اعتبروها النظرة الأخيرة

لطَالما شَغل عقلي ذلك الموضوع.. ولطالما وددت الكتابة فيه.. دائما ما يُحيّرُ خاطري بعدما يأخذه في رحلةٍ طويلة وبعد أن تنتهي لا أعلم إجابة عليه! لكن لم أكن أعلم من أين أبدأ!.. مُنذ يومين شَاهدت مَقطعا مُسجلا لبرنامج يستضيف الزوجات والأزواج ويطلب من الزوجات أن يكتبن رسالة لأزواجهن وكأن أزواجهن على فراشِ الموت ويُسجل ردود أفعال الطرفين.. رأيتُ الأزواج وكذلك الزوجات وقد تغيرن تماما.. ينهمرن من البكاء ويتمنين أن لا يُحييهن الله لتلك اللحظة التي يَرين فيها أزواجهن على فراش الموت! حسنا.. لو كان الموت أهون من الفقد.. ها نحنُ أحياء كلانا، لماذا إذا لا نُحسن استغلال نعمة الوجود!

  

هناك مقولة تقول:"عندما تموت.. سيحبك الجميع فجأة"، أتذكّر أنه حينما توفيت جدتي أثرّذلك فينا جميعاً بما لا يتَسع المجال لذِكره.. رغم أننا كُنا مُهيئين لفكرة وفاتها بسبب مرضها الذي اشتد إلا أن لحظة فُقدانها كانت غير عادية.. كُنا جُلوسا بجانبها ولم نكن نُدرك أن مَلك الموت بيننا.. جاءتها سكرات الموت فتسابقت أفئدتنا بها قبل أرجلنا نحو العناية المُركَّزة.. جلسنا والصمت يُخيم على المكان والدعوات تتسابق من قلوبنا هارعة تقرعُ أبواب السماء حتى جاءت المُمرضة هامسة لعمي "البقاء لله"، فخَرّ جاثيا على رُكبتيه واضعا يده على رأسه من هول ما تحقق لأذنه ويأبي قلبه أن يصدقه.. رفع نَظره إليّ "ستك ماتت يا بني".

   
وقعت علي كصاعقة أهوت بجسدي مِثلما تفعله ريح في يومٍ عاصف بشجرة أصابها العطش منذ وقت طويل.. الأمر نفسه فجسدي كان قد أصابه العطش لحضن جدتي منذ وقت طويل.. فلم يتسن لي أن أحتضنها بأريحية كما كان الأمر قبل مرضها.. كنت أشعر أن حضنها على مقاسي تماماً.. وكأنه قد فُصل على جسدي.

    

لم تحملني قَدماي فصِرتُ أحمد الله وأُثني عليه وأحاول أن أُصَبِّر ذاك الذي كان يُلقنني دروسا في الصبر.. وفي الحقيقة أنني في أشد الحاجة لمن يُصَبّرني.. كنت أعلم مقدار حُب عمي لها..مثلي تماماً! اكتشفتُ حينها أنك ومهما كنت مهيئاً لفقدِ عزيز لديك أو غال إلى قلبك إلا أنه حينما تكتشف أن الأمر قد قُضي وأنك بالفعل فقدته .. شعور يصيبك لأول مرة لم تكن لتشعره مهما كنت مهيئا.. تقف لا تشعر بشيء.. لا ترى شيئا.. لا تسمع شيئا.. لا أعلم كيف يكون شعورنا حينما نَموت.. ولكنني أظن أن الأمر متشابه تماماً، أنت لست هُنا! 

 

ما كان لي أن أدعوكم لتنسوا ذلك الذي قد رحل.. كيف وأنني أرى أننا نستمد منه بعض القوة والصبر في بعض الأوقات حينما يصيبنا الضعف والوهن
   

الكون مُظلم والألوان باهتة إلى أسوأ درجة.. الأرض من مشرقها إلى مغربها بأميالها الشاسعة تضيق بك ولا تقوى على حملك فأنت مثقل وتزداد.. الناس تتحدث وأنت غير آبه بما يدور! 
تتمنى لو أن تصدم رأسك بأكثر الأسوار سوءا في هذا العالم لكي تستريح قليلا ولكن لا جدوى من ذلك.. ستفعل وستفعل مرارا وتكرارا ولن يُعيد هذا ذلك الذي قد فُقِد.

       

لماذا لا نُدرك قيمة الأشياء الثمينة وربما أثمنها إلا بعد فقدها؟ لماذا نبكي كثيرا بعد فقدان من نُحب رغم أنه كان بين أيدينا ولم نُحسن مُعاملته! لماذا نشتاق كثيرا ونكتب إليه وَحده وكأنه الوحيد الذي خُلق رغم أنه كان بيننا ولا نُلقي لوجوده بالا؟ نبكي ونبكي ونبكي.. لماذا لم نعره اهتمامنا وهو حي؟.. لماذا لم نعترف له ببساطة بأن حُبه يَملأ قلوبنا عن آخرها؟ لماذا الفاصل دائما بين الجفاء والحب الهائل هو الموت! أنحتاج للموت لهذه الدرجة لكي نصبح آدميين! أتساءل لماذا الموت يُميت حيا ويُحيي ميتا!.. يُميت حيا وهو المفقود ويُحيي ميتا وهو قلب الفاقد تجاه المفقود.. وأكاد أُجَن حينما أرى ذلك الفاقد المسكين غارقا بالحب والاشتياق لذلك الحبيب الذي فقده وينسى الأحبة الذين هم بين أيديه! يبدو أنك لم تتعلم الدرس.. أتُعيد ارتكاب نفس الخطأ! يا مسكين!

   

اعترف لهؤلاء بحُبك.. قُل لهذا أنا أُحبك.. ولذاك أنت غال إلى قلبي. أحضن أباك وأمك وقَبل أرجلهم وأيديهم كلما مَررت بهم.. أحضن أخاك هذا وأختك هذه.. ربما لن تجد ذلك الحضن نابضاً بعد لحظات.. ولن يتسنى لك احتضانه إلا احتضان وداع وربما لن تسنح لك الفرصة أن تحتضنه من الأساس! ربما ستبكيهم غدا وتشتاق للحظه واحدة من تلك اللحظات التي تمر عليك الآن وأنت لا تُلقي لها بالا! لا أُنكر عليكم بكاء ذلك الغالي الذي قد رحل .. ولكن أُنكر عليكم هجر ذلك العزيز الذي بين أيديكم! لماذا نُفرط في الحزن على من رحل ونُعلن الجفاء على الذين هم بين أيدينا.. 

     

لماذا يبدأ الحب بالموت! وكأن حُبك الهائل لذلك الإنسان مرهون بدخوله القبر. ما كان لي أن أدعوكم لتنسوا ذلك الذي قد رحل .. كيف وأنني أرى أننا نستمد منه بعض القوة والصبر في بعض الأوقات حينما يصيبنا الضعف والوهن.. بل أدعوكم لتُحسنوا ذكراهم لتُقوم روحكم وتُضيئها لا لتَظْلِمُها وتُظلِمها.. انثروا بذور حبهم في قلوبكم واسقوها بالدعاء وارعوها بالصدقة حتى تُزهر فيجد طِيبها كل مَن مَر بكم.. ادعوا لهم دائما في سِركم وجهركم.. تَذكّروهم وافتقدوهم في لحظاتكم السعيدة التي تمرون بها.. تصدقوا من أجلهم كلما مروا بخاطركم.. وافعلوا الخير بنية إرساله لهم لينير قبورهم وآخرتهم. 
    
ماذا لو عاملنا كل إنسان في حياتنا سواء يهتم بنا أو لا يهتم.. يقضي عمره من أجل رؤيتنا نبتسم أو لا يعير ذلك اهتماما كأنها آخر مرة نراه فيها؟
 

أريد أن أُطلق ثورة نور لإحياء القلوب تجاه أولئك المظلومين بجفائنا ومشاعرنا التي نُهدرها في غير موضعها.. أسرتنا الصغيرة والأحبة حولنا وأصدقاءنا الذين نمر بهم كل يوم ولا نعير نعمة وجودهم اهتماما.. أن نعترف لكل واحد منهم يوميا أنه أحد الأشخاص الذين لا نتقبل فكرة فقدانهم من عالمنا.. عالمنا الذي لا يكتمل بدونهم ولو تغير كل يوم مائة مرة.. هم أجزاء حياتنا التي لا نستطيع العيش بدونها حياة طبيعية، كما أجزاء الجسد تماماً التي لا يستطيع الجسد العيش بدونها حياة طبيعية!

   
ماذا لو عاملنا كل إنسان في حياتنا سواء يهتم بنا أو لا يهتم.. يقضي عمره من أجل رؤيتنا نبتسم أو لا يعير ذلك اهتماما كأنها آخر مرة نراه فيها؟ أريدك الآن أن تترك الهاتف وتُطلق العنان لروحك وقلبك وعقلك للتفكير في الأمر لدقائق.. تذكّر كل إنسان في حياتك، يتعب من أجلك، قدم لك مساعدة، أمٌ قضت عُمرها من أجلك، أخ بينك وبينه شحناء، أخت توبخها كلما رأيتها.. ماذا لو كانت آخر مرة تراها فيها تلك التي قد مضت؟ أراك توشك الاندفاع نحو غرفتهم لا تنتظر أن تطرق الباب.. تدخل مُلقيا نفسك في أحضانهم مُعلنا رسالة اعتذار تحمل في طياتها أنك لم تُحسِن استغلال فرصة وجودهم في حياتك! 

    

أيها الأب!: هذا ابنك تخيل أنك أمام آخر مرة تراه فيها.. ماذا ستفعل!
أيها الزوج : هذه زوجتك ..
أيتها الفتاة : هذه أمك وهذا أبوك وأخوك ..
أيها الشاب : هذه أمك وأختك وهذا أبوك ..
أيتها الزوجة : هذا زوجك وهذا طفلك الذي يزعجك بكاؤه طوال الليل ..
ماذا ستفعلون! 
اعتبروها النظرة الأخيرة.



حول هذه القصة

الصداع الصباحي أمر مزعج للغاية، وتثير هذه الحالة تساؤلات كثيرة؛ فعادة يقول المصابون إنهم استيقظوا لتوهم من النوم، وبالتالي لا يوجد سبب لإصابتهم بالصداع، فكيف التعامل معه؟

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة