رسالة قصيرة إلى محمد الفاتح..

إليكَ، حيث تعود الآن إلى زنزانتك الضيقة بعد امتحان دراسي كان يجب أن تؤديه فى جامعتك بين زملائك، لكنك ولأربع سنوات مضت تذهب إليه في غرفة كئيبة مقيّدا بأغلال السجن، متهما بأحلامك ومدانا بشجاعتك.

 

إليك يا صديقي حيث كنّا بالأمس القريب رِفقة ميدان واحد تناصفني فيه الهتاف بسقوط نظام مبارك، حينها لم تكن قد تخطيت بعد المرحلة الابتدائية، أرى احمرار وجنتيك وانتفاخ أوداجك بالهتاف فأبتسم في نفسي، يالحماسته، علّ الأيام لا تخذله! لكنها خذلتك، وخذلتنا معك، وتركت عمرك فريسة عقاب مرير يتخطّف أيامك في تسارع عجيب، حتى غزت لحيتك بعض الشعيرات البيض ولم تكمل عشرينك بعد!

 

كبُرت على حين غفلة منّا، صحيح أننا على الدوام كنّا نراك الأخ القريب، مؤتمن المشورة، صاحب الطرافة، لكنّ ابتسامتك التي تقاوم الحزن، وعينيك التي تحاول طمأنتنا تقول بأنك كبرت أكثر من اللازم، أكثر مما يليق بجمال روحك وعنفوان عزيمتك.

 

إليك إذا، محمد الفاتح، أخي الصغير الذي أسماه أبي تيمنا بفاتح القسطنطينية، الشاب اليافع الذي حقق نبوءة النبي الكريم فكان له الفتح والفخر، وكان لنا التمنّي بالتسمي، فأخذت من اسمك نصيب الشجاعة التي لا تخلو من الحكمة، والحماسة التي لا تنقصها جرأة.

 

محمد الفاتح (مواقع التواصل)

أكتب إليك تلك الرسالة وذكرى ثورة يناير -تلك الثورة التي مسّنا سحرها فلم نزل فى سَكرتها وإن أنكرنا، تطلّ على الأبواب- وللمفارقة المؤلمة، يدور في ظلالها جدل حول انتخابات مرتقبة يتزعمها مرشحان عسكريان أحدهما وجه محسّن للآخر؛ ومع ذلك نتقاسم فيما بيننا الأمل بها، أمل العاجز الذي يتشبث بفرصة نجاة ويتعلق بالمستحيل خوف أن يلتهمه اليأس.

 

نستجير من الرمضاء بالنار ونعوّل على ما ليس بأيدينا، ندعوا اللهم أهلك الظالمين بالظالمين ونتمسك بمقعد المشاهد الذي يُخفي ترقبه خوف أن تصطاده أعين الساخرين، والأمر يدعو للسخرية على كل حال، لم تكن تلك آمالنا، ولم يحترق عمرنا لأجل ذلك، تستحق ونستحق خيارات أفضل وفرص أكثر، لكن الهزيمة ثقيلة وكُلفتها عالية، ولم يخبرنا أحد أنّ آذان الوطن الصمّاء لم تكن تسمعنا، وعلى ما يبدو لن تفعل!

 

أخيرا وليس آخرا، فالحديث إليك لا ينفذ بحره ولا يجفّ حبره، أعرف أن هذا يُغضبك، ويضيق صدرك بحديث العاجزين، فلا تزال أشدّ مني عزيمة وأقوى مني صبرا، لكني لن أخفيك سرّا، يغالبني خوفي، ويهزمني شوقي، ويغريني رجائي بأن تعود لحياتك كما يجب أن تكون، أن ترى عيناك الشمس، وتتذوق طعم الهواء النقيّ، أن تملك أمر يومك بين يديك، أن نصنع ذاكرتنا وذكرياتنا بعيدا عن قاعات الزيارة وتلصصات المخبرين وكآبة السجن وسجّانيه، أن تكبُر أمام أعيننا، أن نعود لمناكفاتنا، ألاّ يأتي الليل  والذنب يجثم على صدري أن يكون أخي الصغير مفترشا الأرض تأكل الوَحشة من روحه، فألجأ للدعاء علّ إجابته تصلك رحمة تملأ قلبك وأُنسا يهوّن عليك ليلك.. فلا تؤاخذني بضعفي، ولا تعاتبني فيه.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

يتواصل اعتقال الزميل الصحفي محمود حسين المنتج بقناة الجزيرة في السجون المصرية لليوم الـ 375 بلا محاكمة وبتهم واهية، كما تواصل السلطات رفضها السماح له بالعلاج الطبي.

نظمت نقابة الصحفيين الموريتانيين بالتعاون مع مكتب الجزيرة في نواكشوط وقفة تضامنية مع الزميل محمود حسين المعتقل بالسجون المصرية منذ أكثر من عام، وطالب المشاركون في الوقفة بالإفراج عنه.

الأكثر قراءة