شعار قسم مدونات

الثورة المضادة.. عندما ينخدع الجماهير

مدونات - الثورة المصرية
تهدف الثورات المضادة أول ما تهدف إلى إخماد جذوة الثورات الوطنية في قلوب الجماهير؛ وتسعى لتحقيق ذلك بعدة أدوات على رأسها القتل والقمع وكبت الحريّات، ولكن لأن هذه الممارسات تؤدي إلى زيادة السخط وتغذي الغضب في نفوس أجيال متعاقبة دون أن تئد إرادة الشعوب كلية في استكمال ثورتها من ناحية، كما تجلب الحرج للأنظمة الحاكمة عالميا من ناحية أخرى، فإن منظري الثورات المضادة يولون اهتماما أكبر لسياسات فرض الأمر الواقع. ونعني بسياسات فرض الأمر الواقع دفع الشعوب للاعتقاد الجازم أن النظام السياسي الذي صاغته الثورة المضادة (مُحتَّم) يجب الاتصال معه والمرور من خلاله للحرية أو للإصلاح أو غير ذلك.

  

عندما تنخدع الجماهير بهذا الإيحاء يتراءى لهم أن المجالس النيابية والتشريعية التي صدر قرار تكوينها من رأس الثورة المضادة قادرة على القيام بوظائفها من رقابة ومحاسبة للسلطة، وسنّ قوانين تحقق مصالح الشعب، فيرشحون أنفسهم ويذهب الناس لاختيارهم، فتنشأ كيانات تحمل لافتات شعبية بينما ولاؤها الكامل للثورة المضادة.

  

وبالمثل، فإن ثقة الجماهير في قدرة الأجهزة الرقابية التي أوجدتها الثورة المضادة بغرض التستر على فساد السلطة، أو كذراع باطشة ضد من يحاول المروق من شبكة الفساد المنظمة للدولة، يصرف الجماهير عن ملاحقة الفاسدين وفضحهم، ويخلق حالة من الاتكالية والتعويل على مثل هذه الأجهزة والمؤسسات تفضي في النهاية إلى تغلغل رجالات الثورة المضادة في المساحات التي ينسحب منها الوطنيون.

   

في كل مرة يستجيب الثوار ومن خلفهم الجماهير لمسارات فرض الأمر الواقع التي تستحدثها الثورة المضادة تنتكس الثورة الوطنية، وتزداد جرعات اليأس في نفوس الشعب
في كل مرة يستجيب الثوار ومن خلفهم الجماهير لمسارات فرض الأمر الواقع التي تستحدثها الثورة المضادة تنتكس الثورة الوطنية، وتزداد جرعات اليأس في نفوس الشعب
 

الأخطر من هذا أن توهم الثورة المضادة الجماهير بإمكانية حسم قضايا أكثر حساسية عند تفويض إحدى مؤسساتها (مؤسسات الثورة المضادة) للدفاع عن هذه القضايا؛ فتسمح – مثلًا – بتمرير أحكام قضائية غير نهائية في درجات التقاضي الدنيا لتخدير الشعوب، وصرفهم عن المواجهة والمقاومة، أو تأذن ببعض المعارضة المحسوبة في قنوات الإعلام لينشغل المواطنون بصدى الصوت عن الصراخ في وجوه الحكام. وهكذا تدفع قيادات الثورة المضادة الجماهير في مسارات تبدو إجبارية، الهدف الرئيس من ورائها اكتساب المزيد من الوقت والشرعية، وبناء المزيد من المؤسسات المضادة للثورة الوطنية، وإصابة الثوار باليأس من استعادة زمام المبادرة.

   

عندما يقبل الثوار بالتعامل مع مسارات فرض الأمر الواقع التي تدفعهم إليها الثورة المضادة تظهر فرص للتفاوض حول كثير من الأمور مثل الحرية الشخصية لهؤلاء الثوار، أو التوظيف في منظومة الثورة المضادة مع بعض الامتيازات كالبقاء في دائرة الضوء، أو السماح بصناعة مجد شخصي وبطولات زائفة تمنحهم بعض الثقل السياسيّ المقنن وزنه، ليكون في المقدور دائما السيطرة عليه وصهره متى لزم الأمر. عندئذٍ يصبح رموز الثورة الوطنية مجرد أدوات في أيدي قيادات الثورة المضادة تستخدم للإيهام بوجود حرية، أو لتبييض سمعة بعض المؤسسات، أو في الأغلب للتحكم المبكر في أيّ حراك شعبي محتمل.

  

عندما ننتبه لهذه النقطة ندرك جيدا أن كلّ من يضفي على قيادات الثورة المضادة ألقابا وطنية، مخاطبا قائدها بالسيد الرئيس، أو معترفا بشرعية مؤسساتها وما ينتج عنها من اتفاقيات وقوانين وتشريعات ليس سوى شريك في العدوان على الوطن، وأنّه لن يكون يوما في صف الثورة الوطنية، ولن يسعى لإشعال جذوتها لأنه يعرف أنها ستحرقه أول ما تحرق. وكلّ من يُشرعن الواقع محاولا إقناع الناس أنّه لا سبيل إلى التغيير والإصلاح إلا من تحت عباءة الثورة المضادة ليس سوى جزء منها، سواء أكان يعلم ذلك أم يجهله، وكل من يعترف بدولة الثورة المضادة وإجراءاتها، ويخضع لقوانينها وأحكامها ممن لا يجوز في حقه الخضوع إمّا غافل لا يجب اتباعه، أو متآمر يجب مقاومته وفضحه.

   

في كل مرة يستجيب الثوار ومن خلفهم الجماهير لمسارات فرض الأمر الواقع التي تستحدثها الثورة المضادة تنتكس الثورة الوطنية، وتزداد جرعات اليأس في نفوس الشعب، وتتوطد أقدام أركان الثورات المضادة في بنية المجتمع. وعلى العكس فإن تجاهل مسارات فرض الأمر الواقع، وعدم الاعتراف بشرعية مؤسسات الثورة المضادة، وتجاهل أحكامها، ووصم المتعاونين معها بتهم الخيانة وتوعدهم بالمحاكمات، وعدم الترخص في التواصل معها يحافظ على حيوية الحالة الثورية، ويبقي مساراتها واضحة جلية لا لبس فيها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.