الشمس.. الحرّية والعذريّة في اللغة الألمانيّة

في أحد المشاهد المتخيّلة وقفُ "هايكو" على ضفة نهر الراين بمدينة كولن الألمانيّة، كان شعرهُ الأشقر وبشرته البيضاء التي لم تداعبها الشمس إلا قليلا أحد أهمّ السّمات الخارجيّة للرجل الألمانيّ. مازال وقتُ الظهيرة في أوجه ولكنّ السماء الباكية قد حجبت لمعان النهرِ من عينيه. وتلبية للقاء منتظر، وصلت العشيقة "شتيفاني" إليه، فضمّها برفقٍ بين ذراعيه ليقول لها مقولة غزليّة تسير صباح مساء في أفواه الألمان: "انتِ أشعةُ شمسي"، فضحكت له وتابعا عناقهما بعد أن أخبرها بأهميتها في حياتهِ.

 

ينتهي المشهدُ المتخيّل هنا، ولكنّ جملة واحدة تفصحُ عمّا يختلجُ اللغة من ثقافة كوّنتها عدّة عوامل تتفاوتُ بتأثيرها على الأفراد الذين مارسوا هذه اللغة بعصورهم المختلفة، ابتداء من الطقسِ إلى الأحوال السياسيّة والاجتماعيّة. ففي حينٍ غابت فيه الشمسُ عن أوروبا تمحورَ غزل الألمان بأحبتهم وعشاقهم بتشبيههم بالشمس دلالة على أهمية وجودهم وسعادتهم بهم. ولكن الشمس التي لا تغيب إلا نادرا عن البلاد العربيّة، وفي بعضها تسبب حالة من ارتباك الحياة والازعاجِ والموت، لم تكن مصدرَ إلهام حقيقيا للعرب، بل تحوّلت في بعض النصوص الأدبيّة إلى نقمة كما في رواية "رجال في الشمس" للأديب غسان كنفاني رغم ما تحملهُ من مدلولات أعمق من المادة ذاتها.

 

بسبب ضيق العيش في المجتمعات العربيّة وما تعانيه من فساد وبطش وكبت للحريات الفرديّة، لا يعني مصطلح "أخذ الحرّية" إلا انتزاعها بالقوّة في مجتمعات سلبت كل حقوق الفرد الأساسيّة
 

مقابل هذا الغزل الألمانيّ الذي نتجَ عن غياب أشعة الشمس معظم أيام العام، شاعَ في الأدبِ العربيّ، المترعرع في مناخ صحراويّ غالبا، الغزل المقترن بالماء وما يحدثهُ فعل الرّيّ والمطر. وقد ذكر شعراء العصر الجاهليّ الماء بكثرة في أشعارهم دلالة على الخير، فلطالما كان المطر آنذاك مسألة حياة أو موت، وعدم نزوله كان يعني العذاب والنقمة والخوف والمحل والقحل. مفهوم الماء المقترن بفعلِ الرّي استمر حتى عصرنا الحديث ليتجلّى في تعابيرنا الحياتيّة العاميّة والأدبيّة. ومنهُ شعر حديث لنازك الملائكة تتجلى فيه المفردات المرتبطة بالماء خاصة والمناخِ عامة، ككؤوس الأحلام، والارتواء، والصحراء والظمأ والحرق.

يا كؤوس الأحلام يا من تخيّلتك       أفقا تضمّه الأضواء

آه لو تدركين كيف أحسّ الكون      صحراء خلفها صحراء

كيف حين استلمت كأسي أرسلت   دموعي ولم يفدني ارتواء

إرتوائي ؟ أوّاه من حرق الرّوح       لماذا تظلّ روحي ظمأى ؟

إرتوائي ؟ هذا السّراب الذي    يركض قلبي وراءه وهو ينأى

إرتوائي حسبته شفقا حلوا             فلمّا دنوت لم أر شيئا

 

وبخلاف هذا المفهوم للماء المرتبط بشعور الارتواء وما يحدثهُ من أثر جميل، لا توجد في مفردات اللغة الألمانيّة مرادفا لشعورِ شربِ الماء بعد العطش، حيث إنّ اللغة الألمانيّة لا تحتوي على فعل "ارتوى" أو مصدر الفعل "ارتواء" على الاطلاق. هذا التعبير الشعوريّ لما يسببه شرب الماء غير موجود في اللغة الألمانيّة بفعل وفرة الماء، وعلى إثر هذا النقص قامت شركة المانيّة صانعة لمشروب الشاي البارد بطلب إدراج اصطلاح الارتواء من مؤسسة "الدودن" القائمة على إطلاق قواميس اللغة الألمانيّة، وبهذا قام الآلاف من المواطنين بإرسال اقتراحاتهم لكلمة الارتواء الحديثة بكل حماس لإدخالها القاموس اللغويّ، وبالرغم من اختيار اصطلاح حديث، إلا أنّ هذا التحديث باء بالفشل بسبب عدم استخدام الاصطلاح نتيجة لعدم حاجة النّاس إلى استخدامها أساسا.

 

عن استعمال مفهوم العذريّة في العقليّة الألمانيّة، فيُستعملُ مصطلح "العذريّة" لكل من الشباب والإناث على حد السواء، فهو غير مقتصر على جسد الأنثى فحسب، فيقول الشاب أيضا "أنا عذراء"

كان هذا أحد التأثيرات المناخيّة على اللغة التي لاحظتها أثناء تعلّمي اللغة الألمانيّة، أما التأثير الثقافيّ على اللغة، فكبير وواسع، ولكنّهُ يتجلّى بشكلٍ أساسيّ في استعمال الضمائر، فعلى سبيل المثال: تملك اللغة الألمانيّة ضميرا مستقلا لا وجود له في اللغة العربيّة، وهو ضمير "حضرتكم". يتم استعمال هذا الضمير كما هو متعارف عليه في المجتمع الألمانيّ مع من هم أكبر سنا أو مع الغرباء دلالة على احترامهم وهو ضمير منفصل عن "انت"، الذي يستخدم عادة مع الأصدقاء والعائلة والأشخاص ذوي المعرفة ببعضهم البعض. والأمر اللافت للانتباه أنّ تصريف الأفعال مع الضميرين يختلفُ اختلافا جذريا، ولكلّ منهما قواعده الخاصّة في التصريف، كأن تقول في العربيّة مثلا: "انت تفعل"، أما "حضرتكم تفعلون". لكنّ الفرق أنّ حضرتكم هو ضمير مستقلّ في الألمانيّة يخاطب به شخص واحد بإلصاق الصّفة الرسميّة به، ما يعكسُ طبيعة المجتمع الألمانيّ الذي يعطي لفعلِ الاحترام مساحة لغويّة لا توجد في كافة اللغات.

 

التحليل الثقافيّ والسياسيّ للّغة أيضًا، يأخذني إلى إحدى الجمل المتداولة في اللغة الألمانيّة:

‘Ich nehme mir die Freiheit’

 

الترجمة الحرفيّة للجملة تعني "أنا آخذُ حرّيتي"، ولكنّها غير دقيقة نظرا لأنّ الجملة في باطنها تعني "أنا أسمح لنفسي"، لذلك مفهوم "الحرّية" اقترن في العقليّة اللغويّة الألمانيّة بمسؤولية الفرد عن قراراته وتصرفاته والسماح بقيامه بأمر ما أو لا وفقا لاعتبارات اجتماعية وثقافية واخلاقية عدّة، فتحوّل معنى الحرية إلى السماح والمسؤولية.

 

وبسبب ضيق العيش في المجتمعات العربيّة وما تعانيه من فساد وبطش وكبت للحريات الفرديّة، لا يعني مصطلح "أخذ الحرّية" إلا انتزاعها بالقوّة في مجتمعات سلبت كل حقوق الفرد الأساسيّة ولم تبقِ له إلا قليل المساحة التي يريد أخذ مزيدها عنوة رغم أنف سالبيها من أنظمة سياسيّة واجتماعيّة وثقافيّة قمعيّة.

 

إلى هنا أختتمُ استعمال مفهوم العذريّة في العقليّة الألمانيّة، فيُستعملُ مصطلح "العذريّة" لكل من الشباب والإناث على حد السواء، فهو غير مقتصر على جسد الأنثى فحسب، فيقول الشاب أيضا "أنا عذراء" إن لم يمارس الجنس في حياته قطّ، فمفهوم العذريّة غير مرتبط بالجسد أو زيادة قطعة لحم لدى الفتاة كما هو الحال في اللغة العربيّة التي يتوقف استعمال العذرية فيها على الإناث بل يأخذُ مفهوم العذريّة منحىً متساويا لكلا الجنسين لا زيادة ولا نقصان فيه لصالح آخر. وإن دلّ هذا على شيء فهو يدل على المساواة بين المفاهيم لكلا الجنسين ودون تمييز جنس عن آخر.



حول هذه القصة

قال وزير الداخلية الألماني توماس دي مايتسيره إنه يعتزم تقديم قانون جديد يطالب اللاجئين بتعلم اللغة الألمانية والاندماج في المجتمع، وإلا فقدوا حقهم في الإقامة الدائمة.

عدّ المحلل السياسي لصحيفة “دير تاغسشبيجيل” الألمانية ألبريشت ماير أن اللغة المتشددة لرئيس الوزراء الهولندي مارك روتي تجاه الأجانب ببلاده -خاصة المسلمين- مثّل وصفة النجاح التي قادت حزبه للفوز بالانتخابات.

استطاعت ملكة جزماتي تدوين ذكرياتها في كتاب للطبخ باللغة الألمانية، وهي تأمل عبر كتابها “وصفات مشتهاة من وطني الأصلي” التعريف بشكل أفضل بالطبخ السوري لدى القارئ الألماني.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة