من مفهوم الأمة إلى مفهوم الوطنية وتجزؤ القيم

بوسع المتتبع لردود الفعل، التي أصبحت تظهر بين الفينة والأخرى على الأحداث الجسام التي يمر بها العالم الإسلامي، أن يلحظ بأن هناك نبرة كانت خافتة، ثم بدأ يعلوا صوتها تدريجيا، حتى أصبح صوتا مزعجا للغاية، وقد كنت كتبت مقدمة لهذا المقال تزامنا مع أحداث ميانيمار الأخيرة، وما تعرض له -ولايزال- الشعب الروهنجي من مجازر.
 
ولكني لم أكمل المقال وعدت إليه بعد الحدث الجلل الأخير"إعلان ترمب القدس عاصمة للكيان الصهيوني"، أكثر اقتناعا بأفكاره الرئيسة، ذلك أن وجهتنا في التحليل ليس الإعلان نفسه وإنما ردود الفعل على هذا الإعلان.. وطبعا لا نقصد ردود الأنظمة ولا الزعماء! لأن حديثنا آنئذ سيكون حديثا لا طائل منه! ولا نقصد كذلك ردود الفعل المستنكرة لأنها طبيعية بل واجبة؛ وإنما تلك الردود التي بدأت يتيمة، ثم تناسلت حتى أصبحت مما لا يمكن الاستهانة به أو السكوت عنه.
 
فمع أحداث ميانيمار؛ لاحظت بروز بعض الأصوات التي تدعو إلى عدم الالتفات إلى تلك المشاكل، لأنها مشاكل خارجية؛ أي خارج حدود الوطن، ونحن لنا من المشاكل ما يغني عن الالتفات ولو إعلاميا، أو "تغريديا"! إلى مشاكل خارج حدودنا..! أما مع حدث القدس فقد تفجرت ردود فعل بالجملة لم تكتف بالسكوت كما تفعل الأنظمة! ولا بالقول بأن المشكلة مشكلة خارجية؛ بل ظهرت بعض الأصوات العربية المتصهينة أكثر من الصهاينة أنفسهم! ومن لم يصدق فليتابع الإعلام الصهيوني وليتابع بعض سفهاء العرب، فسمعنا من يسب الشعب الفلسطيني، ومن يعتبر الصهاينة هم المظلومون، بل من أراد أن يصحح التاريخ ليجعل من التاريخ الفلسطيني مجرد خرافة، ومنهم من زاد أكثر من ذلك ..فالسفالة فنون كما الجنون فنون..!
 
فنحن إذن أمام انقلاب في المواقف والتوجهات، إزاء القضية الأم؛ إنها القضية الفلسطينية، القضية التي ما كان يختلف فيها اثنان؛ سواء كانت المرجعية إسلامية، أم علمانية، ماركسية، ليبرالية، تقدمية، رجعية.. الكل كان يفسر الصراع من منطلقه، لكن الكل كان متفقا على أن الدولة الصهيونية لا شرعية لها.
 
مفهوم الأمة هو مفهوم مغاير لكل المفاهيم التي يمكن أن يعلن الإنسان انتماءه إليها! وأهم ما يميز هذا المفهوم هو ارتباطه الوثيق بالعقيدة والدعوة
 

وهذا الانقلاب في التوجه الذي ظهر فجأة بهذه القوة، لم يكن وليد اللحظة، وإنما هو نتاج تراكم سنين طويلة؛ فهو كالفاكهة التي تسقط أرضا بعد نضوجها، فالأصل أن هذه الفاكهة كانت لها بذرة زرعت، ثم سقيت، ثم كبرت الشجرة، فهذبت وشذبت، وأزهرت فأثمرت، فنضجت الثمار فسقطت هذه الفاكهة على رأس أحد المارة، فتفطن إلى أن هناك شجرة مثمرة تمتد أغصانها فوقه! هكذا هي طبيعة نمو الأشجار كما هي طبيعة نمو الأفكار والمواقف، وإن أي تحليل أو تفسير لا يعود إلى تلك البذور الأولى فهو تحليل سطحي أعرج. وهذا ما سنحاوله قدر المستطاع في هذا المقال؛ وهو البحث عن تلك البذرة التي زرعت فنضجت في هذه الآونة كما يرى ويسمع القارئ..!

 
وبما أن وجهتنا هي العالم الإسلامي، وهي العلاقة بين مختلف مكوناته وشعوبه، فإنه من الضروري التطرق إلى المفهوم الأساس الذي سيطر على العلاقة بين مختلف الأطياف المجتمعية في العالم الإسلامي؛ ذلك هو "مفهوم الأمة"، فوحده المفهوم الذي كان يسيطر على انتماءات المسلمين ويصهرها في بوثقة واحدة، ليجعل منهم نسيجا متميزا، ومفهوم الأمة هذا؛ مفهوم مغاير لكل المفاهيم التي يمكن أن يعلن الإنسان انتماءه إليها! وأهم ما يميز هذا المفهوم؛ هو ارتباطه الوثيق بالعقيدة والدعوة، تقول الدكتورة منى أبو الفضل:" إن من خصوصيات الأمة في الإسلام، ضمن مالها من خصوصيات؛ أنها ارتبطت بالعقيدة والدعوة، مما أضفى عليها بعدا غيبيا إضافة إلى أبعاد تكوينية ووظيفية وغائية معلومة"، وبهذا تختلف الأمة عن تلك المفاهيم التي تريد جعل الولاء للدولة، أو للحدود الجغرافية، أو للأعراق، وتضيف:" فالأمة ارتبطت بالتوحيد وهو وعاء الرسالة الخاتمة، فالرسول صلى الله عليه وسلم عندما مات لم يخلف إمامة ولا دولة، ولكنه ترك أمة انبثقت منها المؤسسات والمدارس والأئمة والدول، فليست الدولة في الإسلام مدار الأمة قياما وتطورا وامتدادا وضمورا، ولكن الأمة تدور مع العقيدة، والعقيدة هي منطلق بناء الأمة"
 
و أيضا لا يقبل مفهوم الأمة أي حمولة عرقية أو إقليمية، تقول الأستاذة منى "وحين يحمّل مفهوم الأمة بتلك الخصائص العرقية والإقليمية بحيث تطغى على خصائص العالمية والشمول فيها، أو تختزل فيها تلك الخصائص، أو تغير في المفهوم الشامل أي تغيير جزئي أو كلي، فإن هذا يشكل أعرافا لا تقبلها طبيعة هذه الأمة، وقد تخرج بها عن صفتها الأساسية(أمة مسلمة)". كما لا يقبل الخضوع والدخول تحت أي كيان "فالأمة كيان حيوي يتمتع بذاتية واستقلالية، بغض النظر عن المظهر النظامي أو المؤسس له"
 
نختم بنص للأستاذة تصور فيه الأمة وعلاقتها بالشعوب و الدول؛ تقول فيه:"فالأمة في الإسلام لا تنسب لشعب أو مكان، ولكنها تنسب إلى عقيدة ربانية، ودعوة للبشر كافة تجبّ العالمين، ومن هنا تأتي هذه السمة الأصولية المميزة للأمة.. فهي التي تصبغ الجماعات البشرية على اختلاف أنواعها بصبغتها وليست هي التي تكتسب لونها.
  
المسلمون في كل الأماكن ومختلف الأزمنة مرتبطون ارتباطا مباشرا بالأماكن المقدسة، وإلا فما الذي يفسر وجود حي في مدينة القدس اسمه حي المغاربة، وارتباطه بظروف الدفاع عن المسجد الأقصى
 

أو تستمد صبغتها من الجماعات التي تستظل بلوائها، وعل هذا نجد أنه تاريخيا لم تقتصر العاصمة الحضارية للأمة على موقع جغرافي دون آخر، بل تعددت المراكز الحضارية مع امتداد الجماعة الأمة على موقع جغرافي دون آخر، بل تعددت المراكز الحضارية مع امتداد الجماعة الأمة ذاتها، وإن ظلت مكة مهبط الوحي هي أم القرى.. فإنه منذ اللحظة الأولى وجدنا أن كل بقعة جغرافية بلغها الوحي واتخذ من وجدان أهلها مستقرا له، صارت نواة لمركز حضاري للأمة جميعا، وباتت عواصم الدولة الإسلامية تتعدد وتتوالى وتتناقلها أطراف ديار الدعوة وقد صارت دار الأمة ذاتها" (عن كتاب الأمة القطب: للدكتورة منى أبو الفضل).

 
إذن فالأمة مفهوم رباني المصدر مستقل عن كل مفهوم وضعي، ولا يقبل الوصاية، ولا القولبة، ينبني على العقيدة الإيمانية والدعوة إليها، لا يقبل التجزيء، ولا يقبل الانصهار في بوثقة أي كيان؛ بل تنصهر فيه كل القوميات، والأعراق، والألوان، يقوم على مبدأ "التوحيد للخالق والوحدة للخلق" بتعبير منى أبو الفضل.
 
هذا هو المفهوم الذي كان يسطر على علاقات المسلمين ويوجه طاقاتهم، وقد ارتبط هذا المفهوم، أو هذا الكيان الذي تقوم وحدته العضوية على وحدة الفكر والعقيدة، بمجموعة من المقدسات الترابية المكانية التي تحررت من الحدود الجغرافية، وحتى الزمنية لترتبط بالمبدأ والعقيدة، أول هذه المقدسات، هي: المساجد الثلاث؛ الحرم المكي، والمدني، وبيت المقدس، فهذه المقدسات المكانية، ارتبطت أساسا بالعقيدة لا بالوطن، فهي إرث عقدي ديني، لا إرثا وطنيا تاريخيا!، أي أن المسلمين في كل الأماكن ومختلف الأزمنة مرتبطون ارتباطا مباشرا بهذه الأماكن المقدسة، وإلا فما الذي يفسر وجود حي في مدينة القدس اسمه حي المغاربة، وارتباطه بظروف الدفاع عن المسجد الأقصى…
 
إذن، فمفهوم الأمة هذا وما يترتب عنه من ولاءات وارتباطات، وما يتصل به من مقدسات مكانية أو شخصانية، أو زمنية، كان هو المفهوم الجامع لكل مكونات العالم الإسلامي، لكن الانتقال الذي سيحدث هو أن يستبدل هذا المفهوم الجامع بمفاهيم تفكيكية، لم تقتصر على التفكيك الميت، أي التفكيك في مرحلة تاريخية معينة، وإنما التفكيك الحي الذي يستمر في العمل التفكيكي الآلي -مع بعض العوامل الخارجية- فما إن يتفكك هذا الكيان أو ذاك، إلى جزأين، حتى تظهر القابلية للتفكك في كل جزء على حدة.


حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة