مفهوم الدولة في الإسلام

الكثير من الشباب يتساءل ما هو مفهوم الدولة في الإسلام وما هي ملامح الدولة في الفقه الإسلامي وما هي أسسها ومقوماتها. وللإجابة عن هذا السؤال لا بد من ذكر مقدمة بسيطة عن التشريع في الإسلام. بداية نجد أن الشريعة الإسلامية تناولت عددا من المواضيع بتفصيل دقيق لا يحتاج إلى اجتهاد ففي الطهارة مثلا نجد أن الشريعة تناولت أدق أمور الطهارة، مما يتعلق بطهارة الإنسان بثيابه وبدنه ومكانه وأنواع المياه وأنواع النجاسات، وكذلك في العبادات الصلاة والصيام والزكاة والحج.
 
نجد أن الشريعة تحدثت عن شروط الصلاة وأركانها وكيفيتها وأعدادها ومواقيتها، والزكاة وأنصبتها ومقاديرها وكيف تؤدى وكذلك الصيام والحج، ونجد هذا التفصيل في المعاملات ولكن بأقل مما هو موجود في العبادات، وكذلك في المواريث نجد الأنصبة بالأرقام حيث لا يمكن للإنسان أن يجتهد فيها، فمثلا قال تعالى: "للذكر مثل حظ الأنثيين". فلا يمكن الاجتهاد في مثل هذه المسائل مهما تغير الزمان والمكان.
 
ولكن إن بحثنا في الشريعة الإسلامية عن تفاصيل مفهوم الدولة في الإسلام ومؤسساتها وكيف تدار لن نجد تلك التفاصيل التي وجدناها في العبادات والمواريث والمعاملات، وإنما سنجد ملامح عامة وقيما ثابتة تتحدث عن نظام الحكم والدولة في الإسلام، فمثلا الشورى في الإسلام والتي هي من أهم القواعد في الحكم كيف تكون وما شكلها وما كيفيتها وكم عدد أهل الشورى، لن نجد هذه التفاصيل موجودة في الإسلام وإنما نجد كيفيات مختلفة لتحقيق معنى الشورى في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك اجتهادات الفقهاء في الشورى بالرغم من ورود الأمر في الشورى في آيتين من القرآن الكريم وتسمية سورة كاملة باسم الشورى في إشارة إلى وجوب الشورى.
 
وكذلك العدل في الإسلام كيف يتحقق؟ وكيف نطبقه؟ وما هي مؤسساته؟ لا نجد هذه التفصيلات الكثيرة في الإسلام، وإنما نجد مؤشرات كثيرة لا بد أن تتوفر لتحقيق قيمة العدل، فنجد الملامح في وجوب فصل مؤسسة القضاء عن باقي المؤسسات والمساواة بين الخصوم حتى لو كان الخصم خليفة للمؤمنين، واستقلال القاضي حتى أنه يمتنع عن كثير من العلاقات الاجتماعية كالدعوة إلى الحفلات وقبول الهدايا خشية التهمة والمحاباة وصرف الرواتب الضخمة له تحقيقا لكفايته حتى لا يمد يده إلى الحرام، لأن القضاء إذا فسد فسد المجتمع والدين كما يعبر العلماء في ذلك.
  
اتسم الفقه الإسلامي بأنه فقه الاجتهاد وقدم للبشرية فقها زاخرا من خلال حرية الرأي بل واعتبر الاجتهاد جزءا من التشريع ومصدرا من مصادره

   
وكذلك الأمر في تعيين الحاكم وهو أهم أمر في حياة الناس، وكان سببا في سفك دماء الكثير من الناس لن نجد طرقا محددة في تعيين الحاكم، بالرغم من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بإمكانه أن يحدد للناس طريقة معينة لتعيين الحاكم لكن سكت عن هذا الأمر ليبين للناس أن الأمر شورى بينهم، لذلك نجد طرق تعيين الخلفاء الراشدين الأربعة مختلفة، لكنها كلها تقوم على أمر واحد وهو الشورى ورضى الناس عن الحاكم.
  
وكذلك في مجال تشريع القوانين نجد أن الشريعة اقتصرت على ذكر جرائم محدودة وحددت عقوباتها لخطورتها على الفرد والمجتمع، تاركة جملة كبيرة جدا من الجرائم التي لم تحدد عقوباتها وإنما تركت تعزيرا لاجتهاد المسلمين.
 
وكذلك مفهوم الحرية في الإسلام وكيف يمكن أن نحافظ عليه ونضمن تحقيقه، لا نجد تفاصيل واضحة لصيانته وإنما نجد ملامح عامة لوجوب أن يكون الإنسان حرا من خلال حرية الرأي ولكل فرد الحرية في رأيه، ولذلك اتسم الفقه الإسلامي بأنه فقه الاجتهاد وقدم للبشرية فقها زاخرا من خلال حرية الرأي، بل واعتبر الاجتهاد جزءا من التشريع ومصدرا من مصادره عندما أقر سول الله صلى الله عله وسلم معاذا عندما أخبره بأنه إن لم يجد الحكم في كتاب الله وسنة رسوله يجتهد رأيه ولا يقصر، وحرية الرأي مصونة لجميع الناس بمن فيهم الرجل والمرأة، بل وحتى الطفل المميز والمسلم وغير المسلم.
 
وكذلك مفهوم الرقابة الشعبية كيف تكون هذه الرقابة؟ وما هي ضوابطها؟ وكيف تتحقق؟نجد ملامح عامة لوجوب تحقيقها كوجوب النصيحة لحكام المسلمين، وأنه من أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر وفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك في العلاقات الدولية في الإسلام وكيف تكون هذه العلاقة، هل هي السلم أم الحرب؟ نجد العديد من القواعد التي تعين على فهمها ومن أهمها قواعد المصالح والمفاسد والترجيح بينهما من غير خوض في التفاصيل.
 
إذن فالشريعة الإسلامية التي تحدثت عن العبادات والطهارة والمعاملات بتفاصيلها الدقيقة بدءا من كيفية الغسل والطهارة وانتهاء بالصلاة والتسليم ليست عاجزة عن الحديث عن الدولة ومؤسساتها وأركانها، بنفس التفاصيل التي تناولت فيها العبادات والمعاملات، وإنما نجدها سكتت عن تفاصيل الدولة ومؤسساتها مكتفية بالحديث عن القيم التي يجب أن تتحقق في الدولة، وما الملامح والمؤشرات التي يجب أن توجد.
 
وكأنها تقول لنا أيها المسلمون اجتهدوا في إنشاء مؤسساتكم وإقامة حكمكم تاركة لكم الأمر في ذلك أن تفكروا وتجتهدوا وتبتدعوا من الأفكار ما ترونه، وتستفيدون مما توصلت إليه البشرية من تجارب في الحكم والدولة بحرية تامة، لكن بشرط أن تحققوا قيم الشورى والحرية والعدالة والمساواة بوجود عدد من المؤشرات التي تضمن تحقيقها كالمعارضة الشعبية والرقابة وموازين المصالح والمفاسد واستقلال القضاء فيها، فحيثما وجدت هذه القيم تحقق حكم الله وحيثما انتفت هذه القيم انتفى حكم الله.


حول هذه القصة

تستضيف العاصمة البريطانية لندن اليوم الثلاثاء اجتماع اللجنة الرباعية بشأن الأزمة اليمنية لبحث “العملية السياسية”، وذلك بالتزامن مع تعيين مبعوث أممي جديد للصراع العسكري المستمر منذ 2014.

زار مدير هيئة المعونة الأميركية أمس الاثنين مدينة الرقة السورية، وهو أكبر مسؤول مدني في إدارة الرئيس دونالد ترمب يزور المدينة التي دمرتها الحرب بعد استعادتها من تنظيم الدولة الإسلامية.

عين ملك المغرب محمد السادس أمس الاثنين خمسة وزراء جدد بالحكومة التي يقودها الأمين العام لحزب العدالة والتنمية سعد الدين العثماني، وتعوض التعيينات الجديدة وزراء أقالهم الملك في أكتوبر الماضي.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة