شعار قسم مدونات

"تأريخ يناير".. حتى لا تدمر ذاكرة الثورة

blogs الثورة المصرية

 (1)

في لقائه الأخير -عشيّة الذكرى السابعة لثورة يناير- ختم علي الدين هلال -أمين الإعلام بالحزب الوطني المنحل- لقاءه مع برنامج "هنا العاصمة" بإبداء تخوفه الشديد من ترك "ذاكرة ثورة يناير" للرواية الإخوانية، التي يرى أنها الرواية الوحيدة الموجودة حتى الآن وتفرض نفسها كـسردية وحيدة.

 

والحقيقة أننا يمكن أن نتفق مع الدكتور علي الدين هلال في تخوفه أن يكون لثورة يناير سردية وحيدة يفرضها أحد أطرافها، لكننا بالتأكيد سنختلف معه حول هذا "الطرف" وإمكانياته وسلطاته التي تمكنه من "فرض" هذه السردية على المجال العام، بدءا بهزيمة الثورة سياسيا وتفريغها من أهدافها وطموحاتها وانتهاء بكسر شوكة كل من كان ينتمي إليها، وهذا الرهاب المعنوي وتشويه السمعة المتعمد، فضلا عن التضليل والتدليس في أحداثها.

 

والحقيقة أيضا أن خوف عضو الهيئة السياسية بالحزب الحاكم آنذاك لا يعيبه في شيء، فالرجل يبحث عن رواية السلطة المتماسكة، والتي تحتمل قدرا من الجدية بحيث يمكنها الصمود زمنيا، ومن ثمّ فرض نفسها في الوقت المناسب. ما يعيبنا نحن هو الاستسلام للدوران فى رحى هزيمة قاسية تذوقناها مرّة ولا نزال في صدمتها حتى أننا فقدنا دفاعاتنا أمام حالة التشويه والتضليل الممنهجة بحق تاريخ عشناه وما زلنا معاصريه، أو بالأحرى صنعناه على أعيننا.

 

ثمة إحباط عام حقيقيّ يمنعنا المدافعة بـثورة لم تكتمل، من الصعب أن تحاجج بصدق أحلامك، وبـنُبل أهدافك في وجه من يراك -في أحسن الظن- مغررا به تم التلاعب بحماسته
ثمة إحباط عام حقيقيّ يمنعنا المدافعة بـثورة لم تكتمل، من الصعب أن تحاجج بصدق أحلامك، وبـنُبل أهدافك في وجه من يراك -في أحسن الظن- مغررا به تم التلاعب بحماسته
 

(2)

فى حلقة نقاش علمية يحضرها لفيف من أساتذة الإعلام على مستوى الجامعات المصرية والعربية، وفي حضور باحثين من مختلف بلدان العالم، وقف أحد الأساتذة بكلية الإعلام ليتحفظ على تسمية "الربيع العربي" والتي كانت الموضوع الرئيسي للحلقة النقاشية؛ فـحسب قوله -الذي أبداه بصوت مرتفع وعصبية مبالغ فيها- اتضح أن الثورات التي زارت بعض العواصم العربية ما هي إلا مؤامرة دولية قُصد بها التخريب والسطو على مقدرات البلاد والعباد. وعلى الرغم من ضحالة المنطق وأنه كان بالقاعة نفسها من يؤمن حتى الثمالة بالثورة وأهدافها إلا أن أحدا لم يبدِ اعتراضا على ما قيل باعتباره أقرب للرواية الرسمية الآن، ولهذا الخطاب حظوة عند أصحاب السلطة، والأهم أن أحدا لن يدافع عن هزيمته!

 

ثمة إحباط عام حقيقيّ يمنعنا المدافعة بـثورة لم تكتمل، من الصعب أن تحاجج بصدق أحلامك، وبـنُبل أهدافك فى وجه من يراك -في أحسن الظن- مغررا به تمّ التلاعب بحماسته، من المضني فعلا أن تشرح كيف كنت ترى الشوارع في مصر بعين أخرى وسط الجموع، وكيف تشكّل مفهوم الوطن فى ثمانية عشر يوما كانت ميلادا جديدا لأصحابها، ميلادا لا يريد أحد الرجوع عنه، وإن أراد لا يملك لذلك سبيلا.

 

لكنه -بالنظر إلى وجه آخر من الواقع المُحبط- وبـتجاوز الوضع السياسي والاجتماعي الذي أصبحت عليه الثورة بعد سبع سنوات من عمرها، فإن أحدا لا يجرؤ على تجاوزها أو القفز عليها كـحدث تاريخيّ ألقى بظلاله الاجتماعية والثقافية فضلا عن السياسية على المجتمع المصري، وفي هذا ضمانة جيدة لأن يزال الباب مفتوحا للحكاية عن الثورة وإعادة رواية أحداثها وإبقائها حاضرة فى المشهد العام، وإن كان من بابه الإنساني مبدئيا.

 

 لا أجد الحديث السنوي عن ذاكرة الثورة بكاء على الأطلال واستجداء للحزن يفقد معناه بتكراره، وإنما هو في أضعف أحواله إثبات سنوي لحدث كنّا جزءا منه ولا يزال جزءا من حياتنا
 لا أجد الحديث السنوي عن ذاكرة الثورة بكاء على الأطلال واستجداء للحزن يفقد معناه بتكراره، وإنما هو في أضعف أحواله إثبات سنوي لحدث كنّا جزءا منه ولا يزال جزءا من حياتنا
 

(3)

لطالما تعودنا في مصر على وجود روايتين لكل حدث؛ رواية رسمية تأخذ طريقها في قنوات ومسارات الدولة ومنافذها الإعلامية والتعليمية، وراوية أخرى "غير رسمية" تأخذ طريقها في الطرق الخلفية للدولة، ولهذا أسباب كثيرة تتعلق بالمناخ السياسي في المجتمع والقدرة على المراوغة واستثمار بعض الثغرات في المجال العام المغلق على منصات النظام الحاكم.

 

 لكن ما يهمنا هنا -في حال ثورة يناير- هو حقنا في تثبيت "سردية الشهود"؛ حقنا في الشهادة بما عايشناه بأنفسنا ورأيناه رأي العين كل يوم على مستوى شوارع وأزقة مصر، الرؤية التي هي باب من التوثيق وحفظ التاريخ، وكذلك الحِكاية الدائمة التي تُبقي الحدث حاضرا في الوجدان العام، لذلك لا أجد الحديث السنوي عن ذاكرة الثورة بكاء على الأطلال واستجداء للحزن يفقد معناه بتكراره، وإنما هو في أضعف أحواله إثبات سنوي لحدث كنّا جزءا منه ولا يزال جزءا من حياتنا.

 

صحيح أن تلك الحكايات المتناثرة لم ترق بعد لحالة التوثيق التي يجب أن تكون عليها، وينقصها الكثير من المراجعة والتدقيق والتجميع، لكن يكفي منها إبقاء صوت يناير حاضرا فينا ويجد صداه في المجال العام، ابتداء بالرواية الذاتية للأحداث، وليس انتهاء بأن تكون "الثورة" بمسماها الصحيح حاضرة كموضوع بحث في دراسات الاجتماع والإعلام والاقتصاد والسياسة بالتأكيد.  

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.