القدس بين حسابات الاقتصاد وخيار المقاومة

للقدس بدايات ولكن كل بداية تختلف في غائرتها على المدينة المقدسة، والبداية هنا تشكلت مع بداية انتهاء الربيع العربي والانقلاب العسكري في مصر ومرورا بحصار قطر نهاية إلى قرار ترمب، كم هي التكلفة باهظة بمجرد أن تعزم بعض الدول أمرها على إنشاء جمعيات لدعم الطلبة الفلسطينين وجمعيات لتعوض ما دمرته الحرب وأخرى لأهالي المقاومين من الشهداء والجرحى والأسرى، فسرعان ما تسيّس هذه الجمعيات على أنها داعمة للإرهاب، وتاركة الجمعيات اليهودية الداعمة بصورة مباشرة وغير مباشرة للاحتلال تصول وتجول في دعمها للإرهاب الحقيقي.
 
من نتائج الحرب الثانية على غزة تصنيف حكم الإخوان المسلمين في مصر، حكما يشكل خطرا حقيقيا يداهم دولة الاحتلال على الحدود الجنوبية وهنا خطر آخر لم يحسب له الإسلام السياسي حسابا؛ وهو أن الكثير من الإسرائيليين كانوا يفكرون في العودة إلى أوطانهم إلى أروبا وأميركا وهو ما تم فعلا، مما استنفر الشارع الغربي بأطيافه السياسية والإعلامية مذكرا بما كان يفعله اليهود من الجرائم في بلدانهم، وأنه تم نقلهم للتخلص منهم ومن آفاتهم، فسخونة الموقف من جانب الكيان المهزوم في الحرب عسكريا والضغط الغربي زاد من الحقد على المقاومين الفلسطينيين وعلى حكم الإخوان المسلمين بشكل خاص وعلى الدول الداعمة للقضية الفلسطينية بشكل عام وهو ما يعرف بقرار تجفيف منابع الإرهاب أو تجفيف منابع القضية الفلسطينية والذي صنّف الداعمين للقضية الفلسطينية بل والقضية برمتها على أنها إرهابية.
 
ومن جانب آخر لا ننسى أن من أتى بحكم الإخوان المسلمين هو الثورة والتي تلتها انتخابات حرة ونزيهة وهو ما مهّد لإدارة الرأس ولفت الأنظار لدراسة الأحداث الساخنة الدائرة على الحدود الشمالية للكيان مما أثر على مسار الثورة السورية مخافة أن تفرز هذه الثورة أحزابا وجماعات رسمية معادية للكيان، وتدعوا إلى القضاء عليه أو كيانات داعمة للقضية الفلسطينية على أدنى تقدير، ربما تتفق الأهداف الإسرائيلية الأميركية في سوريا لكن لا تتوافق وطبيعة الحال مع الأهداف الروسية التي تسعى للاحتفاظ على مكانتها في سوريا وغرز موطئ قدم في الشرق الأوسط، فالاحتلال هنا يستخدم غايات الآخرين وسائل له لإطالة أمد الثورة أكبر وقت ممكن طالما أن طرفي الصراع أعداؤه، وإن لم يكن جميع المعارضة أعداءه فإنه من المحتمل أن يصبح عدوه في وقت ما وخصوصا أنه يغلب على تلك الجماعات الطابع الإسلامي السياسي المتشدد والوسطي.
 

أبرز عقوبة اقتصادية كانت عندما انتخب الشعب الفلسطيني حركة المقاومة لتسيير عمل شؤون البلاد فتمت معاقبة الشعب بالضرائب لتتسبب في أزمة خانقة وانقطاع الرواتب آنذاك مما شل حركة الاقتصاد

تُشكل القرارات الاقتصادية تأثيرا حقيقيا على القضية الفلسطينية لكونها تمس قطاعا كبيرا من الفلسطينيين لذلك صدرت عدة قرارات اقتصادية وأحداث ساعدت في تجفيف منابع الدعم للفلسطينيين. قرار الدعم المستمر للانقلابيين في مصر وتشكيل تحالف في المنطقة مباشرة بعد الانقلاب ليسدد فاتورة الانقلابات وإمداده بالمليارات لأن هذه الثورات كشفت زيف تعامل تلك الدول مع شعوبها دينيا وحضاريا، ليتم في ما بعد إنفاق جزء من هذا الدعم لهدم وتفريغ رفح المصرية من سكانها وهو أول عمل حدث بعد الانقلاب وقبل أن يبنى حجر في مصر، وتهميش شبه جزيرة سيناء وحرمانها من حقوقها في التنمية الاقتصادية من جانب الدولة والتنصل من حقوق السكان هناك، ما يعني تفريغ شبه الجزيرة من سكانها وتهجيرهم قسرا من المدن والقرى الواقعة فيها وهو ما يشكل ضغطا على القطاع المحاصر بوجه عام وعلى المقاومين الفلسطينيين بوجه خاص.

  

ومن مخلفات الانقلاب بعد هدم رفح المصرية أن طمر وأقفل الأنفاق وساهم في تمويل مشروع ضخ مياه البحر الأبيض إلى داخلها لاعتبارها الشرايين الوحيدة لإنقاذ اقتصاد قطاع غزة طالما أنها كانت بعيدة عن إدارة الاحتلال. ثم تبعه قرار إغلاق معبر رفح لفترات طويلة، وربط القطاع بالكيان الاسرائيلي من خلال المعابر الجاثمة على مدار حدوده والتي تخضع لإدارة المحتل بشكل كامل هذا سيشكل منعطفا في تاريخ الصراع الفلسطيني مع الكيان مما يضر بمصالح وتنقلات بعض التجار الغيورين على القضية والمحسوبين من جملة من يدعم المقاومة.

 
ومن باب تجفيف منابع الإرهاب، عندما خرجت حماس من سوريا لرفضها التدخل في الشأن السياسي الداخلي فكان الحال يقول بأن تنقسم إلى قسمين: قسم يذهب إلى تركيا وقسم يذهب إلى قطر، فزاد الضغط على هاتين الدولتين لاستقبالهما حركة المقاومة، من أجل ذلك تم دعم الانقلاب الفاشل في تركيا من ذلك التحالف، مما زاد من صعوبة الموقف التركي على الساحة الدولية بعد أن تنصلت الولايات المتحدة من المطالب التركية بعدم تسليمها مدبري الانقلاب المقيمين في الولايات المتحدة.
 
قرار حصار قطر اقتصاديا تصفية واضحة وصارخة للقضية الفلسطينية باعتبارها الداعم العربي الوحيد على المستوى الرسمي للقضية الفلسطينية من بعد اشتداد الأزمة السورية. قرارات تمرير العطاءات الإسكانية الاستيطانية من الكنيست الإسرائيلي على أن تسطّر تلك العطاءات في القدس، ودعم هذه المخططات بمليارات الدولارات، ومن زاوية أخرى فإن واقع المدينة من الداخل له وقع آخر من حيث التقييد الاقتصادي الذي يعانيه سكان القدس من الفلسطينيين، والتقييد في أشد حالاته في البلدة القديمة للقدس لعدم السماح بصيانة البيوت والمتاجر بحجة تغيير معالم المدينة التاريخية وهو ما أدى إلى انهيار العديد من المباني، وأما الجزء المتبقي من المدينة القديمة مجرد وقت وسينهار. السؤال من يُعرض المدينة لتغيير ملامحها التاريخية الصيانة أم الهدم؟
  
كما أنه من الصعب حصول المقدسيين على رخص لفتح المتاجر ورخص التعمير والبناء، وإذا ما تم الحصول على رخصة ما فتكاليف الضريبة الباهظة المفروضة على البناء وعلى المتاجر وفي ظل قلة الإيرادات التي يحصل عليها الفلسطينيين المقيمين في المدينة فإنه يشكل عليهم ضنك المعيشة وصعوبة الحياة والضريبة، فإن الإسرائيلي له بيت مجاني سواء من الحكومة أو من الجمعيات الحامية والداعمة له بينما يترك الفلسطينيون يتكبدون تكاليف البناء المرتفعة جدا لوحدهم.
 
بعد السيطرة على الضفة وحصار غزة تجرأ ترمب في قراره الجائر على مدينة القدس المحتلة في تخصيصها عاصمة للكيان الإسرائيلي مما مهد أن تكون مدينة محتلة بشكل رسمي وباعتراف دولي

 

إيقاف دعم المقاومة في الضفة الغربية وتقنينها بالسلمية وحصرها بالتفاح والرمان والليمون، والمقاومة منذ قيام السلطة وإسناد مهمة الأمن إليها في مناطق ما يعرف 1967 لتترك جنود الاحتلال تقتحم مناطقها من غير حسيب ولا رقيب، وترك المستوطنين يعيثون فسادا من حرق وتدمير للأراضي والمحصولات الزراعية بدلا من تقديمهم للمحاكمة، مما جعل أمر السلطة الفلسطينية كالسيف المسلط على رقاب الفلسطينيين لعدم استطاعة الشعب الفلسطيني الرد أمام هذه الجرائم والحماقات.

  
قرار الضغط واستخدام سياسة ليّ ذراع السلطة الفلسطينية من جانب الكيان الإسرائلي بواسطة أموال الضرائب المحصلة على البضائع المستوردة إلى مناطق السلطة الفلسطينية، ووصل الأمر إلى حجزها لشهور متتابعة كعقوبة اقتصادية على السلطة الفلسطينية، وهو ما يترك أثرا على طريقة سير المفاوضات وعرقلتها بين الجانبين. وأبرز عقوبة اقتصادية من هذا النوع عندما انتخب الشعب الفلسطيني حركة المقاومة لتسيير عمل شؤون البلاد فتمّت معاقبة الشعب بالضرائب لتتسبب في أزمة خانقة وانقطاع الرواتب آنذاك مما شل حركة الاقتصاد.
 
قرار قطع رواتب الأسرى وصعوبة قبولهم في الوظائف الحكومية والخاصة، وقطع رواتب أهالي الشهداء والجرحى وقطع رواتب الموظفين في غزة وتخفيض دعم المؤسسات الدولية للاجئين في الداخل الفلسطيني وفي الخارج، والتلويح بين الفترة والأخرى بقطع تلك المساعدات، وهي قرارات صعبة جدا أمام المقاوم أو في طريق من يختار المقاومة سواء كان ذلك الاختيار شخصيا أم تنظيميا، لذلك لم نر زخم المظاهرات المعهودة شبيهة الإنتفاضتين في الكم والنوع لنصرة القدس، وهذا التراخي أمام القرار الجائر يعود لهذه القرارت التي في طبيعتها وهيكلتها تقييد للفكر وللعمل المقاوم للمحتل، وكانت هذه القرارات مطالب أميركية على السلطة الفلسطينية العمل بها فورا لا تجاهلها.
 
قرار مطالبة السلطة الفلسطينية الاحتلال تخفيض كمية الكهرباء لخلق أزمة اجتماعية في غزة، وحصر المواد والبضائع الداخلة والخارجة من وإلى الضفة بشكل خاص، وقطاع غزة بشكل أخص من قِبَل الاحتلال وهو ما يضعف بالتأكيد الاقتصاد الغزي باعتباره المركز الفعلي للمقاومة، وهو ما يسبب تردي ردة فعل المقاومة على القرارات الجائرة والصادرة من تلك الدول الداعمة للاحتلال كالقرار الأميركي بشأن القدس.
 
غزو البضائع الإسرائيلية لمناطق الضفة وبين نداءات المقاطعة وصراخ التطبيع. ويهدف الكيان من وراء هذه البضائع عاملين اثنين فالأول إغراق السوق لكسر المواسم وذلك عبر تخفيض الأسعار عن تكلفة إنتاجها في الضفة وهو ما يسبب إغلاق بعض المنتجين لمحالهم أما الثاني إيجاد سوق استهلاكي قريب من الكيان ما يعود عليه بالأرباح والإيرادات الكبيرة. بعد السيطرة على الضفة وحصار غزة تجرأ ترمب في قراره الجائر على مدينة القدس المحتلة بتخصيصها عاصمة للكيان الإسرائيلي مما مهد أن تكون مدينة محتلة بشكل رسمي وباعتراف دولي.


حول هذه القصة

رفضت حركة حماس اتهام الحكومة الفلسطينية لها بعدم تمكينها من أداء مهامها بغزة. ووجهت الحكومة اتهامها للحركة في بيان صدر الثلاثاء بعد جلستها الأسبوعية في رام الله بالضفة الغربية.

قال المدير التنفيذي لمنظمة هيومن رايتس ووتش إن حصار إسرائيل لقطاع غزة يمثل انتهاكًا لحقوق سكان القطاع، معتبراً مواصلة إسرائيل أعمالها الاستيطانية جريمة حرب وتعديا صارخا على القوانين الدولية.

أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي اليوم السبت إجراءه تدريبا عسكريا يحاكي الاستيلاء على قرى في جنوب لبنان -بينها النبطية وبنت جبيل ومارون الراس- ومناطق في قطاع غزة، ومواجهة سيناريوهات مختلفة.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة