معاناة الطالب رقم "307"!

الحياة الجامعية نموذج مصغر للمجتمع الذي نعيش فيه، وحياة الطلاب المختلفة تميزها وتجعلها بيئة خصبة للكثير من الفئات؛ ففي الجامعة هناك الاجتماعي، والانطوائي، المثقف، والمغيب، المهذب والمنفلت، هناك المتميز والمكرر، البسيط، والمتكلف، وبينهم جميعا، فإن الفئة الأقل عددا دائما ما تعاني غلبة العدد الأكبر الذي يتبع المألوف، ويسير خلف سابقيه في درب النمطية والتكرار، وكما هو الواقع، فإن حظ الأقل عددا، هم أولئك الطلاب الذين لا يكتفون بدراستهم، ويبحثون هنا ويقرؤون هناك، يمارسون هواياتهم فنا، ويعبرون عن أنفسهم كتابة، يؤمنون بذواتهم وأحقية عقولهم في غذائها من المعرفة والقراءة بعيدا عن مسار الدراسة الروتيني القاتل، فهنا قصة الطالب "٣٠٧" ومعاناته اليومية نموذجا.

الأسامة بكر والإعدادية
عندما التحق الطالب رقم "٣٠٧" بالمدرسة الإعدادية، تهيأت له الفرصة للاطلاع على الإنترنت، وبمتابعة معلّمه في الفصل -الأسامة بكر- له، وجده ينشر كتابات موقعة باسمين مختلفين يتبادلان بالترتيب كل مرة، الرافعي تارة، والمنفلوطي تارة أخرى، كان لهذين الاسمين وقع على نفسه وعقله عظيم؛ إذ أسرته الكتابات في سجن الإعجاب، رغم أنه لم يكن يدركها جيدا فإنه استشعر ذوقا وبلاغة في هذه العربية الفصحى، فما كان منه إلا أن يدخر من مصروفه اليومي ليكمل ثمانية وعشرين جنيها ثمن شحن باقة الإنترنت آنذاك، لا لشيء إلا ليطالع ما ينشره معلمه من كتابات، فيُكب عليها قراءة وتقليدا وحفظا.

 
كانت هذه المحطة الأولى التي يصلها صديقنا في بحر المطالعة والكتابة والأدب، وحينما اقترب أكثر من معلمه في الفصل، ما كان منه إلا أن فتح عقله على نافذة أكبر، تلك النافذة عرف من خلالها من هو الرافعي، ومن هو المنفلوطي، فحدثه المعلم النبيل عن الأدب شعره ونثره، حتى إن صديقنا في هذا اليوم -وبينما كان عائدا من المدرسة إلى البيت- أخذ يتخيل في ذهنه صورة هؤلاء الكتاب ومكانتهم، فبلغ حينها الأدب في قلبه مكانة عظيمة، جعلته يغمض عينيه وينظر إلى السماء عاليا ويعيش في حضرة الكتاب ويحلم أنه واحد منهم.
 

الثانوية بداية محزنة
أخذ صديقنا يُكمل طريقه تجاه الأدب ولكن في تخبط وشتات؛ إذ إنه فارق معلمه الأول بانتقاله إلى الثانوية، فكانت عادته أن يبحث عن الرافعي في غوغل، ويصطاد من أقواله ما تميل له نفسه ويستسيغه قلبه، فينقله وينشره على حسابه، أسوة بمعلمه الأول، ولأن ميله للرافعي أكثر منه للمنفلوطي، كان حبه للرافعي وقراءة كتاباته المختصرة، أقرب إليه وأيسر.
  
عباس العقاد (مواقع التواصل) 
 
كانت معرفته بالأدب ملخصة في هذين الكاتبين، لم يخرج عن كنف مقولاتهما القصيرة إلى أن صادفه نص نثري للإمام ابن حزم الأندلسي في كتاب اللُّغة العربية، فما كان منه إلا أن نهمه تدبرا وحفظا وكعادته تقليدا، كان معلمو اللغة في الصف الأول والثاني منها يؤدون حصصهم الدراسية على أنها وظيفة يتقاضون منها رواتبهم، لهذا لم يستشعر صديقنا يوما حديث أي منهم، وهو الذي تعود على متعة العربية مع فارسها الأسامة بكر، الذي ينطق بالبيان ألحانا، ويكتب بالبلاغة أنغاما، فكان الواحد منهم يتحدث عن النص كما لو أنه أجير بالكلمة، ففي حديثه عن الأدب فتور منفر، وفي شرحه وتفصيله ملل معقد.

لماذا تسود اللامعرفة، وينتشر الجهل الثقافي، والاستحمار الاستهلاكي، لماذا لا يولي طلاب الصيدلة أهمية للقراءة والمعرفة العقلية؟

السيد عاشور ملك اللغة

هكذا قضى صديقنا طوره الثاني في محاولة للحفاظ على شغفه بالأدب، كي لا يقع قتيلا لفتور هذا المعلم أو ملل ذاك، إلى أن كان في الصف الثالث، والتحق بدرس الأستاذ عاشور، ذلك المعلم الذي يتغنى بالفصحة وبيانها، وفي الوقت الذي درّس غيره الحصة بخمسة عشر جنيها، كان هو يُدرسها بخمس جنيهات يتيمات، وكان صديقنا يرى في عينيه كل حصة دراسية سعادة طفل بألعابه، وفرحة والد بأولاده، كانت عيونه تفصح عما لا يفصح به، وفيه رأى صديقنا المعلم الذي يحب الدرس أكثر من تلاميذه؛ إذ كان يتفنن في تبسيط قواعد النحو والصرف، ويبدع في شرح النصوص الأدبية، وينطق الحرف نطقا فريدا له طعم ومعنى، لا يكتفي بما أورده الكتاب، بل يستزيد ويتحدث عن الأدباء (عن طه حسين والرافعي ويوسف إدريس وشوقي وناجي إبراهيم والعقاد والمازني)، لم يتعرف إذن صديقنا على أسماء هؤلاء الكتاب إلا منه ومن قصصه عنهم، وطرائفه الممتعة الهادفة، وهو الذي أصل في صديقنا موهبة الكتابة، بتدريس النحو وتبسيطه، والحث على القرب من اللغة والغنيمة من مرادفاتها والغوص في بحر بلاغتها وبيانها.

ما بعد الثانوية

تمكن صديقنا من المطالعة الواسعة الحقيقية بعد انتهاء الثانوية؛ إذ قرأ وحي القلم، واطلع على النظرات، والعبرات، وتعرف إلى الشيخ طه حسين -عميد الأدب العربي- الذي رافقه ليال طوال، في كتابه "الأيام"، وسمع عن العقاد وعبقريته، فدخل إلى المعارك الأدبية التي دارت بين الرّافعي وطه حسين والعقاد، وقرأ عنها " تحت راية القرآن" و"في الشعر الجاهلي" و"على السَّفود" وعرف مي زيادة ووقع في غرامها، وعبقريتها ودلالها الأدبي، كما وقع فيه كل الأدباء والشعراء، وقرأ لنجيب محفوظ وتأثر به، وأخذ يكتب ويسجل يومياته، ويحفظها حدثا حدثا، ويستفيد من هذا كله في رفع مستواه، وإثراء عقله، بالمرادفات والأساليب.

  

في الكلية

شاء القدر أن ينتسب صديقنا إلى كلية الصيدلة، فكان لها أثر على حبه للقراءة والكتابة ومطالعة الأدب، إلا أنه كان يسير بقوة المحب المتفاني، فخلق لنفسه مساحة يقرأ فيها ويستزيد، فكانت المحطة الجديدة هي الثقافة بالنسبة له، توقف عند هذه النقطة كثيرا، فقرأ عنها وبحث فيها، وتعلم فلسفة الاختلاف، وسياسة الحوار، وتشرب عقله الحياة الثقافية حبا، فبات ينقد ويختلف ويتفق ويعارض، كل هذا ورفاقه في الكلية غارقون في بحر المادية والتجارب المعملية، والنتائج الظاهرة فقط.

 

الغالبية العظمى تعرف أهمية المعرفة وتدركها جيدا، ولكنها تنكر هذه المعرفة لا لشيء إلا لتنعم براحة الجهل وانعدام المسؤولية، بداية من الطالب ومرورا بالمعيدين والأساتذة

صيحة علم
انتسب صديقنا إلى الصيدلة حبا في الكيمياء التي جُن بحبها فترة، ولأنه أصبح يعي جيدا أهمية القراءة والكتابة والبحث والنقاش، أخذ يحث زملاءه في الكلية على هذا فعل، وعدم الاكتفاء بالدراسة وبناء العقل لأنه يرى أن الإنسان لا يجب أن يغفل عقله ووعيه لحساب دراسة أو عمل، إنما يرتب لهم جميعا ويتوسط، إذ يتأثر بما يقول الدكتور علي شريعتي في كتابه "النباهة والاستحمار".

"الدوران الذي يأكل فيه الإنسان فينام، فيستيقظ، فيكدح ليأكل، ثم يأكل ليكدح، فيأكل من أجل أن يعمل، يعمل لوقت فراغه، فراغ لعمل إنتاج، واستهلاك الإنتاج، أينما تنظر تراه دورانا كالحمار تماما يسير صباحا بجهد وتعب، ويسير فيرى نفسه أول الليل مكانه أول الصبح". لكن رغم تأثير الصيحة في البعض تأثيرا حقيقيا إلا أنها كأي دعوة صالحة في مجتمعنا، تهدف إلى نشر ثقافة القراءة وأهمية الوعي، هوجمت بدعوى أن صديقنا يسرف في فلسفته، أو أنه يمتثل دور د.إبراهيم الفقي، وأشياء أخرى.

مجتمع طلاب صيدلة
إن الغالبية العظمى من هذا المجتمع، تعرف أهمية المعرفة وتدركها جيدا، ولكنها تنكر هذه المعرفة لا لشيء إلا لتنعم براحة الجهل وانعدام المسؤولية، بداية من الطالب ومرورا بالمعيدين والأساتذة، إنه مجتمع مجرد من أي مبادئ، ويخلو تماما من مساحات التفكير والثقافة، مجتمع أصم، لا اعتراف فيه إلا بالماديات، السعادة فيه لابد وأن تُلمس بالمال كما يُلمس وجود ثاني أكسيد الكربون بفورانه وتصاعده، الحب فيه لا يُؤكد إلا بتفاعل محسوب وظاهر للعين، في هذا المجتمع لا مجال للعقل إلا في المختبر، لا مجال للقراءة أو الكتابة، لا مجال لمتنفس يعيد للحياة جمالها وطبيعتها.

  

لماذا والمعاناة
مؤكد أن مصير الذي يختلف عن هذا التكرار المتبع في هذا المجتمع سيُرفض ويُهمش، وتذهب أفعاله أدراج الرياح، ولكن لماذا؟ لماذا تسود اللا معرفة، وينتشر الجهل الثقافي، والاستحمار الاستهلاكي؟ لماذا لا يُولي طلاب الصيدلة أهمية للقراءة والمعرفة العقلية؟ أليست القراءة معادلة خارج اتزانها معرفة وإدراك؟ أليس الوعي عاملا محفزا يُتمم أي عملية عقلية؟ ولكن بصفتي الطالب رقم "٣٠٧" صاحب المعاناة، فلن أتوقف عن نشر الوعي وتأكيد أهمية القراءة والتفكير والنقاش، فالمعاناة في سبيل الوصول إلى الوعي ونشره وصول.


حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة