أين أنا؟.. وأشياء أخرى

نسير في طريق الحياة وفي نقطة معينة من منحناها الزمني تتملكنا الرغبة بأن نملك كل شيء لنعمل كل شيء، ولنكون كل شيء، ولنغير كل شيء، ونحدث التأثير الذي يصيب سهمه كل شي! تبدو الفكرة وقّادة في الوقت الذي لا ندري فيه أنها غير قابلة للقياس واقعا، رغم أننا نكون حينها قد أُشبعنا بالغرق بين أعمدة جداول التخطيط وصفوفها لتلك الخطط الخمسية والعشرية وهلم جرا، ثم يأتي وقت من الزمان نضرب فيه كل تلك الأعمدة والصفوف لنكون أكثر حرية، لكن إلى أين؟

 

الصور كثيرة، والقوالب شتى، والأفكار والأعمال لا تنجو من فكرة الموضة والتسليع والرواج والقبوع تحت سطوة "الأكثر".. وهذا نوع جديد من عبودية ما بعد الحداثة، وهو توهان النفس أمام أي قالب تأسر فيه ذاتها ليرضى عنها الآخر؛ هذا الآخر بشتى أثوابه جمهورا كان أم ممولا أم راعيا أم ضدّا في اللون أو الجنس أو الدين وعليه قس.. وننسى سؤال: أين يناسبني أن أكون؟ وماذا يناسبني أن أكون؟

 

يبدو هذا السؤال صعبا ومشوشا إذا كنا لم نقف مسافة صفر مع "الأنا" في يوم من الأيام، نعم قد يقطع أحدنا شوطا من العمر ولم يجب على هذا السؤال البدهي "من أنا؟" -والذي أصبح رائجا الآن في أنظمة التعليم الحديثة منذ صفوفها الأولى- وذلك لأن الحياة بمتطلباتها ومسؤولياتها وتلك الأنظمة التي تُفرض علينا فرضا ومنها نظام التعليم المحصور باثنتي عشرة سنة إجبارية، أي خُمس عمر الإنسان الافتراضي تجعلنا أسارى لأشياء قد لا تعدو نسبة جدواها إلا شيئا قليلا بشكل يصح فيه أن نسميها "سارقة العمر".

 

القوالب الآلية والاستغراق

فيغدو بعدها الواحد منا متسائلا: ماذا جنيتُ حقا؟ ونبتعد عن صورتنا إلى صور الآخرين، يبدو حينها هذا هو الحل الأسهل، قوالب جاهزة نُسقط عليها أنفسنا فقط، أليس كذلك؟ ولا يدفع لذلك صوت النفس التي تريد النهوض، بل يدفعها أصوات كثيرة تُفرض علينا عبر إعلانات المذياع، وشاشات التلفزة والحاسوب وحسابات الفيسبوك وتويتر وإنستغرام وغيرها، تضج كلها بآلاف الصور والدعوات على شاكلة:

 

التجربة تلك الساحة التي لن نستكشف مهاراتنا وذواتنا ونعرفها إن لم نسلكها، التجربة في الميدان والممارسة، التجربة في العلاقات والمخالطة
 
الأكثر متابعة، البرنامج الوحيد الذي سيجعلك نجما، كيف تصبح مدربّا في مجال معين، ومن ثم تجد جل البرامج التدريبية أفرادا ومؤسسات تضخّ نحوك، وإذا ما لبثتَ بضع سنين تجد طريقة الضخ ذاتها تجاه مجال آخر وهكذا، حتى تظن أنه لا يوجد إلا هذا الفن وذاك الطريق وأن كل من حاد عنه سيفوته الكثير.

أتدري ما مشكلة هذه الطرق في الضخ والتوجيه -إرادية كانت أم عفوية-؟ إنها ستجعل أفق بصرك مشدوها نحوها إن لم تدعك بصيرتك لإبصارها كي لا تفقد نفسك، فحينها ستغرق فيها وتعود لتتساءل من جديد: أين أنا؟ إذن المشكلة ليست في عملية الضخ ذاتها والقولبة التي ترافقها، بقدر ماهي في استغراقك فيها إن لم تكن تتسق معها من الأساس وإنما تتبعها لإنها الشيء الرائج الذي يسير خلفه جلّ التيار وتتمركز حوله الأضواء.

 

التجربة

وهنا مسألة مهمة تأتي وهي "التجربة"، نعم التجربة تلك الساحة التي لن نستكشف مهاراتنا وذواتنا ونعرفها إن لم نسلكها، التجربة في الميدان والممارسة، التجربة في العلاقات والمخالطة. ولكن لا تستغرق أيضا في التجربة وتنسى نفسك، بمعنى تعلّم أن تكون مرنا، وأن تعرف الحدّ الذي تستطيع القول عنده نعم أنا هنا، فتبدأ حينها وتستمر بالبناء التراكمي في حقلك، أو تتوقف وتغير مسارك إلى آخر تعتقد أنك تملك مفاتيحه وتجد نفسك فيه، لأنك أصبحت من تجاربك السابقة تَخْبُر نفسك أكثر.

 

قد يصل الاتكال بنا حينا أن ننأى عن التجربة بحجة توفير الوقت وتجنبا لتحمل الخسائر نفسية كانت أم مادية إلى إسقاط تجارب الآخرين والإفادة منها، وهذا جيد من وجه ما، لكنه ليس جيدا من وجوه عديدة أهمها أنك لا تملك شخصية الآخر بمكوناتها، ولا استجابته وتفاعله وحسه وإدراكه وسعته وقدرته، ولا حتى بيئته وعلاقاته، وبالتالي فإن نجاحه لا يعني بالضرورة نجاحك فيما اتبعته، كما أن خسارته لا تعني خسارتك بطبيعة الحال، وقس ذلك على أمور كثيرة ابتداء بالعلاقات العاطفية والزواج إلى العمل والشراكة، إلى السفر والرحلات والهجرة، إلى الشغف والطموح وسائر الأهداف.

 

الاستمرار والمرونة لا يعنيان عدم التألم وإلغاء الحس الشعوري الإنساني، بل هي القدرة على الوصول إلى نقطة نتكيف فيها مع الألم والمواصلة، وهذا يعود أولا وأخيرا إلى طبيعة الشخص ذاته

وعليه فإن طلاق فلان من فلانة، لا يعني بالضرورة أن إحداهن ستواجه الشيء ذاته إن تزوجته بعد تجربة الطلاق التي خاضها، أو أنه لا يصلح لإقامة علاقة زواجية معه، المختصر في الأمر أن "س" و "ص" غير متصالحان مع بعضهما لكن هذا لا ينفي صلاح كليهما، وعليه فإن "س" و "ع" قد يحققان علاقة ناجحة ومثمرة ومرضية لكليهما، كما أن "ص" وآخر قد يحققان كذلك علاقة ناجحة.

 

تماما كسفر أحدهما وهجرته إلى بلد آخر، ولأضرب مثلا أدق سفر الفتيات وما يثار حوله، تصلني كثير من الرسائل تسألني فيها الفتيات كيف أقنع أهلي بأن أسافر "مثل فلانة"؟ -وقصدا وضعتُ علامتي التنصيص- وبعيدا عن مسألة موقف الأهل فإني دائما أذهب إلى مساحة الفتاة ذاتها أولا أثناء حديثنا وأقول لها: ضعي مسألة أهلك جانبا، لماذا تريدين أنت السفر؟ وهل تعرفين أن في السفر واحدا واثنين وثلاثة وأعدد لها نقاطًا تتصل بالواقع؟ ومن ثم هل تستطيعين التكيف مع واحد واثنين وثلاثة، وأذكر لها ظروف العيش وبعضا من المواقف التي قد تتعرض لها.. أم أنك تريدين السفر لتكوني مثل فلان وفلانة؟ اسألي نفسك بصدق وامضي.

 

والمسألة لا تُفهم على ذاك النحو من الحساب والاستغراق فيه، بل لتحديد المعطيات الأولية في ذواتنا والتي من الممكن أن ننطلق منها إلى التجربة، ولا يعني ذلك أننا سننجو من الإخفاقات، لا بل قد نعزم ونظن أننا نستطيع وترانا لم نستطع، والعكس صحيح كذلك، في أحيان كثيرة نظن أننا لا نستطيع وترانا بالتجربة نملك وسعا كثيرا لم نكتشفه فينا من قبل، ومن هنا يأتي دور ضرورة التجربة والثقة التي يمنحها لنا الوسط الملتصق بنا المرتبط بقراراتنا.

 

المرونة والتشكيل الذاتي

المسألة إذن ليست ببساطة 1+1=2  ولكنها باختصار بحاجة لإيمان وإرادة شخصية بالفعل، يتبعها مرونة في الإجراءات وتحمل النتائج، مع التركيز على السير والعمل أكثر من التركيز على نهاية الطريق والنتيجة، حينها ستبدو كثير من المسائل التي نفعلها في حياتنا سواء في جانب العلاقات العاطفية أو المهنية أهون وأكثر سلاسة مما نتوقع، ولن تقف الحياة عند حد الفقدان في أحدهما بل تستمر عجلة الحياة وبتجارب جديدة. لا يعني ذلك التبلد والسير كآلات بلا روح، ليس كذلك الأمر على الإطلاق بل إن الاستمرار والمرونة لا يعنيان عدم التألم وإلغاء الحس الشعوري الإنساني، بل هي القدرة على الوصول إلى نقطة نتكيف فيها مع الألم والمواصلة، وهذا يعود أوّلا وأخيرا إلى طبيعة الشخص ذاته، فبعضهم قد ينسى فعلا ألمه، وبعضهم يتجاوزه في فترة قصيرة وآخر في فترة طويلة، وآخر يتكيف معه ولا ينساه. فهي إذن طبائع وتوجهات مختلفة في الإحساس، وأولويات ترتبط بقناعات الشخص ذاته، فمنهم من يعطي الأولوية للإنجاز المادي الملموس وآخر يعطي الأولوية لقيمة الشعور والحس والراحة الداخلية وهكذا..

 

يجدر بنا أن لا نشتت نفسنا بين فوضى ما تضجّ به وسائل التواصل الاجتماعي، وأن ننأى جانبا ونفكّر ونثق، وننطلق ونآمن بما نفعل، وأن نكفّ عن مقارنة نفسنا بالآخرين
 

بمعنى أقرب وفيما يتصل بهذه الأخيرة، شخص قد لا يقبل العمل في منظمة إنسانية تعمل على تصوير اللاجئين مع المساعدات الإنسانية التي تقدَّم لهم فينأى عن أحد العروض السخية المقدمة له لأنه يضع شعور الآخر"اللاجئ هنا" كأولوية، بمعنى أن رضاه وراحته الداخلية يتأثران بتأثر الآخر وإحساسه سلبا أم إيجابا، في حين ترى آخر قد لا يلتفت لهذه الجزئية البسيطة بنظره ويقبل العرض ويعمل، ولا يعني ذلك أنه على خطأ وذاك الصواب فلكل فرد منظومة تشكيل تسيطر عليه في علاقاته وعمله وحياته ككل.

 

الدهشة وسط الضخّ

هل تذكر قديما لمّا كان الوالد يقول لك ولإخوتك "تعالوا نطلع مشوار بالسيارة" كم من الفرحة كانت تختلج قلبك وأنت في ذاك المشوار ترقب الأضواء والأشياء من نافذة السيارة، يشتري لك الوالد شيئا من البقالة وتعود مفعما بالطاقة والامتنان، الآن يا ترى لو كنت ستفعل ذلك مع أبنائك وكل مشاوير العامة بطعامها وشرابها وتفاصيلها تضج بها شوارع الفيسبوك وإنستغرام وغيرها من مواقع التواصل الاجتماعي، هل ستعتريهم الدهشة ذاتها التي كانت تملؤك وأنت تتسمر الشوارع ومافيها من مساحة تلك النافذة الصغيرة؟

 

عله يجدر بنا إذن أن لا نشتّت نفسنا بين فوضى ما تضجّ به وسائل التواصل الاجتماعي، وأن ننأى جانبا ونفكّر ونثق، وننطلق ونؤمن بما نفعل، وأن نكفّ عن مقارنة نفسنا بالآخرين، ولا نجعلهم سقفا لذاتنا لأنه لن نخرج حينها من دائرة لوم الذات والشعور بالتقصير المقعد عن العمل لا المحفز له. وإن كان لهذا الضخ أو الفوضى ثمة جانب مضيء فهو منحنا فرصة التحدي لابتكار صور جديدة وغير مألوفة لصناعة الدهشة على الدوام، والامتنان لمقعدنا الذي وهبنا إياه الرّب في هذه الحياة.



حول هذه القصة

ذكرت صحيفة “تشاينا ديلي” اليوم الثلاثاء أن الحكومة المركزية والحكومات الإقليمية ستكون أكثر انفتاحا على تقديم المعلومات لمساعدة المجتمع الدولي على فهم الصين.

شجبت الصحف الفرنسية بافتتاحياتها لهذا اليوم قرار تحويل السفارة الأميركية إلى القدس محذرة من تداعياته الخطيرة على منطقة الشرق الأوسط، ومؤكدة أنه ينم عن جهل وغطرسة وازدراء للقانون والمجتمع الدوليين.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة