرتقبة قبل المؤتمر ستكشف عن نيته في مواصلة العمل السياسي أو الاعتكاف في بيته!
 

جاب الله وهو يقود ثالث حزب سياسي إلى المؤتمر الأول، وهو الذي نأى بنفسه عن المشاركة في الحكومة منذ بداية عمله السياسي العلني، وهو الذي قاوم الانقلاب على الشرعية في يناير 1992، وذهب لمؤتمر "سانتيجيديو" في روما معلنا دعمه للشرعية الشعبية مع كل من الراحل بن بلة والراحل عبد الحميد مهري، ورفض المشاركة في المؤسسات الانتقالية خاصة المجلس الاستشاري الذي أسس على أنقاض المجلس الشعبي الوطني، الذي فازت به جبهة الإنقاذ بـ188 مقعدا في الدور الأول، قبل أن يلغي الانقلابيون الدور الثاني، وحضر جبهة الإنقاذ. جاب الله الذي يشهد له القاصي والداني، البعيد والقريب، بموقفه الثابت، هل يسجل موقفا ما خلال المؤتمر القادم وهو الذي اعتكف في الفترة الأخيرة للكتابة والتأليف؟ أم ستجبره القواعد للعودة للساحة السياسة بعد انتخابه مرة أخرى رئيسا لجبهة العدالة، خاصة وأن كثيرا من المناضلين لا يرون عنه بديلا، بالأخص في هاته الفترة الحرجة التي تمر بها معظم الأحزاب والحركات الإسلامية في العالم العربي؟

هل ستغير جبهة العدالة من مواقفها السياسية اتجاه السلطة والأحزاب العلمانية بالجزائر، وهي التي شاركت التنسيق الوطني جنبا إلى جنب مع حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية (الأرسيدي) الأكثر علمانية والأكثر تطرفا في الجزائر؟ وماذا ستكون استراتيجية جبهة العدالة والتنمية مستقبلا بعد انتكاسة تشريعيات 2012 وفشل تجربة الاتحاد في 2017؟ أكيد أن الكثير من الأطروحات تطبخ على نار هادئة، خاصة بعد اللقاءات الجهوية التي طرح فيها قيادات الصف الثاني أفكارهم للخروج من دائرة النتائج الهزيلة إلى دائرة أوسع تعيد لهذا التيار بريقه وريادته.

خاصة أن الكثير منهم مازالت تراوده نتائج 2002 كطيف جميل يجب العمل بكل جهد لإعادة استنساخه، رغم تغير المعطيات ومغادرة عدد معتبر من كوادر وقواعد الحزب إلى أحزاب أخرى، أو إنهاء العمل السياسي والعودة للعمل التربوي والدعوي من خلال منابر أخرى بعيدة عن الأضواء. قبل المؤتمر الأول والذي ثبت تاريخه في الثاني من الشهر القادم، أكيد أن المؤتمرات الولائية والجهوية ستبين التوجه العام لجبهة العدالة، كما أن تصريحات جاب الله المرتقبة قبل المؤتمر، ستكشف عن نيته في مواصلة العمل السياسي أو الاعتكاف في بيته، وهو الذي هدد ذات يوم بتمزيق الاعتماد إذا استمرت السلطة في تزوير نتائج الانتخابات.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

توصلت لجنة تحكيم النسخة الثالثة لجائزة آسيا جبار للرواية في الجزائر بـ47 مؤلفا باللغات الثلاث الأمازيغية والعربية والفرنسية. وسيتم الإعلان عن المؤلفات الثلاثة الفائزة بحفل ينظم في ديسمبر/كانون الأول المقبل.

الأكثر قراءة