مراهقتنا المتأخرة.. وإعادة اكتشاف أنفسنا

نسلم غالبا لما نتعلمه في طفولتنا ومراهقتنا عن أنفسنا، هذه البنت جميلة، هذا الصبي قائد وهذا انطوائي، هذا ذكي وتلك غبية، وهكذا الكثير والكثير من الأحكام التي قد تعكس بعض حقيقتنا، ولكنها تجعلنا أسرى لهذا البعض. يفترض بعض الآباء أنهم يعرفون أبناءهم تماما، ويعرفون ما يناسبهم وما هو أفضل لهم في الحياة، فيضغطون عليهم ليكونوا ما يتخيلونه عنهم، في حين أنهم قد لا يكونون قد بذلوا ما يجب عليهم لمعرفة أنفسهم أولا..!
 
بعضنا يسلم تماما للفرضية التي لُقنها عن نفسه في صغره، يمكن أن تكون قد وافقت حقيقته فعلا وهو محظوظ إذا، ويمكن أنه يجهل أن هناك احتمالية لأن تكون حقيقة نفسه أوسع مما عُلمه في صغره. وبعضنا يبقى داخله مضطربا، هو لا يعرف تماما سبب هذا الاضطراب، يفشل أحيانا في فعل ما يُطلب منه فعله، يغضب بشكل غير مبرر، يأخذه اضطرابه أحيانا إلى آخر خط العناد فيدهس كل الخطوط الحمراء ثم يعود مطأطئ الرأس، يبدو أن الجميع محقون، وهو؟ شخص سيئ وجاهل وفاشل، وخمنوا ماذا أيضا؟ أناني وعديم المسؤولية..!
 
يقفز صاحبنا فوق فترة المراهقة ظنا أنه تجاوزها، فقد خطا خطواته الأولى في العشرينيات، ولكنها تطل عليه باضطراباتها ومشاعرها ومخاوفها في كل لحظة، في ميوله العاطفي؛ فهو متعطش للحب وللقبول وما يعقبهما، ولكنه لا يعرف تحديدا ما الذي يريده في الطرف الآخر وما الذي يريده منه، وتطل أيضا المراهقة في علاقته بأبويه؛ فهو لا يستطيع إسكات صوتهما الداخلي الذي يزيد اضطرابه فيصرخ فيهما عاليا ويُعرض عنهما، ولكن هل ينفعه هذا؟ بل يزيد لومه لنفسه مرارة ويبعد شبح قبوله لنفسه أميالا.. يسير صاحبنا على هذه الشاكلة في حياته؛ اضطراب وجزع وعدم رضا عن أي شيء والذي قد يتحول لنوع من الأنانية الحقيقية هنا، وحياته تفقد معظم احتمالاتها الجميلة لأن نفسه لا ترضى ولا تهنأ.
 
مهما كانت صورة حياة صاحبنا، سواء كان شيخا يستفتيه الناس أو يأخذون عنه العلم، أو مثقفا يتلاعب بالنظريات الفلسفية ناقدا ومحللا، أو شخصا يعمل في شركة مرموقة، أو حتى موظفا بسيطا -وإن كان هذا ومن على شاكلته في الحال العام أقل المتسببين في الضرر، لأنه أقل الجميع امتلاكا للأدوات التي تبرز ذاك الاضطراب وتنوع صور خروجه للواقع- أيا كان حال صاحبنا الخارجي فداخله لا يهدأ ولا يستقيم.
  

بعضنا تصاحبه نفسٌ لوامة تعينه أحيانا وتعيقه أحيانا، وبعضنا يتجاهل الاضطراب وعوارضه ويمضي يخوض الحياة موقفا موقفا
  

مواجهة الاضطراب

في الحقيقة إن كلفة التغيير في الحياة كبيرة أيا كان هذا التغيير وأيا كانت المساحة التي يظهر فيها، حتى إن بعض التغييرات قد تبدو لنا مستحيلة، لذلك لا نفكر حتى في السعي لها. أحيانا نكون محظوظين فنلاقي في مسعانا حبا لطيفا أو صداقات حميمة أو دعوة بالهدى خرجت من قلب صادق وقابلت أبواب سماء مفتوحة، فتحتوي كل هذه السعة اضطرابنا وتجعلنا أقدر على التعامل معه.
 
وأحيانا نحاول ولكن على غير هدى، فنرحل باضطرابنا لأقصى اليمين ونعود به لأقصى الشمال، ونلتحم معه ككرة تتدرحج على طريق وعرة لا نملك فكاكا، حتى نسقط في المنتصف بجسد أعيته جراحه ونفس استهلك مخزون يقينها فنشعر أننا لم نعد ننتمي للحياة، والبعض هنا يقرر أن ينهي آلامه فيهرب من الحياة كلها ويقتل نفسه. والبعض يتدحرج بقوة يمينا أو شمالا ويستقر فوق إحدى القمتين مستقرا عليها عاليا، حتى يرى نفسه المضطربة بأفكاره الهجينة وإيمانه المعطوب أعظم ممن سواه، فيبقى واقفا هناك شامتا بعظمته الموهومة في ضلال الجميع، كفرعون حين طلب من هامان أن يبني له صرحا ليطلع على الإله الذي يدعوه موسى للتسليم له.
 
بعضنا تصاحبه نفسٌ لوامة تعينه أحيانا وتعيقه أحايين، وبعضنا يتجاهل الاضطراب وعوارضه ويمضي يخوض الحياة موقفا موقفا، يفعل ما يراه مناسبا ولا يلوم نفسه، يدع المشكلات تحل نفسها أو لا تحلها لا بأس في الحالين، الأهم هنا أنه لا يريد أن ينبش ما تجاهله بداية، وإن راودته نفسه يسكتها بالانغماس في تيار الحياة اليومي فيبقى معلقا فيه، ويختفي اضطرابه في اضطراب الحياة ويخفت صوته للنهاية.
  

هل الاضطراب فعلا شعورٌ سيئ أم أنه فقط أحد مظاهر الحياة، وهل صاحبه إنسان معطوب النفس أم أن بداخله أسئلة تشتهي الإجابة
  

الغوص في الأعماق

هل نغوص إذا في أنفسنا بحثا عن الاضطراب نستأصله من جذوره ونخلص منه فنرتاح؟ ولكن من يضمن لنا الخروج إلى السطح مرة أخرى؟ ألا يمكن أن نضل في متاهات أنفسنا فنموت مختنقين داخلها؟ وإن نجحنا في استئصال اضطرابنا فما الذي يعصمنا أن ننتزع معه بعض نوازع الحياة الأخرى في أرواحنا فننطفئ بفقدها؟ ونصبح كمن حاول أن يكحل عينيه ليزيدهما جمالا فأعماهما بتهوره وسوء تصرفه. وهل يجب أن نتخلص من اضطرابنا أصلا؟ أليست الحياة دائمة الحركة لا يركد فيها شيء إلا ويأسن، وخمود أرواحنا فيها يجعلنا أشبه بعاجز منعه فقدان المعنى عن تذوق جمال الانسياب معها والأمل فيها؟
 
وهنا نعود للوراء قليلا حيث اتهم الاضطراب ونُظر لصاحبه نظر المأسوف عليه، والسؤال الذي يجب أن يُطرح؛ هل الاضطراب فعلا شعورٌ سيئ أم إنه فقط أحد مظاهر الحياة؟ وهل صاحبه إنسان معطوب النفس أم إن بداخله أسئلة تشتهي الإجابة، واحتياج يبحث عن حنان يضمه وتفهم يربت عليه؟ يبدو أن إجابة السؤال هنا بديهية جدا ولكن الأزمة تُخلق بداية من غياب السؤال!
 
وقع الأسئلة يختلف تماما باختلاف العمر، فما كان يصلح معه إجابة من بضع كلمات في الصغر تعوزنا صفحات للإجابة عنه في الكبر، وتحاصرنا مسؤولياتنا وعلاقاتنا والكثير الكثير، وما كان يظهر من آثاره ويسهل السيطرة عليه قد يصبح أعمق وأكثر غورا في النفس. ولكن تبقى حقائق مثل أن التوبة تجب الذنب، والإحسان يصلح ما كسرته الإساءة، والقبول يحسن صورة الإنسان أمام نفسه ويعلي من همته على فعل الخير، تبقى تلك الحقائق مفاتيح لأبواب الرضا والتصالح مع النفس. تقول إحدى الصديقات: "إن أهم ما أتعلمه من أصول التربية حاليا أن أقبل نفسي كما هي، وأتعامل مع عيوبها واضطراباتها بهدوء وحكمة محاولة إصلاح ما فسد فيها مع الوقت، لتتعلم ابنتي مستقبلا أن تقبل نفسها ولا تخجل منها أبدا، إننا نربي أنفسنا من جديد لنستطيع تربية أبنائنا يا رنا".


حول هذه القصة

الشركات مثل الأفراد تماماً، أو بمعنى أكثر واقعية: مثل أي شيء في الحياة، لها دورة حياة كاملة، تولد ضئيلة صغيرة وتمرّ بمرحلة الطفولة فالمراهقة، ثم الشباب فالنضج وأخيراً الشيخوخة

2/5/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة