عندما تسافرُ أرواحنا

شعور غريب يلقي بطيفه في أرجائي، أشعر كما لو أنني على ضفة وروحي على ضفة أخرى، أقفُ بصمت مكتوفة اليدين فأنظر إلى نفسي وقد اغتربت عن نفسي، المكان والزمان تغيرا والأفكار كذلك، الأحداثُ باتت سخيفة لا داعي لأن تروى أو تكتب، جميعها جاءت بمحض الصدفة بلا تفكير بلا رويّة بلا هدف، الفيلم ما عاد يستحق المتابعة فلا جديدَ سوى مزيد من التفاهات مع بضع رشات من الفكاهة والسذاجة لترطبَ المشهد..!
 
فلو أنّك دققت النظر بما تشاهده لوجدت أن كاتب السيناريو يحاول جعل الشخصيات مجرد أشياء يوظفها يحركها ويصوغها كما لو كانت دمى على مسرح فيلمه، يحاول أن يخدع الجمهور ليكسب قوته من خلال سطوعه في سيناريوهات سابقة له، فكان جُل ما يفعله هو الترويج لعمله الساذج من خلال أعمال مغرضة وناجحة، فهو يذهب بك إلى كوكب زمردة ويعيدك للتو، يذهب بك إلى سراب ويعيدك ويكرر ذلك مرات ومرات، يدخلك في متاهة من الأحداث فما تلبث أن تخرج حتى تجده يمسك بيدك ليزجّ بك في أخرى على مقربة منها ..!

 
بيوتُنا التي نسكنها فقدت الحياة تماما، جميعها وحدات منتظمة من مستطيلات ومربعات ودوائرَ، بل يا ليتها كانت دوائر فتحركت ككرات على طاولة بلياردو، في هذا الموضع غلب علينا الملل والنعاس، فقررنا التجديد تعرفنا على زها حديد ولوكوربوزييه وكالاترافا؛ فبدأنا ندخل تصميماتهم في الأماكن والمتاجر الفخمة لكي نميزها عن تلك المربعات التي نسكنها، بدأنا ندّرس طلابنا مميزات تصاميم كل منهم، فحقا تجد الطالب قد عرف زها حديد وقرأ عنها فوجدها تلقب بالمعماري الأعظم، الجوائزُ تغطي سيرتها على الويكبيديا، فيأتي موعد عرض مشاريع مساق التصميم حينَها تجد نفسك ذلك المسحور بروعة تصاميمها في كل زاوية..سبحان الخالق!

فهل حقا جميع من قدم لذلك المساق جذبته روعة تصاميم زها حديد دون غيرها؟ هل حقا تصاميم زها حديد لاءمت الوحداتِ التي شكلها كل مهندس منهم على أرض الموقع، أم أنّه العوز والعجز عن التنقيب عن آخرين أمثال ريم كولهاس ونورمن فوستر، وغيرهما كثير هي ما دفعتنا للاستنساخ؟

دعك من ذلك كله، تنتظر أخبار التاسعة.. خبر عاجل بالأحمر العريض يغطي الشاشة تعلنُ فيه حركة فتح أو حركة حماس أو غيرهما من التنظيمات الشعبية عن إضراب شامل واحتجاج عام ومظاهرات تشمل كافة القطاعات الحياتية، ودائرة الأرصاد تعلن وتكرر وتؤكد أن منخفضا قطبيا ثلجيا يضرب البلاد، وسيبقى في استضافتنا أسبوعا على الأقل والله تعالى أعلى وأعلم، ستتراكم الثلوج على ارتفاع معين فخذوا حذركم والزموا منازلكم، وكأن الأيام كلها ضاقت علينا، وكأننا نباهي باسم الاحتجاج ومياديننا الفراغ تردد صداه في ساحاتها، وكأنّ الاحتجاج بات بلا هوية بلا نظرة أو تنظيم أو أبعاد سياسية، وكأنّ النفيرَ العام الذي تعلنه سلطاتنا بات مجرد أخبار في مذياع قديم منسيّ مهجور لا أحد يخاف عواقبه أو آثاره، وغالبا ما يدفعنا عنوان الشيء وترتيبه إلى أن نلقي له بالا، إن كان هذا الاحتجاج البيتي-لا أدري ماذا أسمّيه- سيعيد أقصانا فلنحتج إذا في بيوتنا ولنسمع جوليا بطرس فكل الوطنية في أغانيها عندما قالت:"شعب الملايين، الشعب العربي وين ..!".

 

شتّانَ ما بين سفر روحك وعودتها لك مجددا، هذا إن استطاعت أن ترجع ولا تضل الطريق مجددا
 

غراب ينعق فوق النص يبشر بأنني على وشك الدخول إلى تلك الهالة، لكن ثمة شيء يبعث في نفسي السكينة، فأنا مازلت أكتب لأنّ شيئا ما في النفس وجب التعبير عنه، شيئا لحظته ولم أستطع السكوت عنه، شيئاً إن لم أقله سأبقى متيقظا كما لو أنني تجرعت عدة كمية كبيرة من الكافيين بل أكثر، مازلتُ أكتب لأنّ صوتا ما بداخلي ينخنق إن لم أسارع في إنقاذه وإخراجه، مازلتُ أكتب وأرى النص كأوراق أضعها أمام القارئ في بداية النص وسأظل أضع أمامه الأوراق إلى أن تنتهي كل التي بحوزتي، ثم بعدها أكشف له ما عنيته في كل ورقة وفي كل مثال ونموذج قدمته في بداية النص.

 
ثمَّ تجدني في نهاية الأمر عدت إلى كل ما قدمت وربطت بعضه ببعض لتلتقي البداية بالنهاية ويكتمل الحديث، أظنني عدت إلى تلك الهالة مجددا فالكاتب ليس له أن يكشف عن تكتيكه في الكتابة للقارئ.. إذا ما الجدوى من كونك كاتبا قدت القارئ لأن يحل مكانك وبدلت الأدوار؟ لكنني لم أقل شيئا سوى ما هو معروف ومُتناقَل بين الجميع، رغم ذلك علي أن أمسك قلمي عن البوح بشيء يلغي شخصيتي ككاتب أو يجعلني أتجاوزُ خطوطي الحمراء، أو ما أسميه حرمة كتابية ليس علي الوقوع فيها.. يا إلهي إنّها مفرداتي ومصطلحاتي التي اصطنعتها لنفسي -الحرماتُ الكتابية- التي ليس علي الوقوع فيها.. حسنا سأنهي الأمر بعلامة ترقيم فحسب.

كثيرا ما نجد أنفسنا قد ابتعدنا عن ذواتنا، فتجد نفسك في البداية في محيط لا تأبه بمن فيه وعقلك ينفر منه تماما، تشعرُ وكأنّ مَن تقابله إنسان فارغ تماما، لا يستطيع أن يركّب جملتين معا وينظرُ إلى الأمر وكأنّه شيفرة من نوع ما، تحاوره وتجامله لأنه أمامك أو لأنه فرض عليك حينها أو خشيةَ أن تحرجه، يتكررُ الموقف إلى أن تجده فجأة بات القريب الى روحك لكثرة مصاحبتك له أو ربما لأنك اعتدت عليه، فهنا تجدك تراقب حياته اليومية والإلكترونية وتغوص في تفاصيله وتفاصيل حياته، تجد نفسك صرت تلقي له بالا، وأي تفاصيل تلك التي تغوص فيها إنها أشياء تافهة حري به أن يلقي بها في أقرب مكب للنفايات.

فأينك من نفسك عندها أينك من روحك التي رحلت ولم تعد، فهل سيعودُ جمهور ذلك المنتج له بعدما اغتربت روحه وباع مستقبلَه السينمائي مقابل قضاءِ حاجة ضاقت عليه، هل سيبقى ذلك المعماري الواعد يصمم لزها حديد دون غيرها فيتخرج مهندسا لا يعرفُ سواها، لمجرد أنه بقي يواري لأجل الحصول على درجات عالية لما أتقن في سنته الدراسية الأولى.

يبقى السؤال لمَ نواري ونبتعد عن أنفسنا، لمَ ننظر إلى من هم دوننا ونستطعمُ أفكارهم، فكم من علامة تعجب سترسم على وجهك غدا وأنت الذي لا يُنال منه، وشتّانَ ما بين سفر روحك وعودتها إليك مجددا، هذا إن استطاعت أن ترجع ولا تضل الطريق مجددا، لن أطيل الحديث فالنص على وشك الفتور والانطفاء، وأنا كاتب يكتبُ بإحساس لا مواربةَ فيه ..!



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة