شعار قسم مدونات

زمن النصب الحلال

blogs جريدة

حلال عليهم عقول قدمت نفسها مجانا يغسلونها كما يحلو لهم. حلال عليهم عواطف جياشة وانفعالات قدمت نفسها مجانا يشعلونها كما يريدون ويطفئونها كما يشاؤون. حلال عليهم أصوات قدمت حناجرها مجانا ترتفع لتصرخ في وجه كل من يجرؤ على التشكيك في أقوالهم أو يجرؤ على طرح سؤال بريء قد يوقظ العقول النائمة. حلال عليهم أياد قدمت خدماتها مجانا لتصفق حين يأمرون، وتكمّم أفواه الآخرين حين يأمرون، وتخنق أحلام الآخرين حين يأمرون. حلال عليهم أقدام قدّمت نفسها، مجانا، لتسير كيفما يوجهون، وتدعس على رقاب من يحتجون، وتغرق في وحول انعدام الأخلاق طالما هم راضون.

 

حلال عليهم زمن تلميع الصورة؛ ربطة عنق وبدلة فاخرة، وصورة احترافية مع ابتسامة خفيفة تقول إنّه مهتمّ ليس مستهزئا، مهموم لكن متفائل، يرفقها بلقب دكتور أو أستاذ أو مفكّر، وحسابات على مواقع التواصل يشتري عليها علامة زرقاء للتوثيق كي تتأكد أنه هو بشحمه ولحمه يطل عليك ليشاركك بكل كرم أخلاق خلاصة فكره وزبد عقله، يشتري عليها بضعة متابعين يصفّقون في بادئ الأمر، يعطون مصداقية للحساب. يمر الاسم عليك مرة وأخرى، يكرر بعض الحكم المعروفة منذ قديم الزمان. ترى المصفّقين والمعجبين يسألون الدكتور عن علاج أوبئة تنهش مجتمعاتنا. يردّ عليهم بوصفات جميعنا يعرفها: الحرّية العدالة الكرامة. تصفق له بدورك وتتابعه وتشارك المصفّقين، لكن مجّانا. يستبدل بأمثالك بعد حين أولئك الذين يدفع لهم، فالاستثمار أتى بأرباحه ولا داعي لصرف الأموال بعد الآن.

 

أذكر حين كنت طفلة في زمن قبل الإنترنت، كنّا نسأل من سبقونا عن أسماء مفكرين شكلوا التاريخ، كنّا نقرأ كتب التاريخ، وعصارة الفلاسفة على مرّ الأزمان. الآن لم يعد هناك وقت، عليك أن تتابع الانهيارات الفلسفية على الإنترنت، أن تلاحق الأفكار التي تكاد تكون أقرب للإسهال الكلامي، أقرب لمحاولة ملء الشبكة بالشباك، صورة وكلمتين ولايكات، إذا لم تنخرط في "الركب الثقافي" الجديد فأنت موضة قديمة، غرقت في التاريخ، وأكل عليك الدهر. أعترف أنّني جزء من هذه المنظومة التي أمقتها، أختار صوري بعناية، أحرص على أن يزيد عدد المتابعين، أواسي عقلي بالقول إنني ربما أصدق من غيري، وربما أنفعهم وأقلهم مصلحة، أواسي عقلي بالقول إنني مرغمة كي لا أسير خارج التاريخ وخارج الزمن، كي لا يترك أمثالي هذه المساحة الشاسعة لشباك النصّابين، لكنني ربما أكذب على نفسي.

 

تقنيات البروباغندا والكذب موجودة للاطّلاع مجانا كيفما بحثت على الإنترنت. نشرها الباحثون كي لا تنطلي علينا حيل غسيل الدماغ بعد الآن، لكنّ أغلب من يدرسها هو الكاذب ليتعلّم منها، وليس المكذوب عليه
تقنيات البروباغندا والكذب موجودة للاطّلاع مجانا كيفما بحثت على الإنترنت. نشرها الباحثون كي لا تنطلي علينا حيل غسيل الدماغ بعد الآن، لكنّ أغلب من يدرسها هو الكاذب ليتعلّم منها، وليس المكذوب عليه
 

وربما هم يكذبون على أنفسهم أيضا. من أنا لأحكم أنهم نصابون؟ ربما جميعنا نحترف فن النصب، فنكذب على أنفسنا بادئ الأمر. أفضل الكذب هو الذي تصدّقه أنت قبل أن ترمي حباله على غيرك، لكن هل المشكلة في النصّاب؟ أم المنصوب عليه؟ أم الزمن الذي يسهّل النصب والاحتيال؟ من الرقيب في زمن الجموع؟ وكيف تكشف النفاق من الحق في زمن احتراف الكذب؟

 

تقنيات البروباغندا والكذب موجودة للاطّلاع مجانا كيفما بحثت على الإنترنت. نشرها الباحثون كي لا تنطلي علينا حيل غسيل الدماغ بعد الآن، لكنّ أغلب من يدرسها هو الكاذب ليتعلّم منها، وليس المكذوب عليه. فكيف يريد فيسبوك مثلا أن يقيّم المستخدمون مصداقية الأخبار؟ قال لي أحد الشباب إنه يتابع صفحة "دكتور" ليستقي الأخبار الحقيقية. سألته كيف يعرف أنّه يقول الحقيقة؟ فأجاب لأنّ لديه الكثير من المتابعين! أجبته أنّ كلب الراعي هو أيضا تتبعه الكثير من الخراف ظنّا منها أنه سيأخذها لأفضل عشب سترعاه، مع أنّه لا يأكل العشب. بدا على وجهه الارتباك وقال لي إنّ هذا المثال ذكّره بكتاب الفلسفة عن سقراط وأفلاطون والذي لم يكن لديه الصبر لفهمه.

 

مدينة أفلاطون الفاضلة باتت أضحوكة في زمن النصب الحلال، لا يتحدّث عنها الدجالون إلا ليستهزئوا بعقول يصفونها بالحالمة والساذجة. بات الحلم سذاجة، والحكمة انبطاحا، والعقل جبنا، هم وحدهم يستحقون أن تسمعهم وأن تكرر كلامهم كالببغاء، لكن هل المشكلة في كلب الراعي؟ أم في الراعي؟ أم في الغنم؟ أم أنّه لا مشكلة أساسا سوى في عقل البطّة السوداء التي لا تعرف أن تنتمي وتغرّد خارج السرب؟ حلال عليهم جميعا زمن النصب الحلال، نصّاب ومنصوب عليه. إذا كان القاضي راض فمن أنتِ لتحكمي عكس ذلك؟