سلوان.. لم تكن يوما مدينة داود

إن الادعاء القائل بأن الملك داود قد أعاد تأسيس "أورشليم" (مدينة داود) كعاصمة لملكه، قد جرى تكراره حتى انزرع في الخيال الشعبي العربي والغربي كحقيقة لا تحتاج إلى برهان. إن الصورة التقليدية (التوراتية) عن "أورشليم"، هي أنها مدينة محصنة جيدا يسكنها اليبوسيون، ومركز لدولة- مدينة مستقلة، وقد احتلها الملك داود فيما بعد وحولها إلى عاصمة له. ونظرا لانعدام المصادر التاريخية المتعلقة بهذه الفترة من حياة "أورشليم"، تقريبا، فإن المصادر التوراتية قد استخدمت كمراجع تاريخية على الرغم من أن تأليفها يعود إلى مراحل متأخرة.

 

كتب ويندي بولان (Wendy Pullan) وماكسيميليان غويازدا (Maximilian Gwiazda)، في دراستهما "القدس "مدينة داود": تسييس التراث الحضاري" (Jerusalem’s "City of David": The Politicisation of Urban Heritage)، ترجمه محمود الصباغ، تحت عنوان: "الوجه الآخر لاستيطان القدس: تسييس العمران و احتكار السردية الآثارية": تعرف هذه المنطقة بالنسبة للفلسطينيين باسم وادي حلوة، وهو حي من النسيج العمراني لقرية سلوان، ويقع الوادي على تلة ضيقة مثلثة الشكل تجثم على المنطقة بين وادي جهنم أو "قدرون" إلى الشرق، والواد "تيروبيون" من جهة الغرب.
 

كانت سلوان هدفا لنشاطات جمعية "إلعاد" الاستيطانية، فهدفت إلى الاستيلاء على أراضي سلوان ومنازلها، وتحويل منطقة وادي حلوة إلى منطقة سياحية وأثرية

وأعاد "الإسرائيليون" تسمية وادي حلوة باسم "مدينة داود" (عير ديفيد بالعبرية).. تعتبر الفكرة الشعبية عن "مدينة داود" ظاهرة حديثة ملفتة للنظر على الرغم من المزاعم التي ترى بأن الموقع هو عاصمة إسرائيل الأساسية. وقد شهدت السنوات الخمس عشرة الماضية -أو نحو ذلك- تحولا فعليا في عمليات التنقيب المتناثرة لجهة توسع المنتزه الآثاري والمستوطنات الدينية، وتسير مدينة داود في طريق تكريس نفسها باعتبارها نصبا قوميا إسرائيليا كبيرا.

 

كانت سلوان هدفا لنشاطات جمعية "إلعاد" الاستيطانية (Elad Foundation) [التي تعني أولياء مدينة داود أو العودة إلى مدينة داود (El Ir David: to the City of  David)] فهدفت إلى الاستيلاء على أراضي سلوان ومنازلها، وتحويل منطقة وادي حلوة إلى منطقة سياحية وأثرية تحت اسم "مدينة داود"، وتكثيف أعمال الحفر في سلوان، وطرد أكبر عدد من الفلسطينيين، وإحلال مستوطنين جدد، وتحويل شارعي وادي حلوة إلى شوارع يهودية وتوسيعهما، وعمل مواقف سيارات ومحطة أتوبيسات للمستوطنين الذين تستقطبهم من خلال روايتها عن سلوان.

 

فمنذ بداية تسعينيات القرن الماضي، بدأ المستوطنون عملية "نزوح" إلى سلوان، مدّعين أنّهم يملكون حقا توراتيا في امتلاك الأرض. فهم افترضوا أن سلوان هي مدينة الملك داود، وكل ما يحتاجون إليه هو حفريات أثرية لتثبيت تلك النظرية. وبالترادف مع الوجود المادي اليهودي، تقوم "إلعاد" بأنشطة "تعليمية" و"معلوماتية" بما في ذلك تنظيم جولات ومحاضرات وندوات، تشكل كلها جزءا من المعركة للتأثير على قلوب اليهود وعقولهم، وبذلك تعمل على تعميق تعريف المنطقة بأنها منطقة يهودية.  

  

الإستيطان الإسرائيلي بمدينة سلوان بالبلدة القديمة (رويترز)

 

تنتقد مؤسسة "عمق شبيه" (مؤسسة تضم علماء آثار "إسرائيليين" ينتقدون استعمال كيان العدو الصهيوني البحث والحفريات الأثرية لخدمة حاجات ودواع سياسية وإيديولوجية) في كتيب "علم الآثار في ظل الصراع القدس القديمة" الأنشطة السياحية لجمعية "إلعاد" بالقول: عندما يقدم المرشدون السياحيون موقع القدس القديمة كمجرد توضيح أو خلفية للقصص التوراتية، دون الاعتراف بالفرق بين المنظور الأسطوري في الماضي وبين المكتشفات الأثرية الفعلية، أو عندما لا يعترفون بالأدلة الوافرة والعائدة لحضارات ومجتمعات أخرى سكنت المكان عبر العصور، فإنهم بذلك يزودون السائح بنسخة تاريخية مشوهة وقومية، ومن خلال ملاءمة الماضي لخدمة رؤيتهم العالمية، وتجاهل أهمية الموقع لدى نطاق واسع من الشعوب والحضارات الأخرى، وخاصة لدى السكان الفلسطينيين المحليين، فإن مثل هؤلاء المرشدين السياحيين يلحقون ضررا بالغا بمجتمعات الماضي والحاضر على حد سواء.

 

يعتمد عالم الآثار في فهمه للماضي على دراسة المكتشفات الأثرية، في حين أن العامة يفهمون الماضي من خلال القصص التقليدية: مثل قصص الكتاب المقدس، والأساطير، والروايات التاريخية، والميول الديني وغيرها

يدافع رئيس وزراء العدو الصهيوني، بنيامين نتنياهو، في كتابه "مكان تحت الشمس" عن النشاطات التهويدية في سلوان بالقول: "لقد عاش اليهود في سلوان حتى عام 1948م أي حتى تم احتلالها من قبل الأردنيين، وطرد سكانها اليهود، لكن اليهود الذين يشترون اليوم أراضي وبيوتا في سلوان يتعرضون لعاصفة دولية، ويواجهون الادعاء الذي يمنع اليهود من الإقامة هناك، حتى لو لم يكن هنالك أي خطأ في حقوق الشراء الفردية. سلوان هي شيلوه المكرائية (الواردة في العهد القديم)، وإن النبع والبركة التي تقع في أسفلها، هما اللذان كانا يزودان أورشليم بالمياه في عهد الهيكل الأول، وحول هذا الموقع المائي الوارد ذكره في التناخ (العهد القديم) والذي ما زال قائما حتى هذا اليوم، بنى الملك داود عاصمته وحصّنها".

 

ما يثير الاهتمام هنا، هو أن "قرنا من البحوث الأثرية المكثفة لم يتمكن من تقديم البرهان على وجود شخصيات التاريخ الكتابي الرئيسية". فلم نعثر في موقع مثل موقع القدس القديمة، والذي يرتبط كثيرا بـ"أورشليم" التوراتية، على بقايا مهمة تعود لمدينة أهم الملوك في القصة التوراتية، داود وسليمان! كيف يُعقل بأنه ومن بين كل آثار القدس التي يعود تاريخها للقرن الثامن قبل الميلاد، حيث كانت المدينة أكبر بعشر مرات عن ما كانت عليه في الفترات السابقة، لا نجد أي إشارة واحدة لاسم ملك على النقوش والأبنية المكتشفة؟ "يُراجع مقالنا: كيف كذَب علم الآثار مملكة داوود القديمة؟".

 

وهكذا، فان القصة التي يرويها علماء الآثار غالبا ما تختلف عن القصة التي يعرفها العامة، وفي كثير من الأحيان تكملها بطريقة أو بأخرى. يعتمد عالم الآثار في فهمه للماضي على دراسة المكتشفات الأثرية، في حين أن العامة يفهمون الماضي من خلال القصص التقليدية: مثل قصص الكتاب المقدس، والأساطير، والروايات التاريخية، والميول الديني وغيرها. لسوء الحظ، فإن القصص التقليدية أكثر شهرة من القصة المبنية على التحليل الأثري العلمي والذي يتم عادة بعيدا عن أذن العامة ويقتصر على المهنيين فقط.



حول هذه القصة

استشهد شاب فلسطيني مساء الثلاثاء خلال مواجهات مع جنود الاحتلال في بلدة سلوان جنوب البلدة القديمة في القدس المحتلة. وشيع عشرات الفلسطينيين جنازة الشاب بعد أقل من ساعة على استشهاده.

12/10/2016

أفادت صحيفة هآرتس الإسرائيلية بأن مستوطنين من جمعية “إلعاد” الاستيطانية اقتحموا مبنى فلسطينيا بمرافقة أفراد الشرطة الإسرائيلية في حي وادي حلوة ببلدة سلوان المقدسية.

1/1/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة