شعار قسم مدونات

أنت لي وطن!

مدونات - فلسطين

إنَّها حروفُ الحياة القاسية تَخْفِق في صمت وتُطْرِق السَّمع إلى حَفيفِ الأشواق، تعيد إلى الشِّفاهِ دبيبَ الأفراح، وتهَب الرُّوحَ بِضْعةَ أنفاس تنتَظِم كتمتمات حَيِيَّة، ترسم على مُحَيَّاها بسَمات بألوانها البهِيَّة. لقد كان قلمها شامخا يكتب عنها وتكتب عنه، بتلك الحروف والكلمات والأنفاس، وبينهما رسائل مجهولةَ الهُوِيَّة، تخالُها وطنا يحتويها، ويحضُن شَكْواها ونَجْواها، كما تحضن الأرض حبَّات ثراها وتلمُّ أوراقها الذَّابلة وتَنْفُضُ عنها تصَدُّعات الزمن وتُرَتِّق تشَقُّقاتها وتبعث حسنها الخامل، ليهيج قلبها الناعم كما يهيجُ العُشْب ويَخْضَرّ، وتتفتَّح نبضاتُها كأحْداق الزَّهْر، مغَرِّدة لبشائر الأفراح الآتِيَة من أقصاها البعيد، حامِلةً رسائلها المُطَرَّزَة بطِراز الأرض.

وهي بنت فلسطين الأبيَّة التي أَوْدعَت روحَها في تلك الأرض، التي طالما نامت على وسائدها وظلت تحلم بحياة آمنة مطمئنَّة، تَلْتحِف ثَراها فيَسْري الدِّفْء إلى أوصالها ويتدَفَّق ينبوعه الغزير في شريان كبدها، الذي تغَضَّن وترَهَّل من غربة منفاها السَّحيق، وعُبوسِ الشَّدائِد ومصارع الحروب. وهي بنت فلسطين التي كلَّما ضاق بها المكان والزَّمان، فزعت إلى وجودها الفسيح خارج مضايق السُّدود والحدود، حيث تُصْغي إلى أنفاسِها تتَوحَّد بأنفاس الطَّبيعة في لحظاتِ الشُّروق وبُزوغِ شمسِ الحرية والانطلاق في البكور. وحين تولَد من رَحِم الحياة بلا ضجيج، ولا مدافع ولا مَواجِع، ولا صَدى الرِّياح العاتِية، ولا دخَّان الحروب المسموم، ولا دم مُراق مسفوح، يحصد الأوراقَ ويجتثُّ مَنابِتَ الجُذور، ويكسِر فرحةَ البراعِم قبل أن ترتوي من منابع العيون وتزهر على الغُصون.

كانت تُصْغِي إلى أحاديثه الطِّوال بحُبٍّ، وتتذكَّر التاريخ القديم والحديث، وعَيْناها تلمَعان كنَجْمتين، تُحَلِّقانِ في فضاء الكون بلا قيود، وتحومان حول القمر ليلة اكتماله

وهي بنت فلسطين التي ظنَّت أنَّ حياتها لن تكون شديدَةَ الإعصار والهُبوب، ولن يمتدَّ بها وَصْل الرَّضاع المحموم، وستَفْطِمها المواجع والحروب، ولن تشيخَ روحها الفَتِيَّة في غَياهِبِ السجون، ولن تجِفَّ مَحاجِرُها من تمزُّقات الجروح والقروح واتِّساع الخُروق والجسور. غير أنها كلما أدركت النِّهايات وسيقت إلى الموت البطيء، عضَّت بنواجذِها وجوارحها على حُشاشَةِ تلك الأرض الصَّلبة الطاهرة وأبت إلا أن تُنْجِبَ بعد المخاضِ العسير بدايات جديدة، ورفعت قلمها الأشم في شموخ وإباء، ليشاركها بدايات نشوء عهدها الجديد ونهايات براعمها من الأطفال والزُّهور.

وقد أخذها الشَّغفُ الطُّفولي، فاختارت لهذا القلم اسما يليق بهُوِيَّته العربية وهويَّتها العربية، فسَمَّته عصفور الشَّرق لأنَّه اعتاد على أن يرحل عنها إلى ذاك الأقصى البعيد، ثم يعود إليها مختالاً منتَصِرًا، ليستقرَّ في عشِّه الآمن على غُصْنِ شجرة زيتون، فيسقي روحها الكالحة قُطاره النَّدِي، كما الأرض العَطْشى يسقيها الغيث. وكانت تُصْغِي إلى أحاديثه الطِّوال بحُبٍّ واعْتِبار، وتتذكَّر التاريخ القديم والحديث، وعَيْناها تلمَعان كنَجْمتين وهَّاجَتين، تُحَلِّقانِ في فضاء الكون بلا قيود وتحومان حول القمر ليلة اكتماله، عساها تظفر بلمعة من وميضه، تسطع على سطورها المظلمة، فتكتب فصولا لا تكرِّر الفصول القديمة من الآلام وتوالي الجروح والمذابح.

وكلما امتدَّ الحديث بينهما لساعات، اتَّسعت عيناها وتفتَّحَتا كزهرتين سَقاهُما الرَّحيق، فانْتشَت روحها بالعطور. وكلما انْحبسَ صوتُه للحظات، الْتَصقَت عيناها بظلمة تنْحَسِر بين طيَّاتِ كلامه المكسور، الذي تحفظُه على امتدادِ رُموشِها الكثيفة، كما تحفظ تاريخ أرضها في ذاكرة تَأْبى أن تَنْساه أو تَنْساها.

من لم تنْحَسِر عن بصيرتِه لُجَج الظُّلمات، فلا عجَبَ أن يُنْكِر ما يعْرِفُه ويراه، ولا عجَب أن يُنْكِر القلبُ المقْفَل بذور الإيمان، فلا يرْعاها بالتشْذيب والتَّهذيب والعمل
من لم تنْحَسِر عن بصيرتِه لُجَج الظُّلمات، فلا عجَبَ أن يُنْكِر ما يعْرِفُه ويراه، ولا عجَب أن يُنْكِر القلبُ المقْفَل بذور الإيمان، فلا يرْعاها بالتشْذيب والتَّهذيب والعمل
 

وكيف لها أن تَنْسى السَّماعَ المهيب وقد غرسَ خَلاياهُ وقلائِدَه في دوْحةِ صدرها، فصارا مزيجا من نغَمات وُجْدٍ توحَّدَت وصارا يُرَدِّدانِ صوتا واحدا مسموعا بلغة عربية حين يتخاطَبان؟ وكلما غاب عنها لعقودٍ طويلة، هبَّت نَسائِمُ ذِكْراه فانتفضَت ملبِّيَة النِّداء ووقفت تحت عُشِّه الخالي، تعُدُّ الثَّواني والسَّاعات وتُحْصي السِّنين والشُّهور والأيَّام، ومَن وُلِد ومَن مات خلال أطوارِ البُعْدِ والغِياب، وتُحْصي كلَّ دورةٍ من دوراتِه حول شجرتهِما الشَّماء، ذاتِ الأقلام المُنْتصِبة القامة في كرامة واعتزاز، تٌقَيِّد عنهما ما لا يُلقي له بالاً العوام والهوام والجُهَّال، وتعدُّ ما لا يَحْسَبونَ له أعدادًا فوقَها أعداد وأوزانًا ذات أبعاد وأوزارا لا تُبْصِرها العيون من محاجِرِ النَّهار ولا محاجِرِ اللَّيلِ.

وحين ينتهي العَدُّ والحِساب، تُحَدِّق في كفِّها وما خلَّفته التَّجاعيد ورسوم الخطوط، فتخاطِبها كما كانت تخاطِبه :كم تَعْمَلين ولا تتَنعَّمين بالرَّاحَة في سُكونِ الليل وهَدْأَةِ النَّهار، حتى شِخْتِ وشاخَ على صفحاتِك البياض وصارَ قُرْمُزِيَّ اللَّون من خجل الغروب والدَّم المَسْفوحِ من نُحورِ الحروب! وسكراتِ النفس الملتاعة من الكسور وخِطابِها المَشْبوب، الثَّائر على خِياناتِ العهود والبنود! وكم من الأَنفس تتَنعَّم ولا تَعْمَل، فما أَجْداها نعيمها الفاني إلا شهوة تلْتذُّ بها في لحظات غياب العقل المجنون وموت الضَّمير الإنساني وضَياعِ الأخلاق والفضيلة والدِّين في نفايةِ القِيَم. فيا وَيْلَ تلك الأيدي الحَبالى بانْتهاكِ الحقوق، والوالداتِ لأبناء هم أعداء إخوانهم وآبائهم وأمهاتهم الوالدات.

أيُّ كلمـاتٍ تضُمُّنا، والحروف صرخاتٌ ثَكْلى، لها شَهيـقٌ وزَفيـرٌ بلا صوت ونفيرٌ للقِتال والحرب، تجتثُّ جذورَنا من الأعماق وتمزِّق هذا الجلد وما تحت الجلد!
أيُّ كلمـاتٍ تضُمُّنا، والحروف صرخاتٌ ثَكْلى، لها شَهيـقٌ وزَفيـرٌ بلا صوت ونفيرٌ للقِتال والحرب، تجتثُّ جذورَنا من الأعماق وتمزِّق هذا الجلد وما تحت الجلد!
 

ويا وَيْل تلك المرضِعات لحليب تلوَّثَ بدماء الذَّبائِح، فسَقَينه لأبنائهنّ لتتضاعَفَ في بطونهم الآثام والأَوْزار ولا تُحْقَن الدِّماء وتظلَّ الأقلام بلا هويَّة، صاغِرَةً لملذّات تتفجَّر من أَوْداجِها الانتهاكات، ولا يُطْفِئ سُعارَها رَواءُ الحِبْر يَنْهَلُّ من الأحداق، ويظلَّ الأخُ يُنْكِر أخاه ويبغِضُه ويُرْديه، لا لشيْءٍ من أسبابِ الشَّحناءِ والبَغْضاء، إلا أنَّ المصالح إذا قامَت قائِمَتُها ارْتفعَت شَوْكَتُها، فكان لها الحظُّ الأَوْفى في الأمر والنهي وسقط ما يليها ويتقدَّمها من القمَّة إلى القاع.

أنا حيثما حَللتَ حَللتُ، وفي خافِقي ارْتعاشٌ يذكِّرُني بنَعْيِ الفِراق والبَيْن، ولنا وطنٌ غير ناسٍ ما مضى، وما انتهك من أعراض وحرمات

ومن لم تنْحَسِر عن بصيرتِه لُجَج الظُّلمات، فلا عجَبَ أن يُنْكِر ما يعْرِفُه ويراه، ولا عجَب أن يُنْكِر القلبُ المقْفَل بذور الإيمان، فلا يرْعاها بالتشْذيب والتَّهذيب والعمل. ثم تتوقَّف عقارب الزمن المنسي بعد ساعات من التَّفكير السَّقيم، وتهتِف بنت فلسطين بصوت مزَّقَهُ الأنين: أُهْديكَ سلامي، أيُّها النَّبضُ الخافِقُ بين حَنايا القلبِ والرُّوح .وشُطْـآن مَحبَّتي تُناديكَ حيثما كنتَ، وكنتُ أنا أُلبّــِي النِّداءَ، ويهيجُ هُتاف الحُـب. وأُهْديكَ سلامي، أيُّها الوطن السَّاكِنُ بين أَضْلُعـي وعلى مِهادِ الصّدر.ومَنْفايَ تلك الحدود بيننا، والقيود تفصل النَّبض عن النَّبض وتحُثُّ خُطانا على المَسير ليطولَ الصَّمت. وما بيننا من مدٍّ وجزر، وانتظاري الشَّاكي من عَذاباتِ الغِياب، ومراكبي تُوَدِّعُك وتنوحُ حين تُوَدِّعني قبل مَغيبِ الشَّمس.

أيُّ دِفْءٍ يَحْتوينا من انْصِهار أفراحنا في مَواقِد الألم وانْكِسار أحلامنا كعيدان الحطب! أيُّ مجلسٍ يجمعُنا لتُسافر أنشودَة اللِّقاء بشِــرْيان الشَّدَن والوَصْل، فنَحْمِل حقائِبَـَـنا الحَبْلـى برسائل الشَّوق! أيُّ حِبْـرٍ يَجْــري من مآقيـنا ومَسيل الدَّمع يكتب على صَفحاتنا وما بين السَّطر والسَّطر، ويروي فصول حَكايانا منذ أوَّل العهد! بلا نغَمٍ هزَّاز ولا ارْتِجافِ الكَلِم والحرف، ولا مِكْنسةِ قشٍّ تمتصُّ من عروقنا الدَّم، ومن أقلامِنا ما تبقَّى من حِبْر، والبيـاض حِــدادٌ يحتوي السُّطور والكفَن.

أيُّ كلمـاتٍ تضُمُّنا، والحروف صرخاتٌ ثَكْلى، لها شَهيـقٌ وزَفيـرٌ بلا صوت، ونفيرٌ للقِتال والحرب، تجتثُّ جذورَنا من الأعماق وتمزِّق هذا الجلد وما تحت الجلد! بلا أخلاق تُصان، ولا عهود تُوَفّى ولا قِيَم، وماضِياتُ الذِّكرى مَواضٍ تُمزِّق صفحاتنا والأحشاء وتجدِّد الحِساب وعَدَّ من سقط ومات، والقصاص صبيبٌ يثور، ويَنْزِف بين خطَّي الميلاد والموت. وأنا حيثما حَللتَ حَللتُ، وفي خافِقي ارْتعاشٌ يذكِّرُني بنَعْيِ الفِراق والبَيْن، ولنا وطنٌ غير ناسٍ ما مضى، وما انتُهك من أعراض وحرمات، وما تبقَّى لنا من ميثاقٍ وعهد يُصان.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.