ما أوصاني به أبي عن الكتابة

وصايا عابد سباطة عن الكتابة

مهلا، لا داعي للبحث عن هذا الاسم عبر مواقع الشبكة العنكبوتية، لأنكم لن تجدوا له أي أثر على الإطلاق! هو لم يكن في يوم من الأيام كاتبا، ولم يسبق له أن درس مناهج النقد المعاصر، واقتصر تعليمه على المرحلة الابتدائية فقط. لكنه أب…

 

أب تجاوز السبعين من عمره، ويتابع باهتمام كيف اختار ابنه الوحيد أن يسلك طريقا مليئا بالحواجز والمطبات، في وسط لا يمكنه إلا أن يحكم عليك بالجنون لأنك تخليت عن مسارك الأكاديمي العلمي رغم حصولك على الشهادة النهائية، مفضلا التمسك بالكتابة الروائية والتدوين، كشغف وربما أيضا كمهنة، رغم أن هذا أقرب للمستحيل في عالمنا العربي. هو يعلم أن ابنه عنيد، يهوى الخيارات الصعبة والمستحيلة، فلا يملك إلا أن يشجعه، داعيا له بالتوفيق، ما دام مقتنعا بصواب ما يفعل…

 

انتقل شغف القراءة إلى هذا الأب، صحيح أن ذاكرته تخونه مع تقدم السن، وتمنعه من تذكر أسماء الأدباء وأحيانا عناوين أعمالهم، مقتصرا فقط على جنسياتهم، لكنه يكتفي بإبداء رأيه على طريقته الخاصة في تفاصيل كتاب الأمريكي وحبكة رواية اللبناني وقفلة قصة المغربي وهكذا..

 

لا يمكنك أن تكون كاتبا حقيقيا إلا إذا كنت قارئا نهما، لا تلتفت لمستسهلي هذه المهنة ممن اتخذوها وسيلة للبحث عن الشهرة السريعة، اقرأ باستمرار، قبل أن تفكر في أي مشروع روائي جديد
 

لهذا الأب تجربته الطويلة مع مدرسة الحياة (الحياة التي قال عنها الروائي الأمريكي بول أوستر إنها أكثر إدهاشا من الخيال) وهذا ما جعله يلخص نصائحه لابنه على الشكل الذي ارتأيت أن أشارككم إياه هنا:

 

اقرأ أكثر مما تكتب

لا يمكنك أن تكون كاتبا حقيقيا إلا إذا كنت قارئا نهما، لا تلتفت لمستسهلي هذه المهنة ممن اتخذوها وسيلة للبحث عن الشهرة السريعة، اقرأ باستمرار، قبل أن تفكر في أي مشروع روائي جديد، فهذا ما سيضمن لك تطوير أسلوبك وإغناء خيالك ويجنبك الوقوع في فخ النمطية، لا أريد إعطاء أعداد محددة، لكنك مطالب قبل كتابة رواية واحدة بقراءة مائة على الأقل!

 

لا تكن مغرورا.. استمع للنقد.. ولكن..

الآراء تختلف من قارئ لآخر، وهذا ما يضمن للرواية سحرها، طبيعي أن تثق في جودة عملك، ولكن استمع لكل الآراء حول عملك، إيجابية كانت أو سلبية، وإن كنت أتحدث هنا عن القارئ الحقيقي، من سيناقش الفكرة التي ذكرتها في الصفحة الفلانية وبناء الشخصية التي حركتها في الحيز الزمكاني للأحداث العلانية وسبب استخدامك للأسلوب المعين في الفصل الرابع عشر عوض الفصل التاسع عشر، أما عشاق الاصطياد في الماء العكر، ممن لا يعجبهم العجب ولا الصيام في رجب، ممن تعلم أنهم يتكلمون وهم لم يقرؤوا من عملك حرفا، فلا تلتفت لهم أصلا!

 

لا تضيع وقتك مع ما لا ينفعك
الأدب يسمو بالنفس ويهذبها، فتترفع بذلك عن العداوات والتفاهات، فأستغرب كثيرا بين الحين والآخر الصراعات الخفية بين المثقفين

قد تجدني هنا متناقضا مع مطالبتي لك بقراءة كل شيء، ولكن قصدي واضح، أنت أعلم مني بخبايا هذا الميدان وعلاقته المعقدة بالإعلام، بعض الأعمال الأدبية لا تستحق أن تضيع وقتك معها وإن سبح الإعلام بحمدها صباح مساء، رواية لهذا الروسي الذي ينتهي اسمه بـ"فيسكي" أو شيء من هذا القبيل، أو ذاك الياباني الذي لن أتقن نطق اسمه أبدا، أنفع بكثير من ثرثرة قالوا إنها فازت بكذا أو طبع منها عدد كذا من الطبعات، رغم أن صدورها في الحقيقة هو جريمة أصلا في حق البيئة والأشجار التي نحرت هكذا بلا سبب!

 

لا تقلد أحدا.. اصنع أسلوبك الخاص

يعجبني كثيرا هذا الاحترام الكبير الذي تكنه لتلك الأسماء العظيمة في مجال الأدب، الروسي والمصري والأمريكي واللبناني والفرنسي والتشيكي وغيرهم، اقرأ واستفد من خبرتهم، ولكن إياك وتقليدهم، لا تخلط بين التأثر والاستفادة من جهة، والتقليد من جهة أخرى، الإبداع هو الخروج عن السائد والمألوف، ما معنى إعادة إنتاج ما كتبه هؤلاء؟ أنت عبد المجيد سباطة، ولست فلانا أو علانا!

 

نعم.. أنت تكتب بالعربية.. ولكن اقرأ بكل اللغات!

كلما قرأت عملا بلغته الأصلية كان ذلك أفضل، قد يتعذر الأمر بطبيعة الحال مع بعض اللغات، ولكن فرنسيتك ممتازة، إسبانيتك جيدة وتتقن بعض أساسيات الإنجليزية، انتظار ترجمة بعض الأعمال العالمية إلى العربية قد يضيع عليك الكثير، ما سيؤثر بكل تأكيد على رغبتك في صقل موهبتك وإغناء تجربتك من خلال التعرف على ما كتبه الآخرون.

 

كثير نجحوا أخيرا بعد سلسلة طويلة من الإخفاقات الشخصية والعملية، وهكذا، درب التفوق لم يكن في يوم من الأيام سهلا، استمر في عملك الدؤوب وفكر في ما يخدم مجمل مشروعك الأدبي
 
لا تخلق عداوات مع أحد

ما أعلمه أن الأدب يسمو بالنفس ويهذبها، فتترفع بذلك عن العداوات والتفاهات، أستغرب كثيرا مما تحكيه لي بين الحين والآخر عن الصراعات الخفية بين المثقفين، الحسد والضغائن والقذف والتهديد، تأكد من أن الكثيرين سيحاولون جرك إلى هذا المستنقع، تجنبه ما أمكن، واهتم بعملك، فقط عملك!

 

أنت تصنع تاريخا.. فكر في المدى البعيد إذن!

تحدثني كثيرا عن سير بعض الأدباء الكبار، من لم تعرف أعمالهم إلا بعد وفاتهم، من عاشوا البؤس والحرمان دون أن يهتم بهم أحد، من نجحوا أخيرا بعد سلسلة طويلة من الإخفاقات الشخصية والعملية، وهكذا، درب التفوق لم يكن في يوم من الأيام سهلا، استمر في عملك الدؤوب وفكر في ما يخدم مجمل مشروعك الأدبي، نعم، أنا مؤمن بأنك كتبت روايتين مميزتين، لكنهما ليستا نهاية المطاف، اصبر وواصل سعيك نحو الأفضل، ففي منطقتنا هذه كثيرا ما ندفع ثمن صراعات لا علاقة لنا بها، سياسيا واقتصاديا وثقافيا أيضا، وما تلك المهزلة التي جرت أطوارها قبل أيام قليلة إلا أبرز دليل على صدق كلامي!



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة