وما زادتني القراءة إلا اغترابا!

شغفت كثيرا بالقراءة، ومارستها كأنها فريضة علي، في حين من الزمن، قد كانت خير دواء أحتسيه، لتبرأ أسقام الدنيا، جعلتني أُحلّق في عوالم أخرى، وأعيشها بكل تفاصيلها، كانت شبيهة إلى حدّ ما بالمدينة الفاضلة، وتارة كانت منسوجة من يوتوبيا نازك، ولكثر ما هِمت فيها نسيت أنّي هنا، وأنّ هناك أُناسا حولي؛ أهلي أصدقائي وأقربائي، لم أدر في حينها ولم أكن أعي لماذا جعلتني الكتب أهجر هذا الكون وهذا البشر، وأبدا ما قطعت فريضتي بل علّقتني بها وسخرت لي الكلمات لتصير معزوفة الفؤاد، وزادتني تألّقا حينما صار القلم رفيقي، ومرآة خبايا روحي.

أن تقرأ يعني أنك ستجوب العالم منذ القدم حتى تصل بك إلى المستقبل الذي تمثل في أحلام كُتّابه، ستهبك فيضا من بحور اللغة، ستجسد تلك الأطياف التي تراودك في بضع أسطر ستجعل منها واقعا، ستتلذذ بحبك لها وعيش تفاصيل كل حرف تقرؤه، لكن! إيّاك أن تميل عنها، أو أن تشاهد ما حولك، دعك واستمر في أداء فريضتك، فحكم تاركها وخيم، وما أحكيه تجربة وليست محض كلمات…
        
وما زادتني القراءة إلّا اغترابا، كانت عقوبة لي حينما فارقتها فينة من الزمن، حينما التفت إلى الكون من حولي، وانشغلت بهذا العالم الأرضي، كانت خطيئة اقترفتها بحق نفسي، وجزائي كان غربة مريرة، من المؤلم أن تكون في روض حلم تعيشه وتستفيق فجأة لترى نفسك في واقع محاط بنقائض ما قرأته، وما كتبته، ستراودك أسئلة كثيرة واستفهامات لا تحصى؛ أين كنت أنا؟ هل أعيش وهما أم أني واهمٌ؟! ستقع حيران، إمّا هذا الكون أو تلك الكتب؟! ولا حاجة للحديث عن الواقع، ولا للحديث عن "يوتوبيا الكتب"، كما ينعتها الكثير ممن قرأ الظواهر، وانقاد لأحكام ساسة المجتمع، وصار محض تابع، يخشى أن يتلفظ بكلمة "إصلاح وتغيير".
     
ولست أقصد الكتب الروائية أو الأدبية فقط، فهناك الكتب المتعلقة بشرائع هذا الكون وسبل التعامل المجتمعي، وقليل هم العالمون؟! فالحديث في مثل هذه الأمور بات متعبا جدا، فالكتابة في قضية ما بغية الإصلاح لم تعد أمرا مستحبا، فلا أحد يقرأ سواهم! أولئك الذين يكتبون، لا أحد يتعظ، لا أحد يكترث، فلماذا أُتعب نفسي؟ 
          

وما كنت يوما إلا طيرا حرا أجول فوق سطور العلم والثقافة، والرقي والحضارة، لم تخبئ الحروف عني أمرا

    
كان من أكثر ما شدّ انتباهي، أولئك الذين يزعمون أنهم يقرؤون، يزعمون أنهم الوحيدون، والمحيطون بجميع المعارف، وليس سواهم متمكن من تنميق أسس الكتابة والقراءة، أولئك الذين لم يعرفوا سوى الصحف والجرائد، فتلك حدود فكرهم، ولا سبيل حتى لأن تجادل في محتوى ما تقرأ وما تعزم عليه. ماذا عساي أفعل وصرت كلما هممت لأقرأ كتابا يراودني ذلك الشعور، أن أقلق وأخاف حيال ما سينتابني بعد أن أُنهي كتابي، أم أجاهد نفسي لمواجهة الواقع وتقبله بعد انتهائي، لتقليب صفحات كتابي، كطير خُلق حرا وفجأة سُجن بين القضبان؟ وأمّا أن تستمر فعليك أن تبحث عمّن يوافق فكرك وشغفك بالاطلاع، أن تتحدث إليه وتتناقش معه في تفاصيل أمور وقضايا وقصص لا يفهمها أي كان.
     
ولكن أن تفكر أنك ستستطيع أن توفق بين عالمك الخاص وهذا الكون، سيكون فيه ذروة الإرهاق والتعب، ستموت حيا. سأحاول الهرب قدر ما أستطيع، سأسافر بعيدا، سأتجاهل هذا الكون، لأني أؤمن بأن الكتاب وحده الصادق، وبأن لي حياة أخرى بين سطوره، فقط علي أن أعرف كيف أنتقيه، كما أنتقي من يحملني على أداء فريضتي، فأحذر تركها.. وكما يقول هاروكي موراكامي"إذا كنت تقرأ فقط الكتب التي يقرأها الجميع؛ فستفكر فقط كما يفكّر الجميع".
    

فإذا أردت أن تكون مميزا فلا تغفل عن فريضة سيماها في خلقهم وتعاملهم، فليس كل من قرأ الكتاب صار عالما، كثيرون هم الذين يتخذون من القراءة شعارا يقيهم شماتة "المتبهرجين" من المثقفين الزور، فلتكن راحة لك من ضجيج الكون من حولك، وبئرا تُفضي إليه فيحملك على أحسن محمل، كن أنت في اختيارك ما تقرأ، ولا تكن ما يملونه عليك لتصير مثلهم وعلى ممشاهم.
     
"اقرأ" كانت الكلمة الأولى التي نزل بها الوحي على سيد المرسلين، حينما خرج لقومه بالكتاب سخروا واستهزؤوا وقالوا شاعر مجنون، وكان في طيات كل حرف ينطقه، أم إنّ لسان الجهل أغشى على بصائرنا من قول الحق، إلى متى ستظل أمة اقرأ لا تقرأ، وتجهل قيمة ما جاء بالكتب، وقيمة ما ورثناه من لغة وفقه وآداب. وما زادتني القراءة إلا اغترابا، وما كنت يوما إلا طيرا حرا أجول فوق سطور العلم والثقافة، والرقي والحضارة، لم تخبئ الحروف عني أمرا، لقد أفاضت حتى زكّت النفوس، إلى أن ابتعدنا عنها وصرنا قوما تُبعا.



حول هذه القصة

كشفت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عن سر قديم واعترفت أمام تلاميذ في المرحلة الابتدائية خلال إطلاق مشروع القراءة “برج الكتب” بأنها كانت تغش أحيانا في حصص المطالعة.

8/9/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة