البيتكوين.. الوجه الافتراضي لغسيل الأموال

blogs بتكوين

البيتكوين هي عملة مشفرة غير نظامية وتعتبر إحدى أنظمة الدفع السريع المستحدثة والتي يمكن استبدالها بالعملات الأخرى مثل الدولار أو اليورو، لكن مع عدة فوارق في الجوهر والمظهر. فإن أي عملة يتم الاتفاق على إصدارها للتداول بين الناس لابد قبل ذلك أن تخضع لمجموعة من الاختبارات لكي تقوم بواجباتها الوظيفية. وتعتبر هذه الوظائف وظائف عامة تتمتع بها كل العملات، لقد تم الاتفاق على مجموعة من الوظائف الفنية التي يجب أن تتمتع بها العملة الجديدة المعدة للإصدار. وهذا الاتفاق مصدره أدبيات الكتب الاقتصادية في الاقتصاد الإسلامي والرأسمالي والاشتراكي.

الوظيفة الأولى: النقود وسيط للمبادلات؛ حيث يسمح لها أن تكون وسيطا للتعاملات اليومية بين الناس، سواء كانت تلك المعاملات ذات أثمان كبيرة أم صغيرة ويُقبل بها في هذا الإطار، ولكن إذا أردنا أن نختبر النقود الإلكترونية لتحقيق هذه الوظيفة، فإنها بحاجة إلى عنصرين: الأول أن تكون التكنولوجيا متاحة للجميع والثاني عنصر الأمان لهذه التكنولوجيا، وإذا ما توفر هذان العنصران تعتبر النقود الافتراضية ذات كفاءة عالية.

الوظيفة الثانية: مقياس للقيم؛ مثل السنتمتر للمتر والملمتر للتر وهكذا. لكن مع اختلاف مقبول شرعا وعرفا للقيم، وظيفة النقود كمقياس للقيمة ظهرت نتيجة استخدام النقود كوسيط للمبادلات السلعية، بمعنى عندما أصبحت النقود أداة قياس لقيم السلع والخدمات والأجور وكافة عوائد عناصر الإنتاج لا العكس، وعند عدم تحقق الاستقرار الذاتي للنقد فإنه سيشكك في مقدرتها في قياس قيم وأثمان السلع والخدمات، لكن بالنظر إلى النقود الافتراضية في ضوء هذه الوظيفة فإن ارتفاع قيمتها وانخفاضه الشديدين أضحيا عقبة في تحقيق هذه الوظيفة، وبدلا من أن تكون نقودا أصبحت كالسلعة تباع وتشترى إما كسبا للأرباح أو خوفا من تعاظم الخسارة.

 

لا يتم الاستغناء عن وظائف النقود لأي نقد يُتخذ للتداول فإن خالف إحدى هذه الوظائف سقطت العملة في الاختبار ولا داعي لعرضها على الخصائص التي يجب أن تتمتع بها النقود لأنها فشلت في تحقيق وظائفها
لا يتم الاستغناء عن وظائف النقود لأي نقد يُتخذ للتداول فإن خالف إحدى هذه الوظائف سقطت العملة في الاختبار ولا داعي لعرضها على الخصائص التي يجب أن تتمتع بها النقود لأنها فشلت في تحقيق وظائفها
 

ولا تعتبر ملاذا آمنا لغير المستثمرين لانعدام تحقيق الاستقرار الذاتي نسبيا، وذلك راجع لكونها منعدمة القيمة، أي لا قيمة ذاتية لها لتحفظ شيئا منها، الاقتصاديون عندما يتكلمون عن الوظائف الاقتصادية في أدبياتهم فإنهم يتحدثون عنها في الحالات الطبيعية لا حالات الحرب والأزمات والكوارث، والناظر في حال البتكوين كأنها في حالة نزاع شامل، كأنها لهذا خلقت، فإنها تخلف وراءها اضطرابات يومية مما أفقدها هذه الوظيفة الفنية.

الوظيفة الثالثة: مستودع للقيم، أي تمتعها بالثّمنيّة فإنه لا بد أن تتصف بالثبات عبر الزمن ولا تتأثر بالعوامل الأخرى ولا تتلف ولا تختفي ولا تحتاج إلى تكلفة للتخزين حتى تبقى متميزة بهذه الخصيصة ومستودعا آمنا للقيم، ونحن هنا أمام تساؤل من الضامن لهذه المليارات المستثمرة في البيتكوين بأن لا تتلف وألا تختفي بين عشية وضحاها؟ على الأقل في هذا الجانب لابد من معرفة شخصية وهوية مصدرها وما الدوافع لهذه الإصدارات.

الوظيفة الرابعة: أداة للمدفوعات الآجلة، ونتيجة لتطور الاقتصاد وإنشاء نظام اقتصادي قائم على الدين والإقراض لفترات زمنية متعددة منها القصير والطويل الأجل فلا بد أن تتمتع النقود بالديمومة ولا تتبدل ولا تتغير للإيفاء بتلك الالتزامات، فمثلا من قام بشراء بيت بواسطة البيتكوين بالدين، وكان ثمن البيتكوين يوم الشراء بعشرين ألف دولار ويوم استحقاق الدين أصبحت خمسة آلاف دولار لنجد أنها فقدت ثلاثة أرباع قيمتها، مما تترك آثارا نفسية عميقة، وهذه الوظيفة تعتبر مكمن وخاصرة النقود، لذلك فإن أي تغيّر في قيمتها يجب أن يكون ضمن المحدود الذي يمكن السيطرة عليه.

لا يتم الاستغناء عن وظائف النقود لأي نقد يُتخذ للتداول، فإن خالف إحدى هذه الوظائف سقطت العملة في الاختبار ولا داعي لعرضها على الخصائص التي يجب أن تتمتع بها النقود، لأنها فشلت في تحقيق وظائفها. أما كونها نجحت في الوظائف الموكلة لها فعندئذ نتحقق من الخصائص النقدية تلقائيا.

 

النقود الورقية وإن كانت تتحدد قيمتها وفق العرض والطلب (التعويم) لكن يبقى لها سند وامتداد اقتصادي عميق كالناتج المحلي والمدخرات الوطنية وميزان المدفوعات وسيادة دولة

الخصيصة الأولى: مصدرها القانوني أو السيادي؛ كانت النقود في عهد قريب تتكوّن قيمتها من ذاتها أو عبر ما تمثله من غطاء نقدي كالذهب والفضة. لكن الأمر اختلف في أيامنا هذه فأصبحت مصدر قوتها بموجب القانون وحق السيادة، إلى أن ظهرت النقود الرقمية والإفتراضية التي لا يُعرف أصل مُصدِرها ولا مكان إصدارها ولا تتمتع بقوة ذاتية ولا قانونية هذا من وجه، أما الوجه الآخر فإن العرف السائد أن إصدار النقد حكرا على الدولة وسلطاتها النقدية أو يخضع ضمن رقابة الدولة، أما ترك أمر إصدار النقد متاحا وبكميات كبيرة فإنه يمس بخصوصية الناس تلقائيا سواء على ثرواتهم أو مدخراتهم وأقواتهم.

الخصيصة الثانية: قبول العامة (الناس) بها؛ هذه الخصيصة نابعة من كون النقود حققت وظائفها على أكمل وجه فتلقى قبولا وإقبالا.

الخصيصة الثالثة: سهولة الحمل والأمان في حملها؛ وهنا مكمن خطر كل نقد. فالنقد الورقي أو المعدني تم تخطي خطر حملها من السرقات عبر تطور الجهاز المصرفي سواء بالفيزا أم بالرصيد الالكتروني، لكن في نهاية المطاف يعلم صاحب النقد أين نقوده، فإذا حدث مكروه فإنه يذهب إلى المصرف الذي أودع نقوده فيه ويحصل منه على أمواله. لكن العملات الافتراضية لم يتم التعرّف عليها إلى الآن ولا على شخصية مصدرها ولا إلى من نودع أموالنا، فإذا تعرض للسرقة عبر الكشف عن معلومات حاملها فإنه لا يُعرف السارق وهو ما يشكل خطرا على من يحوزها، وأبعد من هذا أنها لا تتمتع بالأمان لقبول افتراض اختفائها بين عشية وضحاها.

الخصيصة الرابعة: القابلية للتجزئة إلى وحدات متماثلة في القيمة؛ كالدينار ونصف الدينار وربعه وعشره وهكذا، ويمكن أن تحقق النقود الرمزية هذه التجزئة لكن قيمتها ليست متماثلة عبر الزمن، فقيمت الربع اليوم كقيمة الدينار غدا أو العكس.

الخصيصة الخامسة: القابلية للدوام مع ثبات القيمة؛ فأخطر ما تتعرّض له النقود عند التداول بالأيدي هو التلف مما يتنافى مع القيمة والمحافظة عليها. لكن النقود الرمزية تحقق هذه الخصيصة لو تمتعت بجانب من الأمان من وجه، ومن وجه آخر فإن تداول النقد يعتبر زيادة في الطلب عليه مما يؤثر على قيمتها مع كل عملية تبادل، فوجب السيطرة على قيمتها خلال القيام بوظائفها الاقتصادية.

علينا أن نتساءل هل حققت النقود الافتراضية الوظائف وخصائص النقود؟ فإذا حققت جزءا من تلك الوظائف لا يعني أنها مرفوضة رفضا قاطعا وباتا فيه، وإنما يُعمل على تحسينها من جانب المصدر، لأن النقود الورقية وإن كانت تتحدد قيمتها وفق العرض والطلب (التعويم) لكن يبقى لها سند وامتداد اقتصادي عميق كالناتج المحلي والمدخرات الوطنية وميزان المدفوعات وسيادة الدولة، لكن في النقود الرمزية لا تتوفر أي خلفية اقتصادية لتعبّر عن امتدادها ولتستمد منها القيمة والقوة الشرائية حتى تحافظ على وجودها من أن تتلاشى.

تعتبر البتكوين وجها من وجوه غسيل الأموال المحرم عالميا للتفاوت الكبير في قيمتها، فضلا عن عدم معرفة مَن البائع ومَن المشتري، كما تعتبر وسيلة سهلة لبعض التمويلات المشبوهة
تعتبر البتكوين وجها من وجوه غسيل الأموال المحرم عالميا للتفاوت الكبير في قيمتها، فضلا عن عدم معرفة مَن البائع ومَن المشتري، كما تعتبر وسيلة سهلة لبعض التمويلات المشبوهة
 

تعتبر السياسات النقدية التي تتبعها السلطات النقدية من خلال الأدوات النقدية بمثابة الملاذ للسلطات النقدية لتنفيذ سياساتها للمحافظة على استقرار قيمة النقود، وهذه السياسات عادة ما تستهدف كمية النقود المتداولة في الحياة الاقتصادية فتارة تزيد السلطات من كمية النقود المتداولة في الاقتصاد وتارة تخفّض من تلك الكمية، ومن أبرز تلك السياسات التحكم بتكلفة التمويل المقدم من البنوك بواسطة أسعار الفائدة على القروض أو أسعار الربح على المرابحات والإيجارات، وسياسة السوق المفتوحة عبر إصدار سندات خزينة وصكوك حكومية سيادية للتحكم بكمية النقد، أو سياسة نسبة الاحتياطي الإلزامي المفروضة على البنوك. ولا تتمتع النقود الافتراضية بأية سياسة من تلك السياسات حتى يتسنى لها أن تحافظ على قيمتها.

من الجانب الديني لا يتم التعامل مع هذه العملات الافتراضية من جوانب عدة؛ حتى يُعرف مُصدرها وحتى تمتع قيمتها بالثبات وتستقر قوتها الشرائية، وامتلاكها يدخل فيه شبهة القمار والميسر والغرر والتغرير والجهالة الفاحشة والغَبن، ونهى النبي عن بيوع كثيرة لوجود الغرر والتغرير والجهالة فيها، أي في السلعة فكيف أن نقبل بأن يكون الغرر والقمار أصلا من أصول الاقتصاد الإسلامي؟

ديننا الحنيف ينادي بتحقيق المصالح للعباد فأينما وجدت المصلحة المعتبرة أُدرِكت، وتحقيق المصلحة مرتبط هنا بسيادة الدولة أولا، ثانيا بتحقيق المصلحة العامة فردا فردا وأن يحصل عليه طرفا العقد معا، والمسلم متصف بالرشيد وأنه يحسن التصرف بماله وضده السفيه الذي لا يحسن التصرف بماله، فحجر الإسلام عليه ومنع عنه التصرف بماله وانتقال ماله إلى أقرب ولي أو وصي.

وتعتبر وجها من وجوه غسيل الأموال المحرم عالميا للتفاوت الكبير في قيمتها، فضلا عن عدم معرفة مَن البائع ومَن المشتري، كما تعتبر مصدرا وتهديدا صارخا يتخذها المجرمون كوسيلة سهلة لبعض التمويلات المشبوهة كالمخدرات والسلاح والاتجار بالأعضاء وغيرها، وهذا ما دلل عليه كثير من الاقتصاديين في عالمنا العربي والإسلامي والغربي.