من هو قديروف سوريا القادم؟

من بين أنقاض إمبراطورية بالية، لا يذكرها التاريخ في صفحاته سوى بصور الغزو والحروب، خرج تلميذ مدرستها الأمنية المتشرب بعقليتها البلشفية، بعد حرب باردة استمرت لسنوات مع عدوة بلاده الأولى "أمريكا".. تتشابه الأحداث والصور ويسترجع التاريخ نفسه بين زمانين اثنين وشخص واحد مر بهما.. مرّ بالشيشان مثلما هو اليوم بسوريا! إنه فلادمير بوتين.
 
نرجع بالتاريخ قليلا إلى الشيشان التي انتهت حربها بنهاية قد تكون شبيهة بنهاية محتملة في سوريا اليوم، فبعد الخسارة التي لحقت الاتحاد السوفييتي في أفغانستان كان لا بد لروسيا وريثة هذا الاتحاد أن تبحث عن نصر يُرجع لها هيبة تمرغت بتراب أفغانستان، وكان الرئيس في حينها "بوريس يلتسين" الذي خاض أول حروبه الخاسرة في الشيشان بعد إعلان الضابط الشيشاني في الجيش الروسي "أصلان مسخادوف" الانفصال والاستقلال لبلاده.
  
فشلت كل محاولات موسكو لإرضاخ المقاتلين الشيشان المطالبين بالانفصال عن الدولة الشيوعية وإرجاعهم إلى بيت الطاعة الروسي، لتنتهي حرب الشيشان الأولى بخروج الروس مهزومين منها وإعلان الشيشانيين الاستقلال من طرف واحد.
  
وعند الحديث عن هذه الحرب وقادتها وفصائل المقاومة فيها، لا يمكن تجاهل المقاتلين العرب الذين زحفوا من بلدانهم والقادم أغلبهم من أفغانستان بعد انتصارهم على السوفييت هناك، فالمعركة هنا مشابهة للحرب الأفغانية، فالعدو واحد وهو "روسيا" وريثة الحكم الشيوعي، والمعتدى عليهم واحد هم "المسلمون الشيشان"، في الوقت ذاته كان مخرجا للمجاهدين العرب من صراع داخلي اندلع بين الفصائل الأفغانية نفسها ليجنّبوا أنفسهم الدخول في أتونه.
  
قديروف هذا كان في زمن سابق زعيما دينيا يدعو للجهاد ضد روسيا وقائدا عسكريا من قيادات الشيشان، لكن موقفه تغير تماما بعد ذلك ليدين الأصولية الإسلامية ويرتمي في أحضان الحكومة الروسية!

 

ومن بين هؤلاء المقاتلين لا يمكن تجاهل القائد "خطاب" الذي لمع اسمه في الحرب الأولى في الشيشان وخصوصا بعد تبنيه لعدة عمليات داخل روسيا نفسها في فترة مابين الحربين، واستمر في قتاله للروس ومعه القائد الشيشاني "شامل باساييف" لقناعتهم بأن الروس سيعودون بعد هذه الهدنة ولـن يسكتوا عن هذه الهزيمة، على عكس الرئيس الشيشاني "مسخادوف" الذي أوقف القتال ضد الروس في تلك الفترة.

   
وبالفعل استمرت هذه الفترة ثلاث سنوات إلى أن تولى "بوتين" رئاسة روسيا إثر استقالة يلتسين، ليعلن أنَّ بلاده لم تعد تعترف بسلطة الرئيس الشيشاني "مسخادوف"، وفي نفس الشهر بعد توليه أعلن بوتين الحرب، ودفع بنحو ثلاثين ألف جندي من قواته إلى الحدود الشيشانية، لتدخلها وتواصل تقدمها إلى العاصمة "غروزني" التي وصلتها في اليوم الأول من عام 2000، بعد أن أحرقتها الطائرات الروسية في صورة مشابهة لما فعلته في حلب.

 
في يونيو/تموز 2000، أعلن بوتين وضع الشيشان تحت وصاية الكرملين، وبعد ذلك بأربعة أيام عيَّن المفتي المقرب من روسيا "أحمد قادروف"، على رأس إدارة للشيشان تتبع لموسكو. وقديروف هذا كان في زمن سابق زعيما دينيا يدعو للجهاد ضد روسيا وقائدا عسكريا من قيادات الشيشان، لكن موقفه تغير تماما بعد ذلك ليدين الأصولية الإسلامية ويرتمي في أحضان الحكومة الروسية! كان العنوان العريض لسياسة بوتين  في حينها اتباع خطين متوازيين في حربه.

  

الخط الأول كان في القوة المفرطة بالحرب والتي استخدم فيها قواته البرية والجوية التي أحرقت البشر والحجر، والخط الثاني كان تفريق صفوف المقاتلين الشيشان وصناعة موالين له مستفيدا من خلافاتهم الداخلية التي نمت وتفاقمت بين الحربين، في سياسة شبيهة لتلك التي يحاول تطبيقها والعمل بها في سوريا اليوم ، في مارس/آذار 2005، استطاع الروس قتل الرئيس الشيشاني أصلان مسخادوف، وقرر بعدها الانفصاليون تسمية عبد الحليم سعد اللائيف رئيسا جديدا، والقائد العسكري شامل باسييف رئيسا للوزراء، وهو منصب ظل يشغله حتى مقتله في 10 يوليو/تموز 2005.

   

أدى رحيل باسييف وقبله القائد خطاب الذي اغتيل عن طريق وضع السم له، إلى إضعاف المقاومة الشيشانية المثخنة بتبعات أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 التي نزعت عنها كثيرا من شرعيتها السياسية وأصبغت عليها صبغة "الإرهاب". 

  

جلب بوتين بشار الأسد إلى مطار حميميم في اللاذقية ليجتمع به بعيدا عن أجهزة التجسس الإيرانية المحاطة به في دمشق ليقول له رسالة! فما هي هذه الرسالة ومن هو قديروف سوريا القادم؟
    
قتل بعد ذلك أحمد قادروف بانفجار كبير استهدفه ونسب بوتين عملية الاغتيال إلى "الانفصاليين الشيشان"، واعتبرها إهانة شخصية له لكون خطته لإخضاع الشيشان كانت تعتمد على قديروف، ليأتي بعدها بابنه "رمضان قديروف" الذي تنقل في منصبه إلى أن ولّاه بوتين رئاسة الشيشان عام 2007، ليكون بعدها عنوان هذه المرحلة يتلخص في تصريح رمضان قديروف الشهير عندما قال: "سأقسم على القرآن الكريم أمام شعبي على احترام الدستور والقرآن، وعلى أن أكون مخلصا للشعبين الروسي والشيشاني".

  

بوتين من جديد في سوريا
رفض بوتين كل مبادرات السلام من حكومة الشيشان وكان حريصا على مواصلة الحرب رافعا شعار "محاربة الإرهاب"، وهو ذات الشعار القادم به إلى سوريا، ثم خرج منتشيا بنصره في الشيشان، وما هي إلا سنوات قليلة حتى  أعاد لبلاده الكثير من قوتها الدولية.. اقتصاديا وسياسيا وعسكريا بعد أن كانت غارقة بالمشاكل الأمنية والاقتصادية.
  
ومع بداية هبوب رياح الربيع العربي، عارض بوتين التدخل الغربي في ليبيا، وساند بقوة نظام  بشار الأسد في مواجهة الثورة الشعبية ضد نظام حكمه، واستخدمت روسيا حق النقض "الفيتو" عدة مرات اعتراضا على صدور قرارات من مجلس الأمن الدولي تدين النظام السوري، ثم بدأ بانتهاج سياسة شبيهة بتلك التي انتهجها في الشيشان، حيث تدخلت القوات الروسية عسكريا وبشكل علني في سوريا بعد مرور ثلاث سنوات على الثورة وبعد تراجع النظام عسكريا، رغم الوجود الإيراني الذي كان بحاجة إلى حليف دولي داعم.
  
دخل سلاح الجو الروسي الأجواء السورية بعد إقامته قاعدة جوية في مطار حميميم بمحافظة اللاذقية، بدأت المعادلة على الأرض تتغير والكفة تميل لصالح النظام بعد استخدام الروس للقوة المفرطة في القصف الجوي الذي دعم تقدم النظام مع الميليشيات الإيرانية للسيطرة على الأحياء الشرقية التي كانت تسيطر عليها المعارضة وإخراج الفصائل والسكان منها في عملية تهجير وحشية تابعها الملايين عبر الشاشات، لتبدأ مرحلة تراجع واضحة للثوار في سوريا بعد خسارة حلب.

سيناريوهات التشابه
وصل الدب الروسي إلى حلب مثلما وصل إلى غروزني على أشلاء الآلاف من سكان المدينتين المتروكتين.. هدنات وخفض تصعيد في إدلب حتى ينتهي في دير الزور.. ينتهي من دير الزور ليعود إلى إدلب وقبل أن ينتهي من إدلب يذهب إلى الغوطة  قبل أن تنتهي هدنة حمص.. وهكذا. 
  
شق صفوف المعارضة بتصنيفات مختلفة بين معتدلة ووطنية وإرهابية.. كانت أبرز فصول السياسة التي انتهجها بوتين في سوريا، ولم تكن هذه السياسة مختلفة عن تلك التي انتهجها في الشيشان، فأحمد قادروف وابنه رمضان كانا من قادة المقاتلين الشيشان يوما ما، ليصبحوا بعد ذلك قادة دولة بوتين في الشيشان! "محاربة الإرهاب" شعار رفعه بوتين في الشيشان مستفيدا من حالة المجاهدين العرب والشيشانيين، وهو ذات الشعار الذي قدم به إلى سوريا واستخدمه لضرب فصائل الثورة بحجة قتال تنظيم الدولة.

الرسالة
جلب بوتين بشار الأسد إلى مطار حميميم في اللاذقية ليجتمع به بعيدا عن أجهزة التجسس الإيرانية المحاطة به في دمشق ليقول له رسالة! فما هي هذه الرسالة ومن هو قديروف سوريا القادم؟


المزيد من المدونات

حول هذه القصة

انتقد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قرار الولايات المتحدة خفض تمويل وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، وقال إنه سيقوض جهود الوكالة في تلبية احتياجات هؤلاء اللاجئين.

الأكثر قراءة