شعار قسم مدونات

ابــكِ يا حـزين

blogs بكاء

لكَ ألا تتعجّب لمَّا يوصف البكاء بوصمةِ ضعفٍ، وشيمة خوفٍ لمن كان صاحب قلبٍ سليمٍ لم ينصهر في مفاسد الدنيا ودركاتها وسعى سعيًا بألاَّ يُدنَّس محرابُ قلبهِ من أدنى دُنوّ ولا دَنسٍ، وكـأنَّ كظم المشاعر وكبتها في طيّاتِ النفسِ صار هو المُفترض حدوثه، وما كان مُغايرًا لذلك فإنه من الطبيعي بأن يُقابل بروحٍ من الاستهجان وربَّما الاستهزاء، ومن ثم يُختتم بعينٍ من النُفور لا سيما وإنْ كان من يبكي رجلًا، فيا حَدثاهُ! فترى القوم من حولهِ ينْهرونه، ويُعنّفونه، ويُمطرون عليه وابلا من توبيخٍ لو مُزجَ بماء البحر لأفسَدَهُ، وكأن البُكاءَ صار حِكْرًا على كل ذي ضعفٍ مجبول على ضعفهِ. هل سبق وأن رأيتم وقاحة أشعث قباحة من هذه؟

لن تتماثل للشفاء إنْ لم تظنَّ بنفسك المَرض. ففي الواقع لو شققنا عن صدور من حولنا لوجدنا ما يستحق الشفقة من أجلهم، ولوجدنا في مستودع أحزانهم ما الله بـه عليـم. ولكـن الجميع بارع في توْريـة الضعف الذي يستوطنـهم، ولكنَّ الجميع بارعٌ في توريـة حسيس أحزانـهم وإنْ كانَ ليزول مـنهُ الجبال. فتـعلَّمتُ دومًا بأنَّ الكبت يولّد الانفجار، وأنَّ سُلطانكَ على نفسكَ لا تترامى أطرافه لِما بعدَ الانفجار، وما دُمت فقدت السيطرة على نفسك فلكَ أن تتخيل أسوأ السيناريوهات الممكـنة. 

الأصلُ في الدنيا أنها تموجُ بك كموجِ البَحر، فلا الفرح سوف يفوحُ سرمَدًا، ولا الترح سوف يُنغّصك أبدًا. لذا كانت المُعادلة الصعبة بأن تستكين لضعفك دون خضوع، وأن تُزكّي نفسك دون جُزوع

لأنْ تذرف دمعة عذبة من ينابيعِ روحكِ، خيرٌ لكَ من أن تكتم في نفسك ما هي تُبديـه، فإن النفس لا تطيق الكَبْتَ، ولا تأنَس الكبد. فإن كُنت في أوْجِ ضعفك وظننت بنفسك القوة حدَّ السَماءِ فارتقب قليلًا؛ لأنك سوف تخرُّ من عليائك رمادًا مُتناثرًا؛ لأن كل نفسٍ مُكابرة في خفاء ضعفها لا بُد وأن تهوى لقاء المُفاخرة.

لذا كان للنفسِ كهفٌ تركنُ إليه حين تغلَّق في وجهها أبوابُ العالمَين، هو كهفُ ضعفك حين تستكشفُ فيه خفاياك وخباياك كما لو كان اللقاء الأول بينَك وبينها! حين تركن إلى كهفك فإنك مُستبصرٌ بالقلب ما العينُ تغفل عن رؤياه، وإنك لسامعٌ بالصوتِ ما حسبتَهُ بالأمس همسًا، وإنك لمحيطٌ بما حولك ولو كان دبيب نملٍ في ظُلمةٍ حالِكة. 

وليست هذه دعوة للتشاؤم، فحتَّى الصالحون من عبادِ الله حين تُصيبـهم مصيبةٌ يفيضون حُزنًا وبُكاءً إلى بارئهم. فكيف ننسى "يعقوب" -عليـه السلام- لمَّا ابيـضَّت عيناهُ من الحُزن أسفًا على يُوسُف حتى ذهبَ بَصرهُ. فبالرغم من إيمانه بقضاء الله وقَدرهِ إلاَّ أننا في الأخير بشر ذوو مشاعر فيّاضـة لم تُخلق لتُكظَم في دركات النفس، فإنَّ كظمها كالحُطام الذي تتأجج من خلاله نار الله الموقدة. 
  
الأصلُ في الدنيا أنها تموجُ بك كموجِ البَحر، فلا الفرح سوف يفوحُ سرمَدًا، ولا الترح سوف يُنغّصك أبدًا. لذا كانت المُعادلة الصعبة بأن تستكين لضعفك دون خضوع، وأن تُزكّي نفسك دون جُزوع. فإن خضعت صَدَعْتَ، وإن صَدَعْتَ صرت كالصبَّار لا يُغني ولا يُسمِنُ من جوعٍ، وإن جزعت وقعَتَ من عليائك إلى أديم الأرض بلا قيامة.
 

 لا تكبت مشاعرك إن رأيـت أنَّ أمرًا ما يستحق البُكاء من أجلـه، الأمر حيـنها سيكون بمثابة صخرة قد انزاحت عن صدرك من أول عَبْرة تنسال على وجنتيك
 لا تكبت مشاعرك إن رأيـت أنَّ أمرًا ما يستحق البُكاء من أجلـه، الأمر حيـنها سيكون بمثابة صخرة قد انزاحت عن صدرك من أول عَبْرة تنسال على وجنتيك
 

فنحنُ نـحتاج إلى من يُلملِم شتات خاطرنا المنثور ويَجبر ضـعفنا المستور، فلا نـدَّعي القوة والضعفُ فينا مقهور. نحتاجُ إلى سـندٍ وسكـنٍ غير مسكون نركنُ إليـه حين يبلغُ الحُزن منَّا مَبلَغهُ لعلَّ في هذا التهوين نجد أنفسـنا بعد غلبةِ قهرٍ، وجَلبةُ دهرٍ. نحتاجُ إلى من إذا رأى فينا سواد الليل أقسمَ أن يُزدان فينا بالنجوم. نحتاجُ من إذا وجدَ القلبَ فيـنا اشتعل شيبًا فإذا بـه يفيضُ علينا ماءً غدقًا من روح الشَبابِ تنزاحُ منه الهُموم. نـحتاج إلى من يـتفهَّم بلغة الروح دون الحاجة لحسيسِ كلمـةٍ. نحتاج إذا من رأى فينا ذبولًا أزهر فينا بالصفح والودّ الجميل كأنـه الوردْ.
 
لذا في المرة القادمة لا تكبت مشاعرك إن رأيـت أنَّ أمرًا ما يستحق البُكاء من أجلـه، الأمر حيـنها سيكون بمثابة صخرة قد انزاحت عن صدرك من أول عَبْرة تنسال على وجنتيك. سُبحان من جعل في البُكاء تخفيفًا وتفريجًا، سُبحان من جعل في البُكاء الدواء لأسقامِ عِدة. لذا لا تظن بنفسك كظم المشاعر فإنها كالـسيل حين لا يردعهُ سد.. ولا تحسبنَّ البُكاء ضعفا وإنما شيمة قوّةٍ لمن كان هائمًا. ففي الأخير لا يسعني إلا قول "ابكِ يا حزيـن".