ليس لنا منها شيء سوى الذكرى

تحية إلى كل شيء يعيد إلي ماضي الجميل ويذكرني بأحباب مضوا كانوا يملؤون علي حياتي ويعطونها رونقها، أما الآن فلم يبق معي منهم سوى ذكريات جميلة وتواصل شحيح لا يكاد يطفئ شيئا من نار الشوقِ إليهم وإلى ذلك الزمن الجميل، فيا ليتَ الذكريات تعود واقعا جميلا كلما شئنا لها أن تعود، ويا ليتها تتجسد معنا بهيئةِ إنسان يصحبنا في حياتنا ويرافقنا في طرقها وممراتها ومفترقاتها، بل يا ليتها تعود إلينا شجرة خضراء نستظل تحتها كلما جارت علينا الأيام وقست علينا الظروف والأحداث، فنرويها بِحبنا  وشوقنا، ونعهدها لمن يلينا جيلا بعد جيل.
 
تحية إلى القدر الجميل الذي جلبني إليكم لأكون بقربكم وجواركم، ولأعرف أشياء كثيرة عن ذاتي وعن مدى جهلي بها، ولأختبر معاني أشياء كثيرة أحسستها بينكم، ولم أستطع أن أجدها بعدكم في بطون الكتب وقوالب التعابير، ولأغادركم وأنا أجهل أشياء كثيرة عنكم .. عن أحزانكم وآلامكم وقضاياكم وأحلامكم،  ولتنتهي قصتي معكم مبتورة منقوصة، فأُقضي أيامي بعدكم محاولا أن أُتممها أو أن أجد خاتمة بهية تليق بها وبكم، ثم لا أقدر.
 
هكذا هي الحكايات الجميلة والأحداث الرائعة، قدرها أن تبقى مبتورة بلا نهاية، ليحاول الجميع أن يجد نهايتها في مخيلته، فتتشعب وتتعقد وتتجدد من حيث يُظنُّ أنها قد فنيت وتبددت وانتهت، فيكتب لها البقاء والنماء والخلود ولغيرها الفناء والجمود، فأعداد نهايات القصص الرائعة كأعداد أنفاس البشر وحبَّات المطر ونجوم السماء ورمال الصحراء.
 
أدين لهم ما حييت بحق الأخوة والصحبة وشرف الانتساب إلى معشرهم وجمعهم الصافي الطيب، فجمال روحهم وطيب عشرتهم كانا الأنسب لنمو أعند الأشجار نموا، ولاستمرارية ألين الأغصان عودا، وأقف مع نفسي متسائلاً متعجباً: ماذا اقترفت حتى أستحقَّ كل هذا المنفى؟ وماذا جنيت حتى أعذب في ألم هذا الشوق؟ هل أنا منكم وبكم ولكم؟ أم أنني في سماكم غيمة لاحت لطرفكم؟ بل أين قد كنت عندما كتب لي أم عليّ أن أذوب في حبكم؟! أم أنني منذ البداية لم أكن جديرا بكم وبمعيتكم، وأن تلك الأيام لم تكن سوى توفية للمكيال وتثقيلا للميزان؟ ستبقى تلك الأسئلة حاضرة في ذهني وإجاباتها غائبة عنه، ستبقى تلك الأسئلة حبيسة صدري وإجاباتها حرة طليقة، تماما مثلي أنا ومثلكم أنتم.
 

ضعت أفتش عنكم عن أرواحكم عن أنفاسكم وعن أثر يدلني عليكم أو عمن يشابه شيئا فيكم، لكني بقيت أسبح هائما في وطن من ضياع، واستسغت البقاء فيه
 

يا لشغبي وشغبكم! وحضوري الجريء والخجول بينكم! وشجار كان بفعل مني أو بفعل منكم!  وضحكات ملأت فضاء يفصلني عنكم!، وسهرات علت فيها أصواتنا وصرخاتنا! يا لتعبي وراحتي بينكم !، يا لنومي ويقظتي فيكم! يا لوحشتي وأُنسي بينكم!، يا لمرحي وهزلي.. جدي ولعبي بينكم! بل يا لعندي وعندكم! ونشاطي وفتوري إليكم! وحزني وفرحي لكم! وهتافات رددتها معكم! ومواقف لي كانت بسببكم ! وأفكارا أحببتها فيكم! .. هل تعود لنا تلك الأيام؟! أم هل تعود مثيلاتها؟! أم هل نعود نحن بشخوصنا  وأفكارنا ومواقفنا ؟! بقراراتنا وسلوكنا وعفويتنا؟!، ليس لنا منها شيء سوى الذكرى التي لا تنمحي والشوق الذي لا ينطفي، والقلب الذي لا يكتفي من إعادة شريط ذكراكم.
 
هل الحنين إلى الماضي خدعة؟ هل الشوق إليه ترف ونزق؟ هل الذكريات فراغ وعدم؟ إذا ماذا يكون كل هذا الشعور؟ أيقنت أخيرا بأن الذكريات ملكة إنسانية، الإيمان بها وفاء ونعمة، ونكرانها خذلان ونقمة، والشعور بها حقيقة، والرجوع إليها مستحيل.
 
شكرا ليوم رحلت فيه عنكم، لأحس بنعمة التواجد بينكم، فما قيمة الدفء إن لم يحل الشتاء؟! وبدون ليل ما قيمة الضياء؟! وهكذا كان البعد عنكم والنأي عن دياركم، فأرى الأشياء على حقيقتها بملامسة نقيضها وضدها، فشكرا لك ليوم كان فيه رحيلي عنكم خفيفا، وقررت حينها أن لا أودعكم وداعا يليق بكم، لعلي أبقى طيفاً بينكم، لعلي أبقى هائما بروحي في جوكم، لعلي إن تركت قصتي معكم بلا نهاية لا تنتهي، لعلي إن لم أوقع على شهادة رحيلي بالوداع أنكر صحتها وأبطلها بالبقاء.
 
لكن هيهات!.. فعندما عاجلت أن أستأنف حياتي بينكم ثانية صرفني عنكم القدر بقوة، ولم أشعر بدفئكم الذي شعرت به سالفاً فيكم، ولم أشعر بأنسكم ولا بقربكم، لقد عدت أتجرع الغربة بينكم ألما وحسرة.. ضيقا وذلا.. منعا وحزنا … وقد كنت أحسب أن تلك الأرض قد غدت لي وطنا وباتت لي سكنا من فرط تعلقي بها ومن طول مكثي فيها، الآن عرفت السبب .. تلك الحياة الجميلة ليست مقدرة لي ثانية، لا تحاول أن تعود إليها! لا تعش حياة لم تعد لك! ولا تأكل رغيف خبز لم يعطه الله لك! لا تتنفس صبحا لم يوقظك الله فيه! ولا تطفئ نارا أشعلها الله في صدرك! ليس لي منكم أحبابي ولا من تلك الأيام الجميلة شيء.. سوى الذكرى. 
 
أما بعدكم، فقد تجرأت أن أستأنف حياتي التي كانت جزءا من حياتكم، ولكن هذه المرة بعيدا عنكم – يالحزني الذي لا يهدأ! ويالقلبي الذي لم يقتنع الى الآن بأني قد رحلت عنكم! – ولكنها كانت علقما،  وعندما لم أجد ما يسد ذوقي للحياة بعدكم، ضعت أفتش عنكم عن أرواحكم عن أنفاسكم وعن أثر يدلني عليكم أو عمن يشابه شيئا فيكم، وماذا وجدت بعدكم؟! لم أجد مثيلاً لكم، وبقيت أسبح هائما في وطن من ضياع، واستسغت البقاء فيه.



حول هذه القصة

كان “دوستويفسكي” مفتونًا بالإنسان، مأخوذًا بتعقيداته؛ ليصبّ كل اهتمامه الأدبي على فهم طبائع البشر، وإدراك اختلافاتهم، والنفوذ إلى أعماق أرواحهم ورسم صورة كاملة عن مختلف أشكال حياتهم وأفكارهم ومشاعرهم..

27/1/2017

اختلطت المشاعر في التراث تجاه الغربة، فالبعض يرى فيها النجاح والإبداع، والبعض يراها قسوة وحسرة وبُعدا عن الأوطان والديار والذكريات، ويبقى الإنسان كما هو في عواطفه وجوانحه على مر الزمان!

3/1/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة