دمج الموظفين.. من يستوعب من؟

السلطة الفلسطينية ومنذ الاتفاق مع حركة حماس بالرعاية المصرية وهي تختلق الذرائع لعدم إتمام المصالحة، فجميع الأعذار واهية ولا يمكن أن تكون عقبة أمام مشروع وطني كبير، كمشروع توحيد الصف وتعزيز الوحدة الوطنية الذي يُبنى عليه مشروع التحرر وطرد الاحتلال لبناء الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف. فكانت كما تدعي السلطة الفلسطينية في رام الله عقبات كبيرة أمام إتمام الاتفاق، وفي النظر إلى تلك العقبات التي تذرعت بها السلطة وهي لم تكن حاضرة عند الاتفاق وإنما كلما انتهت أي عقبة مما تذرعت به أخرجوا ذريعة جديدة، وبمصطلح جديد وتكون عقبة في وجه تنفيذ الاتفاق.
    
حل اللجنة الإدارية التي شكلتها حماس لإدارة قطاع غزة بعدما تنكرت حكومة الوفاق التي شُكلت بناء على اتفاق أبرم بين السلطة وحركة حماس لكل حقوق أهل غزة، وقد كانت التصريحات لقيادة السلطة أنه في حال تم حلها سيتم تسلم الحكومة مهامها ورفع العقوبات والإجراءات على غزة، وعندما تم حل اللجنة لم يتم رفع العقوبات ولم تتسلم الحكومة مهامها.

   

تسلم المعابر وهي إحدى العقبات التي تذرعت الحكومة بها لفتح معبر رفح البري والذي تم الاتفاق على أن يتم العمل فيه بطاقم المعابر الموجود (موظفي غزة) إضافة إلى موظفي رام الله الجدد الذين سيتم دمجهم في العمل، وعندما تم تسلم المعابر كان القرار من السلطة في رام الله أن لا يكون أي موظف من موظفي غزة العاملين منذ أحد عشر عاما، ولأن مصلحة المواطن في غزة تقتضي فتح معبر رفح وافقت حماس على ذلك لكن المعبر لم يفتح كما قالت السلطة حتى الأن.
   
التمكين وهو مصطلح جديد في قاموس الانقسام والمصالحة، وتم تداوله وطرحه بعدما تمت الاستجابة وتنفيذ كل ما تم التوافق عليه وتريده السلطة تحت بند التنازلات الكبيرة والمؤلمة، ظهر هذا المصطلح وهو أن يتم تمكين الحكومة في جميع مفاصل الوزارات، وكباقي الذرائع السابقة تم العمل وتدليل جميع العقبات أمام الوزراء ورؤساء الهيئات لتسلم أعمالهم في قطاع غزة، ولكن لم يتم أيضا إنهاء الإجراءات العقابية عن القطاع ومن أهمها ملف الموظفين الشائك.

إنهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات بشقي الوطن من الأمنيات الجميلة التي نتمناها، لكن هذا لا يعني مزيدا من الإهانة لغزة
 

إذاً حماس قدمت تنازلات كبيرة ومازالت تقدم من أجل المصلحة الوطنية. من أهم الإجراءات التي تم التوافق عليها هو تشكيل اللجنة الإدارية القانونية لدراسة ملف الموظفين لإعادة هيكلة المؤسسات الحكومية، وهو أمر مهم في ظل وجود آلاف الموظفين المستنكفين وموظفي غزة، وقد صدر قرار منها بعد عدد من الجلسات وهو: أنه سيتم استيعاب موظفي غزة الذين تم تعيينهم بعد 14 حزيران/يونيو 2007م، وملء الشواغر بهم في الجهاز الإداري للسلطة. لكن السؤال الذي أطرحه بعد خدمة موظفي غزة لأكثر من عقد قدموا فيه الغالي والنفيس لوطنهم وحماية مؤسساته، وقد أبدعوا وطوروا من تلك المؤسسات إداريا وتكنولوجيا وتفان وتضحية شهد له العدو قبل الصديق، هل سيتم ملء الشواغر بهم وهم على رأس عملهم أحد عشر عاما؟

   

حل قضية الموظفين في غزة على أساس الكفاءة وليس على أساس حزبي مقيت كلنا نقبله ضمن رؤية شاملة، لكن تصريح نائب رئيس الوزراء ورئيس اللجنة الإدارية القانونية لا يرتقي إلى أدنى مستوى من إنصاف الموظف الذي هو مواطن فلسطيني يعيش في غزة. فمن يستوعب من ؟ نعم هل الذي مكث في بيته أكثر من عشر سنوات بعيدا عن المؤسسة هو في مكانه ووظيفته كأنه في خدمة داخل المؤسسة. الموظف الذي جلس بقرار وتخلى عن مجتمعه أيضا بقرار مجحف من رؤسائه في رام الله وترك مؤسسته التعليمية والصحية والأمنية والرياضية والثقافية وعزز انقساما لم يكن ليبقى لهذه الفترة الطويلة لولا هذا القرار هو في عمله، ومن هو على رأس عمله وجاء ليغطي فراغا، ودفع بذلك دمه في موقعه أو مؤسسته التي قصفت أو دمرت، سواء الطبيب أو رجل الأمن أو المدرس أو رجل الدفاع المدني والذين حموا المواطن لأكثر من عشر سنوات، هم من سيتم ملء الشاغر بهم ، مالكم كيف تحكمون.
   

نصاف الموظف في غزة هو إنصاف لأبناء غزة على اختلاف انتمائهم، لذلك وجب أن تكون التصريحات دقيقة والوقوف عليها من قبل المسؤولين في قطاع غزة

فهل هو جزء من العقاب وإهانة المواطن الغزي بغض النظر عن انتمائه السياسي؟ هل هو جزء من العقاب حتى يندم أولئك على وقوفهم وتحملهم المسؤولية التي تخلى عنها غيرهم؟ نعم مللنا الانقسام فقد دمر كل النسيج الاجتماعي والاقتصادي، لكن الحصار والعقاب كان أكثر فتكا بمجتمعنا وبأهلنا في غزة وأهلنا في الضفة كأنهم لا يعلمون.

   

إنهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات بشقي الوطن من الأمنيات الجميلة التي نتمناها، لكن هذا لا يعني مزيد من الإهانة لغزة، لا يعني أن يشطب تاريخ عطاء وعمل عشر سنوات من التضحية، لا يعني أن يقال لمن بذل دمه من أجل أبناء شعبه بأنك مخطئ ومذنب بذلك فلم يكن مطلوبا منك أن تعمل. موظفي غزة الأبطال وجب إعطاؤهم التحية من جميع أطياف غزة السياسية فهم لم يخدموا فئة بعينها أو تنظيما معينا وإنما خدموا الكل الفلسطيني في قطاع غزة، وجب أن يقام لهم تمثال للعطاء لأنهم قدموا بلا مقابل لسنوات، قدموا رغم قلة الراتب والمعاناة التي عانوها، فمنهم من لم يجد قوت يومه، ومنهم من يذهب إلى عمله سيرا، لكنهم لم يجلسوا ببيوتهم ولم يتخلوا عن مسؤولياتهم كما فعل غيرهم، فصبر جميل، لأن الله لن يضيع أجر العاملين بإخلاص. نعم نتشوق لتوحيد المؤسسات، لكن ما يجب أن يقال هو استيعاب وملء الشواغر من موظفي رام الله لأنهم هم من سيأتون على المؤسسة وليس العكس.

   

وأخيرا موظفي رام الله هم إخوتنا وأحبابنا وأصدقاؤنا وزملاؤنا الذين نحترمهم، فهم ليس ذنبهم وإنما السياسة التي جعلت واقعنا بهذا الشكل، فإنصاف الموظف في غزة هو إنصاف لأبناء غزة على اختلاف انتمائهم. لذلك وجب أن تكون التصريحات دقيقة والوقوف عليها من قبل المسؤولين في قطاع غزة، لأنه تبنى عليها أفعال، فلربما غدا يؤخذ قرار بملء الشاغر بعدد بسيط من موظفي غزة والباقي لا حاجة لنا بهم. فالحذر الحذر.



حول هذه القصة

تسود الحالة الفلسطينية بكل مستوياتها أجواء من الريبة والقلق بعد توقيع اتفاق المصالحة بين حركتي فتح وحماس، ولا سيما أن أيا من بنود الاتفاق لم يلق الترجمة الفعلية على الأرض.

أعلنت حكومة التوافق الفلسطينية أنها لم تتسلم اليوم مسؤولياتها بالكامل في قطاع غزة كما كان متفقا عليه لينقضي موعد آخر دون أن يكتمل تنفيذ بنود المصالحة بين حركتي فتح وحماس.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة