ماذا تبقى من ثورة يناير؟.. "الثورات كامنة" (2)

أكدنا في مقالة سابقة عن أن الثورة كامنة في النفوس تشكل وعي من قام بها ووعي هؤلاء الشباب الذين يتوقون إلى كل معاني الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، ومن المهم في هذا الشأن أن نؤكد أن هذه الثورة مع كمونها تشير إلى بعض القصور في عناصرها وتكويناتها ذلك أن التعاطي مع عالم الأحداث يوضح أن عملية الاستقطابات لازالت هي سيدة الموقف الذي يتحكم في شبكة العلاقات بين القوى السياسية المختلفة، أكثر من ذلك فإن هذه الاستقطابات تحولت في بعض أشكالها إلى انقسامات في داخل بعض هذه القوى، ولم تستطع هذه القوى بشكل أو بأخر أن تستوعب بعض تلك التصدعات بالشكل المطلوب الذي يؤدي إلى ابراز حقيقة التماسك والقدة على إدارة الاختلافات.
 
وتبدو مسألة إدارة الاختلافات من الوسائل الجوهرية التي لم يترب عليها كل من عمل في العمل التنظيمي أو السياسي وهو ما يؤدي إلى أن أقل خلاف وأدنى اختلاف يتحول إلى حريق كبير يصعب تطويقه فضلا عن إطفائه، وينتج من الخسائر ما يؤكد أن إدارة التعدد في المواقف والآراء لا تجد لها متنفسا داخل تلك التكوينات ويؤدي ذلك إلى كثير من النزعات بل إلى أشكال من التنازع يصعب التئامها أو إدارتها بالشكل الذي يحافظ على الوحدة والتماسك.
 
ومن أمراض الاستقطاب كذلك أن نرى كثير من التراشقات التي تحدث بلا سقف وبلا حد، فيؤدي ذلك إلى استخدامات تتعلق بلغة تتراوح ما بين التخوين والتكفير والعمالة ولغة التنافي والإقصاء، وهو ما يجعل عالم الأحداث التي نختلف عليه ننشغل فيه بالمعارك الكلامية عن العمل الحقيقي في مواجهة نظام الانقلاب والعمل على مقاومته وفضح سياساته، صرنا بذلك نهتم بالمعارك فيما بيننا التي صارت بالخصم من معركتنا الكبرى مع أهل الانقلاب رغم أخطائهم الكبرى التي يرتكبونها بشكل فج يمكن استثماره في معركة المقاومة والمعارضة لمنظومة الانقلاب وأذرعها الداعمة له.
 

من مظاهر الفرقة والانقسام ذلك الخطاب الذي يدور على الألسنة للتفرقة بين الداخل والخارج للنهوض بالعمل والنشاط في مواجهة الانقلاب والادعاء بأنه لا يستطيع من هو في الخارج أن يتحدث عما يقع في الداخل
ومن ثم برزت كل محاولات لإنشاء كيانات أو القيام بمبادرات في الداخل والخارج محلا لميادين حروب كلامية لا تنقطع تسودها لغة الهجاء والسباب والتخوين ويشكل كل ذلك بيئة تقضي على تلك المبادرات وتئدها في مهدها فلا تهتم بعمل بنائي أكثر من اهتمامها بمعارك تتعلق بعمليات تشويه منظمة، وهنا تنصرف الجهود إلى مساحات ومناطق التفافية لا تشكل في الحقيقة خدمة لأصل القضية في خلخلة الانقلاب واعتماد استراتيجية خطاب قادرة على كشفه وفضحه على كافة المستويات في الداخل وفي الخارج.
 
وصار البعض خاصة في المساحة الإعلامية لا يهتم إلا بردود هنا أو هناك لهؤلاء الذين يطرحون في برامجهم من برامج الإفك الاعلامي في حالة من ردود الفعل التي غالبا ما يتخذ من ساحة الردود المتبادلة ساحة تستنزف فيها الجهود، وبدلا من تأسيس إعلام يقوم بتقديم خطاب الوعي لشباب انزوى وطالته وتمكنت منه فيروسات إحباط يمكن أن تقضي على كل أمل من أشواق التغيير وفاعلية التأثير، وبدا بين عدد ليس بالقليل من الشباب حالة من عدم الثقة في تلك النخبة التي تصدرت العمل السياسي وحاولت بشكل أو بآخر أن تقدم بعض ما يعين في مواجهة هذا الانقلاب الغاشم والفاشي.
 
واعتمد البعض خطابا يقوم على السب والهجاء رغم أن ذلك قد يعجب كثير من الجمهور المتلقي إلا أنه في حقيقة الأمر لا يسهم في معركة الوعي ولا يقدم جديدا في عملية صناعة الأمل، إن الحديث عن مصر الجديدة و"دولة يناير" المنشودة لهي أمور يجب أن نهتم بها فيقول البعض إن تلك لا تشكل إلا بعض الأماني الفارغة، ولكن هذا الخطاب في حقيقة الأمر يؤصل لمعركة النفس الطويل في مواجهة الثورة المضادة والدولة العميقة وأطرافها المختلفة التي شكلت حلفا دنيئا في مواجهة تلك الثورات وأشواق شبابها بالتغيير والنهوض لأوطانهم.
 
 
 
كل ذلك أضاف إلى رصيد الفرقة الذي تمكن من النفوس والكيانات المختلفة مساحات تشرذم جديدة رغم أن المهام كثيرة التي يمكن الاطلاع بها وانشغلنا بمعارك الحواري الالتفافية، ونسينا أو عادت معاركنا الأساسية تتوارى إلى الخلف وهي أمور شديدة الخطر على مجموعة من السياسيين والناشطين أٌخرجوا من بلادهم إلى بلاد المنفى ليقوم بعمل من أجل الثورة، فصار كل هؤلاء فريسة فرقة أو إحباط وهو أمر أدى لإضعاف كل حركة منظمة وممنهجة لمقاومة الانقلاب أو معارضته وليس أدل على ذلك من تلك المعارك الجانبية التي أديرت حول الانتخابات القادمة والتي تصرف فيها المنقلب بفاشيته المعهودة ومع ذلك ظللنا نتراشق حول أمور كان من الممكن التوافق عليها أو على الأقل الاتفاق على توزيع أدوار يمكن أن يكون مؤثرا في عموم المشهد الذي يتعلق بمواجهة الانقلاب ونظام الثالث من يوليو.
 
 الثورة الكامنة لا يمكن الحفاظ على خميرتها وخمائرها إلا بعمل جامع فعال، والتخلص من نظام الثالث من يوليو لا يكون إلا إذا تدبرنا معاني ثورة يناير التي يجب أن نستمسك بها

ومن مظاهر الفرقة والانقسام ذلك الخطاب الذي يدور على الألسنة للتفرقة بين الداخل والخارج للنهوض بالعمل والنشاط في مواجهة الانقلاب والادعاء بأنه لا يستطيع من هو في الخارج أن يتحدث عما يقع في الداخل، إنها محاولات إقصائية وزرع مساحات فرقة جديدة لا يستثمر فيها أهل الخارج من المنفيين لمصلحة أهل الداخل والمعتقلين ولا يستثمر فيها أهل الداخل لمصلحة أهل الخارج الذين أخرجوا من أوطانهم، إن معارك المقاومة يجب أن لا تستثني أي فاعلية فإن اجتماع الجهود الذي يشكل البيئة الحقيقية لثورة قادمة تستثمر تلك المواقف والأحوال التي نشأت من جراء انقلاب فاشي أصبح يتهم أهل الخارج بالخيانة ويجرم أهل الداخل متهما لهم كل تهمة ليطلق يده بالاعتقال والاختطاف والتصفية الجسدية.
 
كذلك من القضايا الخطيرة في ذلك الشأن أن تقوم تكوينات معينة بجهود مهمة ولكنها ظلت متفرقة ومبعثرة لا يجمعها جامع ولا ينظمها رابط ولا تنسق بينها جهة ، فبدت تلك الأعمال على ما بذل فيها من جهد فقاعات في الحركة لم تؤت التأثير الواجب لا من الناحية السياسية ولا من الناحية الحركية أقول ذلك خاصة في ذلك الجهد الذي يتعلق بالملفات الحقوقية على أهميتها وعلى توفر قدر من المعلومات لإدارتها بقدر من الشفافية وإتاحتها لكل صاحب جهد في ذلك المجال لتكاتفت الجهود وتكافلت الفاعليات وقامت بعمل حقوقي رصين يمكن أن يكون مقدمة لعمل سياسي كبير في إطار عملية فضح النظام كسياسة معتمدة تقدم سجل جرائم ذلك النظام بل ربما تنجح في محاكمته ومحاصرته، لا أقول محاكمته على سبيل المجاز ولكن أقول ذلك على سبيل الحقيقة الواقعية التي يجب العمل لها في محافل محاكم دولية وإقليمية خاصة في بلاد الغرب.
 
وظللنا في هذه المساحات التي نعمل فيها كجزر منعزلة لا نقوم بعمل من الواجب الاطلاع به في فضح النظام على رؤوس الأشهاد أقول لكل هؤلاء خاصة في الخارج وقد استطاع المنقلب أن يحاصر الداخل بترسانة قوانين وبأجهزة أمنية وأجهزة قضائية شديدة الفساد فكونت منظومة تشيد جدران الخوف وتمهد لسجن شعب في مصر المحبوسة، أيها الناس الثورة الكامنة لا يمكن الحفاظ على خميرتها وخمائرها إلا بعمل جامع فعال، والتخلص من نظام الثالث من يوليو لا يكون بأي حال من الأحوال إلا إذا تدبرنا معاني ثورة يناير التي يجب أن نستمسك بها، "الثورة جامعة".. "الثورة جامعة".



حول هذه القصة

تناول برنامج “ما وراء الخبر” دعوة خبراء أمميين بحقوق الإنسان السلطات المصرية لوقف أحكام الإعدام المعلقة بالبلاد. فهل تمثل هذه المطالبات -والانتقادات عموما لانتهاكات حقوق الإنسان- أي إزعاج للنظام المصري؟

أكد وزير الخارجية المصري سامح شكري إثر لقائه نظيره السوداني إبراهيم غندور أمس الجمعة؛ مباشرة العمل على التحضير لقمة ثلاثية بشأن سد النهضة، التزاما باتفاق الخرطوم في مارس/آذار 2015.

27/1/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة