هكذا علمتني الكراسة الصفراء

كانت أمي تمتلك كراسة صفراء أو دفترا أصفر "شبيه إلى حد ما بدفتر اللمبي الذي كان يدون فيه من قام بتنقيطه في الفرح" ولكنها لم تكن تدون فقط "النقطة" بل كانت تدون بداخله كل ما عليها من واجبات تجاه إخوتها أو أقاربنا أو أصدقائنا وجيراننا. كنت أرى أن ذلك الفعل الذي تقوم به أمي مبالغ فيه؛ فهي مع كل مناسبه تأتي بهذا الدفتر وتسجل أن فلانا قام بزيارتنا مصطحبا معه 5 كيلو من السكر، وفلانة قدمت لزياراتنا مصطحبة معها أنواعا من الفاكهة وهكذا، وكانت تقوم برد جميع ما تم تدوينه في مناسبات مشابهة لمن قام بزيارتنا، سواء بنفس الهدية التي قدمها لنا أو تزيد عليها إما في القيمة أو الكمية.

مرت الأيام وجاءت مناسبة خاصة بي وهي حفل زفافي، وقمت كأي رجل مقدم على الزواج بدعوة جميع الأقارب والأصدقاء والجيران لحضور حفل زفافي، وبالفعل لبى الجميع دعوتي إما بحضور الحفل مصطحبين الهدايا معهم أو بالتهنئة عبر الهاتف أو زيارتي في منزلي. تكرر نفس الأمر عندما رُزقت بمولودي الأول حيث قام بتهنئتي الجميع سواء بالزيارة أو عبر الهاتف. وعندما رزقت بمولودي الثاني فوجئت أن من قام بزيارتي لم يتعد عددهم أصابع اليد الواحدة وهم أشخاص من أقاربي.

الناس بطبيعتهم يهتمون بأنفسهم، لذلك عندما تظهر اهتمامك بهم وتبادلهم أفراحهم وأحزانهم لا شك ستجد قبولا مبهجا، وسيضعونك في قلوبهم
 
لم أنتبه في بادئ الأمر للموضوع، ولكن لفت نظري عدم زيارة شخص مقرب لي جدا وزوجته مقربة إلى زوجتي، فسألت زوجتي: هل زارتك الأخت فلانة زوجة صديقي فلان؟ فأجابت زوجتي قائلة: لا! فقلت لها: ولا قامت بتهنئتك بالاتصال تلفونيا؟ أجابت أيضا: لا. تعجبت جدا، فصديقي هذا كان لا يترك مناسبة إلا ويقوم بزيارتي مصطحبا معه زوجته وأولاده. حينها علمت أهمية الكراسة الصفراء التي كانت تحتفظ بها أمي.. 

تلك الكراسة التي كانت تدلها على طريق الاهتمام بالآخرين، تلك الكراسة التي كانت وسيلة لتبادل الاهتمام والود بينها وبين الآخرين لكسب قلوبهم والحفاظ على علاقتهم بها.. فالحقيقة أني لم أقم بزيارة أي شخص ممن قام بزيارتي، سواء في حفل زفافي أو عندما رزقت بمولودي الأول، ولم أبد أي اهتمام لمعرفة أخبارهم ومبادلتهم اهتماماتهم.. اليومية، فكان نتيجة ذلك أني سقطت من أولوياتهم واهتماماتهم، فإن الإنسان في هذه الحياة حين يهتم بالآخرين ويبادلهم أحزانهم وأفراحهم وينصت إلى مشاكلهم وحواراتهم، يستطيع كسب قلوبهم وتكوين صداقات وعلاقات قوية في وقت قصير.

يجب ألا يكون الاهتمام تملقا أو مداهنة لأجل هدف دنيوي زائل.. حينئذ ربما تحدث مفعولا مؤقتا سرعان ما يزول، لأن الاهتمام الصادق يكون من القلب والتملق والمداهنة يكونان عن طريق اللسان

فانظر إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا كلمه أحد التفت إليه جميعا.. أي بوجهه وجسمه.. جاءه أبو بكر بأبيه يقوده قبل إسلامه، فلما رآه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال له: "هلا تركت الشيخ في بيته حتى آتيه"، فقال: يمشي هو إليك أحق من أن تمشي إليه. وكان صلى الله عليه وسلم ذلك دأبه الاهتمام بالناس جميعا؛ الصغير والكبير. حتى مع الأطفال كان يسلم عليهم ويمازحهم ويقدرهم ويلقي عليهم السلام. ها هو يسأل الطفل الصغير أبا عمير عن عصفوره النغير قائلا: يا أبا عمير ما فعل النغير.

إن الاهتمام بالآخرين عنوان النجاح الاجتماعي، وقد ذكر عالم النفس النمساوي الشهير "أدلر" في كتابه "ما ينبغي أن تعنيه الحياة لك" قائلا: إن الإنسان الذي لا يهتم لشقيقة الإنسان هو الذي سيعاني مصاعب الحياة، ومن بين هؤلاء ينبثق الفشل الإنساني". ولا شك أن الناس بطبيعتهم يهتمون بأنفسهم، لذلك عندما تظهر اهتمامك بهم وتبادلهم أفراحهم وأحزانهم لا شك ستجد قبولا مبهجا، وسيضعونك في قلوبهم، ويتمنون دائما رؤيتك، وتملك قلوبهم بل قد تستطيع قيادتهم بسهولة ويسر.

هذا الاهتمام بالناس ومشاكلهم هو الذي جعل الدكتور "تشارلز إليوت" من أنجح الرؤساء الذين قاموا بإدارة جامعة هارفارد؛ إذ ظل رئيسا لها أطول مدة. وقد يظن البعض أن الاهتمام بالآخرين يفقده كرامته أو يحط منها.. إطلاقا، بل تزيد من رفعته وهيبته شريطة أن يبتغي بها وجه الله.. ولا يكون الاهتمام تملقا أو مداهنة لأجل هدف دنيوي زائل.. حينئذ ربما تحدث مفعولا مؤقتا سرعان ما يزول؛ لأن الاهتمام الصادق يكون من القلب والتملق والمداهنة يكونان عن طريق اللسان، ينطلق أحدهم من مصلحة مادية والآخر من مصلحة إنسانية عليا، أحدهم مؤثر.. والآخر غير مؤثر. هكذا علمتني الكراسة الصفراء التي كانت تمتلكها أمي .



حول هذه القصة

تعهدت حكومة الوفاق الوطني الليبية بملاحقة مرتكبي الانتهاكات بحق المهاجرين الأفارقة وإحالتهم للمحاكمة. كما أعلن الاتحاد الأفريقي فتح تحقيق بشأن تعذيب سودانيين في ليبيا، وذلك عقب تداول فيديوهات لتعذيب مهاجرين.

أكدت قطر دعمها لجهود تركيا في الحفاظ على أمنها الوطني. وقالت المتحدثة باسم الخارجية القطرية إن إطلاق عملية “غصن الزيتون” في عفرين جاء مدفوعا بمخاوف مشروعة متعلقة بأمن تركيا الوطني.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة