نساء عكرن صفو الأنوثة

إن علاقة (الحياة) و(الحياء) أعمق من مُجرّد حروف والتي ربّما لم يكُن اتفاقُها جُزافا إلا الحرف الأخير، إنما هي علاقة انتماء ووجود، فحياء المرأة يكون في كل شيء، في المعاملة، السّلوك، الملبس، وفي الحركة والكلام… ونِعمَ الحياءُ ما ورد في جزء من قصّة سيدنا موسى عليه السّلام، في قوله تعالى في سورة القصص: "لَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ"، فحياؤهما منعهما من الاختلاط بالناس، ومزاحمتهم عند ماء مدين. ثمّ يزيد على ذلك فيقول عزّ وجل: "فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء"، هذا هو القرآن يُخلّد المشهد، يقتنصُ الصّورة ثمّ يُطلعُنا عليها لتبقى اللقطة محفورة في الكون كذكرى أبديّة، تُذكّرنا دائما أنّ الحياء سلوك الفِطرة في الأُنثى!

ولا اختلاف بين اثنين أنّ النّساء خُلقن ليكنّ عنوان الأنوثة والرقّة والعاطفة الشديدة، وعندما أقول ذلك لا أعني أنّها صِفات تنمّ عن ضعف الشخصية بل هي صفات فُطرت عليها المرأة مهما كانت شخصيتُها. لكن هُناك صنفٌ من النّساء قضيْنَ على هذه الصّفات الجميلة ليحل مكانها العري الجسدي والأخلاقي، فصار العنف وعلو الصّوت وإطلاق الكلمات البذيئة والجارحة من ميزات النّساء في عصرنا، فلا يفرّقن في ذلك بين قريب أو غريب. تتحكم فيهنّ انفعالاتهن، فلا يمكن لأيّ طرف التّعامل معهن، ولك أن تتخيّل معي أيّ جيل سينجبْن!
 

غاب الحياء وصار اللسان السّليط الذي يُطلق الكلمات الجارحة والبذيئة وسيلة تتخذها المرأة للدفاع عن كرامتها وعن نفسها

وأكثر ما يثير القرف والاشمئزاز أنّه كلّما زاد عري الجسد والرّوح زادت معه فُرص العمل، فأغلب الشّركات والمؤسّسات حكوميّة كانت أم خاصّة، تقدّم هذا الصّنف من النّساء على غيرهنّ، بل وتفرشُ لهنّ الطّرقات وردا وريحانا، فلا بقيت شفافية ولا مصداقية، ولم تعد الكفاءات معيارا، فأضحى الإعلام اليوم مثلا يروّج لأجساد يعرضها بدل الأفكار، أجساد تتمايل أينما تمايلت بها الرياح، إعلام لا يقيم وزنا لقيم المجتمعات، انسلخ من مبادئه أمّا الأخلاق فهي تحت الأقدام! إنّ الدّاعمين لهذا الصّنف يريدون لثيابِنا أن تبلى، أن تسقُط عن أكتافِنا، لنُصارع هوْل التعرّي، تعرية الرّوح وتعرية المرأة! هي القيم الجديدة يا سادة، قيم غريبة مثل غُربة حامليها عن الله، وأي غُربة أعظم من ذلك؟

علينا أن نعي جيّدا أنّ القلب العفيف النّقي لن ينظر إلى المرأة مهما بلغت من جمال إن كانت بلا أخلاق، إنّه ببساطة غض السّعي وغض القلب عن امرأة طويلة اللسان، عن امرأة بلا عفّة. وفي ظلّ هذا العري الأخلاقي الذي اجتاحنا، ولن أتكلّم عن العري الجسدي لأنّ هذا الأخير يُعتبر أمرا نسبيا لدى المجتمعات يتحكّم فيه مؤشران اثنان هما: "التقدّم ونقيضه" و "التحفّظ ونقيضه" كما يدّعي البعض أمّا المفروض (الذي أعلمه أنا وأنت) فهو شيء آخر… قد صادفتني مجموعة من المواقف، أذكُر لكم بعضها:

الموقف الأول: حدث في أحد الأيام عندما كنتُ في حافلة نقل الطّلبة ورغم أنّها مخصّصة لطلاّب الجامعة فقط، فقد جرت العادة أن يستقلّها غيرهم من عمّال وعاملات خارج القطاع… وما كدنا ننطلق حتى فوجئتُ بسيّدة غريبة عن الجامعة، تبدو في العقد الرابع من عمرها، ترتدي حجابا وتتقدّم نحو السائق ثم تصرخ في وجهه وتوبّخه بطريقة هيستيرية! والسّبب أنّه لم يقلّها من مكانِ عملها مساء اليوم الفارط! 

 
ورغم أنّه ليس من حقّها مُطلقا الاحتجاج فإن السائقَ تغاضى عن ذلك، وكان يُحاول تسوية الخلافِ بهدوء وراح يبرر لها ويُقدّم لها أعذاره والتي لم تقنعها، وظلّت تصرخ به وتشتمُه بكلّ وقاحةٍ حتّى ما عُدت أفرّق بينها وبين أبناء الشّوارع، ووصل بها الحدّ في النّهاية إلى أن أرادت التهجّم عليه لضربه لأنّه توعّد بأن يمنعها من الركوب معه ابتداء من يومها، لولا أن وقفت الفتيات بوجهها يهدّئن من روعها ويمسكنها عنه… كان جميع من في الحافلة يسعى لتهدئتها مصدوما من وقاحتها، يتبادلون نظرات الدهشة بصمت مُريب.

الموقف الثاني: روت لي صديقة أنّ زوجة أخيها التي لم تتجاوز الثّلاثين، قد صَفعت هذا الأخير أمام الملأ فأسقطته أرضا من شدّة الصّفعة بعدما اشتدّ الشجار بينهما في ذلكَ اليوم! وأنّ والد الزّوج لمّا حاول التدخّل لفضّ الشجار وتهدئة الجو بحكمة، التفتت إليه وشتمته بأقذر الألفاظ، حتّى لا يتدخل بينهما، فحمل نفسه وغادر المكان من هول الصدمة…

الموقِف الثّالث: منذ أيّام قليلة كنتُ أنتظر صديقة في محطة القطار قرب مكتب بائع التذاكر، وبينما أنا كذلك تقدّمت أمّ رفقة طفلين، طفل لم يتجاوز التاسعة من عمره، وطفلة في حوالي الخامسة، كانت السيّدة تبدو في العقد الثّالث من عمرها، حادّة الملامح، مُحترمة المَظهر، ترتدي ملابِس عصريّة، النّاظر إليها سيصنّفها ضمن الطّبقة الرّاقية.

شتّان بين امرأة كان الحياءُ رداءها وأخرى ارتدت الحِداد من كثرة خضوعِها، شتّان بين روح في أرقّ طبيعتِها وأخرى لوّثها الغبار وسلبَها الانفتاح بريقها
 

أخذت الطّفلة النقود بمرح من والدتها وأعطتها للبائع، وهو بدوره سلّمها التذكرة ومعها الفكّة، نظرت الطّفلة إلى أمّها وابتسمت ابتسامة بريئة فيها نوع من الرجاء والاستعطاف، وطلبت أن تأخذها، لكن الأم أخذت التذكرة والنّقود بقوّة من الطّفلة وشتمتها بعبارة بذيئة جحظت لها عيناي، كيف لها أن تلوّث تلك البراءة؟! رغم أنّ الطّفلة لم تفهم من كلّ ذلك سوى أنّها رفضت، لكن كان في وسع الأم أن تتعامل معها بطريقة أفضل من ذلك بكثير، فالموقف لم يكن يستدعي حتّى الغضب، ناهيك عن كون الطّفلة قد تستخدم العبارة التي تلفّظت بها الأم دون أن تدرك معناها، وحينها ستعاقب على ذلك.

إنّ هذه ما هي إلاّ مواقف بسيطة مُقارنة بالمواقف التي نراها بشكل يومي حيثُ غاب الحياء وصار اللّسان السّليط الذي يُطلِقُ الكلمات الجارحة والبذيئة، وسيلة تتّخذها المرأة للدّفاع عن كرامتها وعن نفسها، أمّا العري الجسدي فحدّث عنه ولا حرج، فهو عنوان الموضة والأناقة يا سادة! وما هذا إلاّ نتيجة الفهم المغلوط لمعنى "قوّة الشخصية"، "الاستقلالية"، "الجرأة"، "المساواة بين الرجل والمرأة" والانفتاح" وغيرها من المفاهيم… إنّ امرأة تحمل هذه الصفات لا يعني أنّها امرأة قويّة أبدا، بل إنّها دليل على اضطراب نفسي وتقمص لدور الرجل، مما جعلها لا تراعي أحدا وتكيل الكلمات الجارحة لغيرها دون اعتبار، ثمّ أوليس سر الجمال إخفاء بعضه؟! فكم هي المسافة يا ترى بين الحياء؟ وهكذا نساء لوّثن براءة الطهر فينا، وقد صدق الشّاعر حين قال: "عَجبي على سفه النّساء وجهلها أصداف بحر يبتغين رمالا.. هُنّ الجواهر في مكان آمن فلِمَ الخُروج لتُرضي أنذالا". 

ممّا لا شكّ أنّ أسلوب التّجريح ورفع الصّوت أسلوبٌ خاطئ في التّعامل وحلّ المشاكل مهما كان نوعها عند العامّة فما بالك أن تنتهِجهُ النّساء، فأن تكون المرأة جريئة ومُستقلّة لا يُلزمُها أن تكون سليطة اللسان، فيكفي في مقام إثبات أحقيّة الشيء أن تكون على طبيعتها المعهودة من الرقة والاتزان ممّا يزيدُها وقارا واحتراما، بل إنّ اتباع هذه الأساليب سيجعلها في مقام المخطئ حتّى لو كانت على صواب، وسيأخذ عنها كلّ من حولها نظرة سيّئة وتلتصقُ بها شهرة "سليطة اللسان".

فشتّان بين امرأة كان الحياءُ رداءها وأخرى ارتدت الحداد من كثرة خضوعها، شتّان بين روح في أرقّ طبيعتِها وأخرى لوّثها الغبار وسلبَها الانفتاح بريقها، شتّان بين قلب مُطمئنّ مثل الثّلج في بياضِه، وبين آخر استنزفته الشّهواتُ حتّى الضّياع، شتّان بين خطوة لم تتلعثم في كدر الطريق وبين أخرى صاخبة ليس لها إلى مسمع السماء سبيل!



حول هذه القصة

تبدو رحلة البحث عن الذات أمرا لا بد أن يمر فيه الإنسان، أيا كان، إلا أن المرأة تحديدا ولتزايد الأطروحات التي تحاول تحديد هويتها، يزداد العبء عليها.. المزيد بالتقرير التالي.

في خطوة جريئة للفت الانتباه، تروّج شركة الأثاث المنزلي العصري السويدية “أيكيا” لمعروضاتها الخاصة بالأمومة من خلال دعاية فريدة تقول إنها يمكن أن تغير حياة المرأة.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة