الكفاح الفكري لإسقاط "إسلام الصورة"

لم يكن لدى المؤلفين المسيحيين، الذين شهدوا الفتوحات الإسلامية، غير اهتمام ضئيل بعلم المسلمين وثقافتهم العالية وجلالتهم في كثير من الأحيان.

لم يصبح الإسلام رمزاً للرعب، والدمار الشيطاني، وأفواج من البرابرة الممقوتين، بصورة اعتباطية، فبالنسبة لأوروبا، كان رجة مأساوية دائمة.

وقد ازدادت هذه الصورة المسيحية الصارمة للإسلام، حدة وتوترا بطرق لا تحصى كان بينها خلال العصور الوسطى وأوائل عصر النهضة؛ تشكيلة واسعة من الشعر والجدال المتفقه (الديني المسيحي) والتطيّر الشائع (الفأل السيء).

(د. ادوارد سعيد)

 

رغم العاصفة التي أحدثت ثورة فلسفية في سياق التقصي العلمي، وأسئلة العدالة الفكرية الغائبة، أو المقننة لتقييم الشرق، التي انتهى لتفكيكها د. إدوارد سعيد، وهو يوقع مقدمة الطبعة الأولى من كتابه الاستشراق، في نيويورك 1977، فإن هذا الفاصل المعرفي لا يزال موجوداً، ويُعيق التواصل الفكري والمراجعة العلمية والحوار المنطقي.

 

 إدوارد سعيد (مواقع التواصل)

وهو الحوار الذي يدرك تراتبية التقدم الحضاري، مع الصعود الإنساني للمعرفة منذ بدء الخليقة حتى اليوم، والتي في الأصل جزء منها، يُبنى على نمو طبيعي لمعرفة الإنسان، ولذلك كان الدين الحق الموحد بذاته، يبعث في كل حين شرعة ومنهاجا، رغم وحدة المفهوم الرسالي للأنبياء. غير أن قضيتنا هنا هي البنية التحتية الضرورية للعبور، إلى معادلة دراسة التاريخ والمعرفة البشرية، ثم التوقف عندها بأسئلة الحفريات المعرفية:

 

أين ومتى بعثت الحضارة والعقل المتفاعل، ومشتركات الإحسان بين البشر؟ وكيف ينظر إليها بنظرة شاملة، تقرأ عالم الجنوب، لا الشمال المنتصر لأنه شمال غربي وحسب، وهو سؤال أزمة كبيرة؟ وعائق لإتمام مهمة الراحل د. سعيد، بل إنني أشعر أن الوهج الذي أحدثته دراسة الاستشراق، وهو الكتاب الأهم، في موضوعه بين الشرق والغرب، هو في مرحلة انزواء أكاديمي وثقافي، في المعاهد الغربية، وليس في تطور.

 

ولا أستطيع أن أعمم ذلك، لكنه وفقا لمتابعاتي والبحث الذي أعمل عليه، هناك مؤشرات أن إسلام الصورة؛ الذي تحدث عنه د. إدوارد ونقل هذا المصطلح عمن قبله، عاد من جديد، ليس في فوبيا الإعلام، وحركة العنصرية الغربية الحديثة، لكن حتى في مسارات البحث الأكاديمي، ومنابر الثقافة.

 

لقد توقفت عند هذه العبارات المهمة، منذ القرون الوسطى حتى اليوم، كيف أن فكرة إسلام الصورة بُعثت عبر التطيّر والشعر المتعصب، وكانت المادة المتدفقة عن الإسلام هي مادة مسرحية، وشعرية، ودراما مشاعر، تجتاح العهد الأوربي القديم، عبر صورتين، صورة المارد الشرير المناهض للغرب المسيحي العظيم.

 

وهو الغرب الذي لا يُقيم قواعد المناظرة في الأحكام الإنسانية إلّا عبر حقوقه من طرف واحد، ويخترق الوجدان الثقافي عبر تراكم فكرة المسرح اللاهوتي المسيحي، أو الوجودي الحديث، لتُثبّت داخل الضمير الغربي، وعبر تناقل الأجيال هذه الصورة عن الإسلام.

 

أما الجانب الثاني، فهو أن ذات التنافس البشري التاريخي، في عقل أوروبا القديمة، يرى أن استدعاء الإسلام في ذاته متطلب غربي، لبقاء هذه المنظومة التاريخية من حياة الأرض، وهي الجامع لأروبا واعتقاد سيادتها الكونية، وبعثها الروحي عبر اللاهوت المسيحي، ورغم أن الإسلام هو الدين الوحيد المتبقي الذي لم ينحرف أتباعه عن اعتقاد وحدة الرسالات وكرامة وسمو الأنبياء جميعا، فإن العبارات المشينة، والعنصرة والتشويه الدرامي، يكثف على رسول الإسلام دون غيره.

 

المعارف البشرية والرحلة الفلسفية وتقييمها الإنساني في الروح والبنيان المادي؛ لا يجوز أن تقوم على فرضيات ثبتت قهرا على ميدان المعرفة، واعتبرت أن قواعدها للقياس هي الأصل، رغم أنها لم تخضع لجدال

والفارق العلمي واضح في الإحصاء لو احتُجّ على هذا الأمر، بأن الوجودية الغربية -ونقصد هنا النزعة المتطرفة منها والإقصائية- تمارس هجوما وطعنا كليا في الأديان والروح والخالق، وليس تجاه الإسلام وحده. فالرد عبر الإحصائيات والأحداث يؤكد أن الإسلام يخصص له في الهجوم والشيطنة مالا يجري على غيره، ولا يُنبش التراث البشري الآخر، مع كل فظاعاته كما يفعل مع المسلمين، دون تمييز بين تمحيص الحدث التاريخي وشرعيته في الفعل السياسي للمستبد في تاريخ المسلمين أو المنحرف، وبين فكر وفقه الإسلام الروحي والعدلي للإنسانية.

 

هنا يبدو أننا نحتاج أن نراجع إسلام الصورة، أيضا في زماننا الحالي، وفي الألفية الثالثة التي أدرك مطلعها سعيد وكان أحد أهم أحداثها التي فجرت مخزونا هائلا من التطرف، والتطرف المضاد، قرار الحرب الكبرى على العراق في 2003، وكانت تتزامن مع أيام سعيد الأخيرة.

 

وكأنها تثبت له مع مرارة الأحداث، كيف أن حكاية إسلام الصورة، لا تزال حيوية، وهنا جامع دقيق بين الإرث المعرفي المصنوع على المسرح وصراع الدراما الفني لا الاستقصاء الفكري، وبين قرار الحرب الذي جاء في ظل صعود حركة نهضة معرفية كبرى، انتشرت في الشرق الإسلامي، وأعادت سؤال الإحياء والحداثة الإسلامية التي طُوقت بصراع الاستقلال والاستعمار، ثم صراع ما بعد الاستقلال مع المركز العالمي في أوروبا وبلدان الهند الكبرى والوطن العربي وأفريقيا.

 

وفي كلا الحدثين حرب الاستقلال والاستعمار، وحرب النفوذ الحديثة؛ تظهر أمامنا كمنتج مروع من الركام الذي تحولت له بلدان الشرق، وتكرار نفس العائق أمام بعث التنوير ومشروع المعرفة والحداثة الإسلامية، لتقوم صورة من الخراب تبعثرت بها قواعد تفكير العقل، ثم يشار إلى الشرق من جديد، ويقال انظروا إلى صورتكم!

 

هذا هو الشرق الذي ذكرناه لكم في خطابنا القديم والجديد، موضع للحروب والتخلف، يُعلن اليوم كما أعلن بالأمس إسلام الصورة لتنحية إسلام الحقيقة، وليس ذلك وحسب، وإنما استخدام إسلام الصورة من جديد، في ذات المشروع السياسي العسكري التطويقي لحركة استقلال الشرق وإرادة شعوبه.

 

مهمة الكفاح للجهاد الأكبر؛ أن يُسقط المسلمون أولا إسلام الصورة التي صنعوها بأيديهم قبل أعدائهم، ويهبّون لتحرير إسلام الحقيقة ليعود السلام والحرية لأرضهم
 

إن السؤال الفكري هنا، لا يقف عند مؤسسات التفعيل السياسي في دول الغرب، كلا.. وإنما في ذات الموقف الأخلاقي والمعرفي، في حراك الغرب الأكاديمي والبحثي والثقافي عموما. إن المتابع الدقيق يدرك أن هناك نزعة قوية وفوبيا وجدانية داخل أروقة البحث الأكاديمي، لا تسعى إلى أن تفهم هذا الشرق دون الصورة النمطية التي عُمّمت عليه منذ قرون، ولا حتى يحفّزها معرفة هذا الغريب الشرقي عبر حقيقة منطلقه الفلسفي. ونحن نؤكد أن هذا ليس تعميما، فهناك جهود غربية كبيرة ومخلصة، لكنها محدودة أمام الموقف العام المتمسك بإسلام الصورة لا بإسلام الحقيقة، ووعيه المعرفي والأخلاقي والروحي والحداثي.

 

ومع تقدم الرحلة البشرية، ونتائج الموقف من حوار الحضارات، بعد كل هذه التجربة المرة، فإن الحقيقة التي يقف على دلائلها الباحث هي أن هناك ضعفا شديدا في الرغبة للوصول إلى إسلام الحقيقة، وهذا يشمل الرأي العام في الغرب، لكنه غالبا ليس مقصودا عن علم، وإنما عن جهل، ومن حيث نماذج إساءة من مسلمين، ولكنه أيضا من حيث تلقي عقله ووجدانه كمية كبيرة من إسلام الصورة، وبعثرة وتشويه من مراكز البحث الغربي وأدواتها الإعلامية.

 

ولكن الأهم ؛ دوائر المعرفة الغربية التي تُعطي دلالة محبطة لجهود حوار الحضارات، ومركز النزعة الذاتية لديها في استعلاء الفكرة الغربية أو سلوكها غير العلمي، الذي يُعيد تأثير إسلام الصورة على موقفها حتى نصل إلى حقيقة مهمة تتساءل:

 

يقدم الإسلام السلطاني على الإسلام العدلي، ويتيه بالانتقام ولا يهتم بقواعد وشروط القصاص، ويصنع إسلام صورة مرتفعا بسيفه وليس منتصرا بهديه، وقبيحا في مناظرته وليس رفيعا في خُلق

هل يوجد شريك حضاري؟ وهذا السؤال ليس من الغرب بل من خطاب المعرفة والحضارة والحداثة الإسلامي، والجواب في تقديري أنه لا يوجد ذلك الشريك المتحمس، وهنا سؤال متوتّر قد يخرج على السطح، كيف يُقال ذلك؟ فالأصل أن الشرق تابع لمنصات الغرب لينتظر إذنه بالحوار الحضاري، وهذا الاحتجاج في ذاته الذي تتبناه ألسنة عربية ومسلمة كما هو في الألسنة الغربية؛ هو مصدر الانحراف الأصلي في قضية حوار الحضارات.

 

إن المعارف البشرية والرحلة الفلسفية، وتقييمها الإنساني في الروح والبنيان المادي، لا يجوز أن تقوم على فرضيات ثبتت قهرا على ميدان المعرفة، واعتبرت أن قواعدها للقياس هي الأصل، رغم أنها لم تخضع لجدال وحوار مقارن مشروع.

 

والتقدم المادي الغربي أو الإداري الذي يخدم قيم العدالة والأخلاق والرفاه، هو ميزان صحيح، لكن كيف يُقرأ في سجل التقدم الأممي ومساحة العدالة الكلية للعالم؟ إنها في الأصل ليست أسئلة يسارية، بل أسئلة وشروط معرفية.

 

فكيف يتقدم الحوار الإسلامي الغربي الحضاري دون إقرار هذه القاعدة ودون تحييد إسلام الصورة؟ إننا لا نُهوّن أبدا، وأمام كتلة التحديات التي تواجه الشرق المسلم من فوائد وإيجابية الحوار الحضاري، بل حتى الاستعلاء والتطرف الغربي أحيانا حين يشرّح يعطي فوائد إنتاج معرفية للمسلمين، فضلا عن تحفيزهم لفهم هويتهم.

 

لكننا في حاجة إلى الاهتمام الذاتي في الشرق المسلم بحوارنا المعرفي الداخلي، وتنظيم بنائه، قبل المنصات المشتركة مع الغرب، والتي يمكنها أن تستمر في توازٍ دون إشفاق كبير على منظور الغرب الأكاديمي الذي قد لا يتزحزح كثيرا عن إسلام الصورة.

 

أما التحدي الأكبر فهو سؤال المسلمين في ذواتهم؛ ما هو سجلنا اليوم في تكريس إسلام الصورة؟ كيف لا يزال المسلمون يقدمون الأدلة ضد أنفسهم، ليس أمام الغرب فقط بل أمام الضمير العدل للشرق الممتحن؟ لقد بات هناك إسلام صورة عجيب:

 

يقدم الإسلام السلطاني على الإسلام العدلي، ويتيه بالانتقام ولا يهتم بقواعد وشروط القصاص، ويصنع إسلام صورة مرتفعا بسيفه وليس منتصراً بهديه، وقبيحا في مناظرته وليس رفيعا في خُلقه، ومتوترا متعصبا في عاطفته وليس رشيدا في عقله.

 

إنها مهمة الكفاح للجهاد الأكبر، أن يُسقط المسلمون أولا إسلام الصورة الذي صنعوه بأيديهم قبل أعدائهم، ويهبّون لتحرير إسلام الحقيقة ليعود السلام والحرية لأرضهم، وتحرر من قبضة المستبد وتجار الصورة والسياسة الحارقة، حينها نكون خير أمة أُخرجت للناس تهدي للعدل وبه تستنير.



حول هذه القصة

كانت المعارك التي شهدتها مدينة الموصل بالعراق بين القوات الحكومية وعناصر تنظيم الدولة الإسلامية حاضرة بقوة بمهرجان “تأشيرة للصورة” الذي يعد أهم فعالية للصور الصحفية بالعالم، وتستضيفه مدينة بربينيان الفرنسية.

10/9/2017

تقدم الفرقة الموسيقية اللبنانية “‬هارموني باند” نوعا جديدا من الأغاني والأناشيد الدينية بهدف رسم صورة شفافة عن الإسلام بعيدا عن صور التطرف والإرهاب التي التصقت به في السنوات القليلة الماضية.

30/10/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة