شعار قسم مدونات

الهوية العربية الإسلامية وسبل الانفتاح على الممكنات

blogs الهوية الإسلامية

حتى تستطيع هويتنا أن تخلق مجتمعا عربيا إسلاميا جديدا، تكون له القدرة على تنظيم العلاقات ما بين هوياته المختلفة، لتجاوز مثبطات نهوضه واستقلاله الذاتي، وحتى تستطيع تخطي ألغام كل من مفهوم الخصوصية ومفهوم الكونية وتجنب انحرافاتهما الإيديولوجية، يجب أن تتماهى مع القوانين الكونية النابعة من القيم الإنسانية الأصيلة.

لكن هذا التماهي لا يعني الذوبان الكلي في ثقافة الآخر السائدة، بل يعني التفاعل الإيجابي والبناء، دون المساس بالمقومات الحضارية والتراثية لدى الشعوب المعبرة عن هوياتهم. فلا وجود لهوية خارج التاريخ، سواء تعلق الأمر بهوياتنا العربية الإسلامية أو بالهويات الأخرى المتفاعلة معها سلبا أو إيجابا.

 

وهذا ما يمكن فهمه من خلال التعريف للهوية الذي يسوقه لنا الباحث عفيف البوني نقلا عن المفكر نديم البيطار من كتابه "حدود الهوية القومية"، ومفاده أن هوية كل أمة تكون مرتبطة بتاريخها الذي يشكلها. وهي بهذا المعنى شبيهة بأرض الوطن، الذي لا يمكن لأحد التفريط فيه أو التنازل عنه. فالولاء للوطن شيء مكتسب يتربى عليه الإنسان ويكون نتيجة حتمية للولاء للهوية. فالأوطان تعرف وتتمايز بهوياتها التي صنعها الفاعلون في تاريخهم الاجتماعي والسياسي.

لا يكتمل المعنى العلمي لمفهوم الخصوصية، في رأي المسيري، إلا إذا شكل إطارا تنظيميا داعيا إلى الانفتاح على كل حضارات العالم، يغرف منها، وليس فقط الانفتاح على الحضارة الغربية وحدها
لا يكتمل المعنى العلمي لمفهوم الخصوصية، في رأي المسيري، إلا إذا شكل إطارا تنظيميا داعيا إلى الانفتاح على كل حضارات العالم، يغرف منها، وليس فقط الانفتاح على الحضارة الغربية وحدها
 
المواطنة العالمية.. حدود الخصوصي والكوني

يكشف مفهوم الخصوصية، حسب المفكر عبد الوهاب المسيري، عن ثوابت إيديولوجية تساهم في تكريس نزعة ثقافية مركزية تجعل من أسلوب التفاضل بين ثقافات شعوب العالم غايتها الأولى، وتدفع، بالتالي، في اتجاه توسيع الهوة ما بين تلك الثقافات، انطلاقا من المعايير التقليدية التي تأسست عليها بعض المفاهيم التي ارتبطت بسياقات زمانية ومكانية معينة وبظروف تاريخية عاشتها أوروبا مع مستعمراتها، كمفهوم التقدم ومفهوم التأخر.

إن مواصلة طرح مفهوم الخصوصية بهذا المعنى الذي يضيق المساحة على الكوني والمشترك الإنساني يفقد هذا الأخير إجرائيته وقيمته العلميتين الكفيلتين بجعله إطارا مرجعيا أساسيا مساهما مع مفهوم الكونية في مد جسور التواصل الحضاري بين ثقافات العالم. وبهذا المعنى، لا يكتمل المعنى العلمي لمفهوم الخصوصية، في رأي المسيري، إلا إذا شكل إطارا تنظيميا داعيا إلى الانفتاح على كل حضارات العالم، يغرف منها، وليس فقط الانفتاح على الحضارة الغربية وحدها. فالانفتاح بهذا المعنى لا يكون مذيبا للخصوصيات بل معززا ومقويا القدرة على الاندماج للتماهي مع هذا التنوع اللامتناهي والغنى الثقافي الذي يطبع حضارات العالم. 

كما يكشف مفهوم الكونية، حسب إدغار موران، عن أسس قيمية مستقاة من عصر الأنوار. أسس حولتها العولمة إلى ثوابت إيديولوجية صيرت العالم أشبه ما يكون بسفينة فضائية تتجه نحو كوارث غير متحكم فيها. الشيء الذي تطلب من الحضارة الأوروبية المعاصرة، في نظره، إنتاج ترياق يكون بمثابة مضاد حيوي واق نابع من ثقافة الحوار والانسجام، ومن حضارة عالمية منمية لخصال الحياة المشتركة؛ تضع حدا للسباق نحو الهيمنة. ثقافة تنهل من النزعة الإنسية العالمية.

 

موضوع الهوية شائك ومعقد ينبغي تناوله وتدقيقه علميا لإزالة الشوائب التي علقت به جراء التوظيفات والاستعمالات الإيديولوجية التي حولته إلى مفهوم فضفاض وضبابي

ذلك أن الثقافة هي مرآة عاكسة لهويات أمم العالم، إذ لا أساس هوياتي دون ثقافة تشكل قاعدة تنظيمية لها؛ تتأسس عليها تلك الأحكام والمعايير والضوابط السلوكية والقيم الإنسانية الكونية المتماهية مع القيم المحلية.

نفهم من رأي إدغار موران أنه ينبغي البحث في مستويات نظر أخرى مغايرة للمألوف وما درجت عليه أوروبا على الخصوص والغرب على العموم، و طبعت به ثقافات العالم المختلفة عنها. مستويات نظر قد تكشف عنها العلوم الإنسانية مستقبلا، عندما تزداد حدة مفارقات عصر العولمة ويطالب الضمير العالمي بضرورة سن قوانين جديدة عادلة ومنصفة بقصد إخراج مواطنة عالمية، مبنية على حقوق سياسية ومدنية كونية، إلى حيز الوجود. مواطنة عالمية تجعل من كل إنسان (أي إنسان) مواطنا يعيش في عالم خال من الحروب، بكل راحة و اطمئنان.
 

خاتمة

خلاصة القول إن موضوع الهوية شائك ومعقد ينبغي تناوله وتدقيقه علميا لإزالة الشوائب التي علقت به جراء التوظيفات والاستعمالات الإيديولوجية التي حولته إلى مفهوم فضفاض وضبابي. إن البحث فيه وفي كل ما هو ثقافي وقيمي بغاية التشبث والتعلق بأهداب هوية ثابتة ومغازلة أطيافها السرمدية قد أخذ من الباحثين، لمدة عقود طويلة، كامل جهدهم الفكري والمنهجي بدون طائل، ولم يخلف لمجتمعاتنا العربية الإسلامية سوى الدمار والخراب. 

لذا، فقد بات من المؤكد على كل باحث متخصص في مجال الثقافة والهوية الحضارية التفطن إلى تداعيات وتحديات الألفية الثالثة والانكباب على الإجابة عن أسئلة الهوية ومكوناتها وأصولها وأسسها وثوابتها ومتغيراتها ومختلف تعبيراتها وتجلياتها وتمثلاتها العميقة، وكذا حدود التعايش أو الصراع بين مختلف مرجعياتها التاريخية. 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.