لماذا يحرمون أطفالهم من الحكايات الشعبية؟

كثيرا ما كنّا نحبس أنفاسنا ونحن نستمع إلى الحكايات الشعبية بشوق عارم، كنّا في طفولتنا نستسلم لسحرها بخشوع لا يُضاهى، رافقنا سحرُها حتى وقد صرنا بالغين، فغَدَونا رواة لها نحكيها لأطفالنا كما حُكيَتْ لنا، محاولين عبثا مزاحمة الوسائط الحديثة وألعاب الفيديو التي باتت تستولي على مخيّلة الصغار. غير أن الكثير من الأهل في أيامنا هذه لا يعرفون أبدا ما يشعر به الطفل عندما يصغي إلى حكاية شعبية، وبدون هذه التجربة التي تغني حياة الطفل الداخلية، لن يستطيعوا أن يعطوا أطفالهم شيئا لم يعيشوه هم أنفسهم. من هنا وجب أن ننظر إلى الحكاية، لا من زاوية تربوية فحسب، بل من مُنطلق دورها الحاسم في إغناء التجربة النفسية للطفل ومساعدته في فهم ذاته.

    
نقصد بالحكايات الشعبية هنا تلك الحكايات الفولكلورية التي تتكرر بالرواية شفاهيا، ويتداولها الناس جيلا بعد جيل، مضيفين لها أحيانا أو محورين بعضها. هذه الحكايات التي صار أغلبها الآن مدونا، تشكل مادة خصبة يحبل بها التراث العالمي، وتتوزّع بين حكايات الخوارق والحيوان والمغامرات والغيلان.. ومن أشهرها الحكايات التي جمعها الفرنسي شارل بيرو عام 1667، والحكايات الشعبية الألمانية للإخوين جريم التي بدأ في جمعها منذ سنة 1812. والحكايات الإسكندنافية التي جمعها هانز كريستين، ثم الحكايات الشرقية المتمثلة في روائع ألف ليلة وليلة.. وغيرها من الحكايات التي هي حصيلة ميراث شفوي ضارب في القدم عند مختلف الشعوب. ورغم هذا الغنى والتعدد الذي يوفره التراث العالمي، يظل استهلاك الحكاية الشعبية محاطا بأسئلة تستوقف الآباء والمربّين والباحثين في أدب الطفل وعلم النفس والتحليل النفسي، أسئلة من قبيل: أي قيم وأخلاق ستغرسها الحكاية الشعبية المليئة بالخرافة والعنف في نفوس الأطفال؟ ما الأثر النفسي الذي تتركه الحكاية الشعبية في نفسية الطفل؟ لماذا يحب الأطفال الحكاية الشعبية؟

 

الحكاية الشعبية أقرب إلى وجدان الطفل ونفسيته. تعتمد الرمز والتخييل في بنائها، وتعبّر عن مشاكل الطفل وهواجسه وتطرح لها حلولا.
 
وسأحاول أن ألامس هذه الإشكالات من خلال العناوين الثلاثة التالية:
 
الحكاية الشعبية غير صحية!

لقد أهمل معاصرونا الحكاية الشعبية مُعتبِرين أنها لا تتوفر على معايير تربوية مناسبة للطفل في مراحله الحياتية الأولى، واصفين إياها بأنها تتضمن مشاهد وحشية وسادية، وتجعل الطفل يعيش تجربة تشجعه على العنف والاتكال على الصّدف والمثالية، وقد تعرضت الحكايات الشعبية لنقد قاس عندما كشفت أبحاث نفسية في علم النفس والتحليل النفسي كم تصبح مخيلة الطفل عنيفة ومهمومة ومخرّبة عند سماعهم لقصص الوحوش ومصاصي الدماء والغيلان والعمالقة.

 

إضافة إلى ذلك، هناك من الأهل من يخاف أن يكذِبَ على أطفاله عندما يروي لهم الأحداث الخيالية عبر الحكايات، فيتقوّى السؤال البديهي عند الطّفل: "هل هذا حقيقيّ؟"، الأمر الذي يجعل من هذا الأخير فريسة للأوهام والخرافات، ويقف عاجزا عن التّمييز بين الحقيقة والخيال، وبين الخرافيّ والواقعيّ. وهناك أيضا مَن يُبدي تخوّفه من هذه الحكايات خِشية أن ينساق طفله مع استيهاماته التي يجدها في الحكايات الشّعبية، إذ ترسُخ في ذهن الطّفل أفكار عن القوى الغيبية المرتبطة بالسحر والخوارق وفاعلية تلك القوى وقدرتها على اللعب بمصير الإنسان. فيُمسي الطفل مؤمنا بوجود قدرات خفيّة تتحكم في حياته وحياة والديه، مما يبعده عن الحياة الواقعية، فيعجز كلّ العجز عن الخروج من أحلام يقظته الملأى بالرغبات والهموم الظامئة، فترى الطّفل مثلا يعيش حُلمَ الحصول على العصا السّحرية، وتلبُّسِ صور كائنات خرافية كالتنّين..

   

الأثر النفسي للحكاية الشعبية
الطفل يفهم بأنّ هذه الحكايات الشّعبية تتوجّه إليه رمزيّا، بطريقة غير مباشرة، فيدرك بشكل غير واع أنه المقصود بالرسائل التي تحملها.

ردّا على الذين يرون أنّ الحكاية الشّعبية ترسّخ لدى الطفل مشاعر العنف والسّاديّة، يقول برونو بتلهايم في كتابه "التحليل النّفسيّ للحكايات الشعبية" إنّ أولئك الذين يُحرِّمون الحكاياتِ الشعبية ينسون "أنّ الوحش الذي يعرفه الطّفل جيّدا ويهمّه بالدّرجة الأولى هو الوحش الذي يشعر به في قرارة نفسه.. والعمالقة والغيلان التي في الحكايات هي الوحوش المظلمة التي تستقرّ في اللاشعور". فبالحكايات نقضي على هذه الوحوش والغيلان التي لا وجود لها إلا في لا شعور الطفل، وبالتالي نتمكن من تغذية استيهاماته المقموعة والمكبوتة في لا وعيه. فهذه الاستيهامات هي المصادر الطّبيعيّة التي تُغْني "أنا" الطفل خلال تكوين شخصيّته.

 

إنّ منع الحكايات الشّعبية عن الأطفال يبقى بلا معنى أمام ما تحققه من حاجيات نفسية كثيرة، فبالإضافة إلى تغذية الاستيهامات اللاشعورية، إنّ هذه الحكايات تنشّط مخيّلة الطفل، بحيث تقدم حياة خياليّة غنيّة ومتنوّعة تجنّب مخيلته أن تسقط في أسْرِ الحدود الضّيقة لبعض أحلام اليقظة التي تراوده. إنّ المادّة التي تقدّمها الحكاية الشّعبيّة مرتبطةٌ بشكل معيّن بمشكلات الطفل الدّاخليّة التي تبدو له غير مفهومة، وبالتالي لا يمكنه حلّها، فهي تقدّم معلومات، طبيعتها اللاواقعيّة تؤكد على أنّ هدفها هو جعل الطفل واعيا بسيرورته اللاشعورية الداخلية، يفهمها بعد أن تقدّمها شخصيات القصة وأحداثها.. هذه السّيرورات لا تبدو للطفل أكثر وضوحا إلّا عبر صُور تتوجّه إلى اللاشعور، فالحكاية الشعبية تلعب هذا الدّور بالصّور التي تستدعيها عند الطّفل.

    

ومن مزايا الحكاية الشعبية كما يُقرّها علماء التحليل النّفسيّ، مساعدة الطفل على تجاوز الهمومم والاستيهامات "الأوديبية". فمثلا تستطيع الأمّ، بواسطة الحكاية، أن تساعد استهاماتِ ابنتها أن تحلم بأمير ساحر شبيه ببطل حكاية "فتاة الرّماد" الشهيرة، وهكذا تتحرر البنت من تعلّقها الأوديبيّ بأبيها، فهذه الحكايات المؤسّسة على مسألة النّزاع الأوديبيّ تحمل الطفل إلى عالم يتجاوز دائرة العائلة، إنّها تحضّر الطّفل للتطوّر والنّضج بشكل يسمح له بأن يكتسب فهما شعوريّا للمواضيع التي ستقلقه بشكل خطير فيما لو فُرِضت على عقله الواعي بشكل مباشر. إنّ الطفل يتوحّد مع أبطال الحكاية الشّعبية، فيعوّض خياليّا كلّ النقص الحقيقي والخيالي الذي في جسده، يتخيّل أنّه مثل البطل، يرتفع في السّماء، يتحدّى العمالقة، يبدّل مظهره، يصبح الأكثر قدرة وقوّة وجمالا.. فإذا ما أشبِعت رغباتُه الكبرى بواسطة المُخيِّلة، يحسّ الطفل بطمأنينة كبيرة وهدوء شامل. 
   

لماذا تأسِر الحكايةُ الطفل؟
  

 

الحكاية الشعبية، بالإضافة إلى أنّها تقدّم المتعة والفائدة، فهي ترضي فضول الطفل وحبه لمعرفة الأشياء الغامضة والجديدة، تهدهد أحلامه، تدغدغ مشاعره، وتشخّص مخاوفه. بترديدها على الطّفل، يتوصّل إلى إخماد الانفعالات المُخبّأة في أعماقه، يستخرج منها معنى شخصيّا جِدّا، ويستعين بها على ضبط المسائل التي تعذبه عبر التّوحّد مع الحكاية، مما يجعله أكثر انشدادا إليها، أضف إلى ذلك أنها حكايات تبدأ في الغالب بشكل واقعيّ، ثمّ تنفتح على وضع إشكاليّ هو مزيج الواقع والخوارق، مما يُدخل الطفل إلى عوالم مُشوِّقة ومُدهِشة. هذا وإنّها تطرح نماذج شخصيات تتطابق مع مختلف أنواع الأطفال، مما يفسر حبّ الطفل للحكاية بشكل عامّ، ولحكاية بعينها يجدها تشخص حالاته الخاصة وميولاته ومشاكله.

 

ولأنّ ملَكَة الطّفل غير مكتملة تسحقها الهواجس والآمال والمواقف والرّغبات والحبّ والكُره، فإنه أثناء استمَاعه إلى حكاية شعبية يترك العِنان لمخيّلته تقوده إلى حيث يجد تغذيته النّفسيّة ولذته القصوى، مما يساعده على التخلّص من المشاكل اللاشعوريّة التي تسيطر عليه بعدما يعجز عن التخلص منها بالحلم (أحلام اليقظة). إنّه يفهم بأنّ هذه الحكايات الشّعبية تتوجّه إليه رمزيّا، بطريقة غير مباشرة، فيدرك بشكل غير واع أنه المقصود بالرسائل التي تحملها.
       

وأختم بالقول، إن الحكاية الشعبية أقرب إلى وجدان الطفل ونفسيّته، تعتمد الرمز والتخييل في بنائها، وتعبّر عن مشاكل الطفل وهواجسه وتطرح لها حلولا، فتؤمّن بذلك للطّفل ما هو بأمسّ الحاجة إليه، لذلك نجده يتماهى مع أحداثها، ويتوحّد بشخصيّاتها. ولا يفوتني هنا أن أضيف بأنّ أدب الطفل العربي يحتاج إلى أن يُكثّف من استلهام الحكايات الشّعبية التراثية، عربيةً كانت أو عالميةً، والعمل على تشذيبها وصياغتها بأسلوب ورؤية جديدَين، لتوفير نصوص أدبية رفيعة تغذّي ذائقة الصغار، وتلبّي حاجاتهم النفسيّة، وتخدم الغرض التربويّ على أكمل وجه.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

وحدة شعوب أم وحدة أنظمة؟ هل كانت الوحدة بين مصر وسوريا قبل عقود نعمة أم نقمة؟ وهل مهدت لحكم عسكري طويل الأمد في كلا البلدين؟

الأكثر قراءة