خمسة أشهر في منصب "رئيس تحرير"

مدونات - رئيس تحرير 22
هي تجربة قصيرة في نظر القارئ الكريم الذي سينظر إلى هذه الأشهر الخمسة على أنها مدة هيّنة لكنها بالنسبة لراقن هذه الكلمات تجربة غنية تعلم منها بعض الأسس والمفاهيم. فاعتلاء منصب كمنصب رئيس التحرير في سن العام الأول بعد العشرين هو مسؤولية عظيمة، وأمانة ثقيلة على شاب كان قد بدأ مشواره الصحفي ببعض المقالات البسيطة؛ يحلل فيها مجموعة من القضايا التي شغلت باله وعقله في فترة معينة. إن حب هذه المهنة ليس وليد سنة أو سنتين سابقتين فهو حلم كبر معي وترعرع في ذهني.

كان أول حوار أنجزه بالنسبة لي هو جبل عظيم شامخ ربما مع وزن الشخصية التي اخترت محاورتها وهو الإعلامي الرياضي الجزائري المقيم بالعاصمة القطرية الدوحة "حفيظ دراجي"، كان الحوار شخصيا، رياضيا، وسياسيا في الوقت نفسه لكون الإعلامي حفيظ دراجي إعلاميا رياضيا بمواقف سياسية أو بالأحرى له صبغة سياسية نوعا ما.

وللأمانة كان الحوار مشتركا مع الزميلة دنيا زاد مسعود الكاتبة الصحفية وصاحبة كتاب "معاناة أقلية الروهينغا" وتعتبر أول جزائرية تتكلم عن هذه الفئة والتي أجريت معها حوارا -هي الأخرى- لا يقل أهمية عن حوار حفيظ دراجي، حيث انقسم إلى شقين: شق شخصي وهذا لتقديمها لجمهور القراء، والشق الثاني يتعلق بأقلية "الروهينغا" ومعاناتهم وكيف اتصلت بهم وبممثليهم وكيف خطرت لها فكرة الكتابة عنهم.

إن هذه الفترة بالنسبة للمتحدث كانت عبارة عن تمهيد أو بالأحرى تحضير لسنة جديدة إعلامية تعد بالكثير من الجديد على المستوى الشخصي والمستوى الإعلامي أيضا. الحواران كانا قبل أن يقع علي الاختيار من طرف إدارة الجريدة بتعيني رئيسا للتحرير، و في هذه اللحظة تعززت مهامي وصلاحياتي وثقلت الأعباء في الوقت نفسه لعدة اعتبارات أبرزها؛ أنك أنت المسؤول الأول عن تقديم محتوى إعلامي جديد إحترافي توعوي يتماشى مع الخط الافتتاحي للجريدة.

الصحافة ليست رقن الحروف ورسمها ونقل الأخبار؛ بل هي ضمير وأخلاق وحسن توجيه الرأي العام إلى طريق الرشاد وتبديد الضلال، في النهاية هي مهنة المتاعب
في هذه الفترة أي بعد تعييني في المنصب توسعت المهام وتعاملت مع كثير من الشخصيات والقامات الإعلامية والسياسية التي استفدت منها ما استفدت رغم قصر المدة، إنها فترة قصيرة لكنها مفعمة بالتعب والاتصالات والإجهاد والاجتهاد ومليئة بالجديد والعاجل في سعي منا لتقديم أفضل منتوج إعلامي بطاقم شاب كله وعي وجدية.

إن الفترة التي أقضيها في رئاسة التحرير هي فترة أعتبرها تجربة كما سبق لأنها ستكون العتبة الأولى في درج الإعلام العالي والطويل، خصوصا إن كانت الظروف التي تمر بها الجزائر ليست ولا بد إقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، من الواجب عليك أن تقدم محتوى إعلاميا يحذر من خطر المرحلة وفي الوقت نفسه يكون متماشيا مع مقتضيات "أصحاب الشأن" لأن أي خلل أو شعور فقط بالتهديد سيكون مصيرك اللجم والتكميم لا محالة، وهذا الأمر ليس حكرا على الجزائر فقط؛ بل هو أمر مشترك بين دول العالم الثالث عموما والدول العربية خصوصا؛ لأن حرية الإعلام هي طابو من الطابوهات التي يجب النظر فيها، لكن هيهات مادامت مرتبطة ارتباطا وثيقا ببقاء "آلهة السياسة والحكم".في بداية الأمر أثار تعييني على رأس جريدة تمتلك قوة متابعة كبيرة لغطا واسعا لدى الزملاء لسبب واحد ووحيد وهو" السن" خصوصا أن أكثرهم كبُر وشاخ وله سنوات طويلة في هذا المجال ولم يصل.

هذا المنصب يسرق من وقتك الكثير بين تصحيح وتنقيح وتصويب وعاجل وكتابة خبر، وحرص على تقديم محتوى إعلامي مميز وتوعوعي احترافي في ظل رداءة متفشية وانحلال ممنهج وتدليس وتدنيس. إن الصحافة ليست رقن الحروف ورسمها ونقل الأخبار ووصفها؛ بل هي ضمير وأخلاق وحسن توجيه الرأي العام إلى طريق الرشاد وتبديد الضلال، إن الجميع يخطئ وخير من يخطئ التائبون. هذه حروف بسيطة كتبها شاب صاعد في بداية طريق الصحافة والإعلام واجهته الكثير من المصاعب والمتاعب لكن في النهاية هي مهنة المتاعب.