صناعة الحدث وانتظاره

تحتكم آليات الرد على الحدث المُبيّت، والتي تعد من أهم المرجعيات للنفاذ إلى صيرورته، على استباقه وعدم الركون إلى حدوثه، لعدة أسباب، أهمها: إفساح المجال لصنّاعه للتراجع أو إلغائه، وتفعيل أسباب الدفع المبكر وإدخال أصحاب القرار في دائرة المواجهة، الانحياز أو التفريط أو الانكشاف، مما يوفّر مساحات شاسعة للتحرّك قبل حدوثه.
 
بالرجوع إلى قرار ترمب حول الاعتراف بالقدس الشريف عاصمة أبدية لدول الاحتلال، فلم يكن القرار وليد صدفة ما، أو نزوة ما، أو استعراضا لعضلات القوة، أو تعهدات كما يصوّرها الإعلام، حيث  "صدق الكونغرس الأمريكي في 23 أكتوبر 1995م على قانون يسمح بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس والاعتراف بالقدس عاصمة للكيان المحتل، وأعطى الحرية للرئيس بالتوقيع عليه لإقراره"، من هنا، فالقرار قديم، وإجراءات تنفيذه هي التي تأخرت، ومنذ ذلك التاريخ وأمريكيا والكيان المحتل يعملان على توفير الأسباب الهادئة لإنفاذه، بالمقابل، بقي العرب في صومعة الصمت، يهرولون إلى إشعال فتيل المفاوضات، أو وضع العصي في دواليب حركات الإصلاح في البلاد العربية، دون الالتفات إلى توفير الأسباب الناجعة لإلغائه ودفنه وشطبه من سجلات الكونغرس قبل حدوثه.
 
كما بقيت الشعوب تمارس إجراءات ركضها باتجاه الحياة مثقلة بالهموم التي علّبتها الإجراءات الاقتصادية الخاطئة هنا وهنا، فصار القرار بالنسبة إلى هذه الشعوب المكلومة بأنظمتها طيّ الانشغال باليوميات والمعارك الجانبية، كما خضعت الشعوب إلى الوجبة الدسمة من الأخبار التي تبثها فضائيات التزييف، وفضائيات الإعلانات المبرمجة، مما وفّر مساحة خصبة لترمب أن يفي بتعهده المشؤوم، فجاء الإعلان كصاعقة على آذان الشعوب التي انتظرت الحدث، ولا أقول الأنظمة، مما حرّك فيها الضمير، الضمير الذي صفّده تكالب الأحداث التي تفبركها بعض الأنظمة ضد أنظمة أخرى، سعيا لتمرير القرار، قصدا أو عن غير قصد.
 
الانتظار هو الشَّعرة التي تقصم ظهر البعير، ويؤدي بالممكن إلى جرفٍ هار، ويجعل من تسارع لحظة الفعل وردة الفعل حالة روتينية

 

خرجت الشعوب المقهورة، وأعلنت رفضها، بعد إعلان ترمب، وهي بذلك تقع تحت قانون "انتظار الحدث"، فلم تشكل ضاغطا من قبل، ووقعت تحت قانون الفعل وردة الفعل، ولم تتحرك لتكون جدارا منيعا أمام مثل هذه القرارات، ولم تكن صانعة للحدث، فكما للحدث صنّاعه في الإعلان عنه وتنفيذه، فكان من الضروري بمكان أن تتحرك الشعوب قبل صناعة الحدث، قوّة ضاغطة، وأداة لكسر الحجب والتوقعات، وتكون بذلك قد دخلت تحت قانون "صنّاع الحدث"، وشكّلت أداة ضاغطة لصنّاع القرار بالتحرك السريع القادر على اتخاذ الموقف الشجاع، مدعوما من حركة الشارع.

 
ولكن أن تنتظر الشعوب إلى مثل هذه اللحظات الصاعقة فقد أتاحت لصنّاع الحدث التحرك بسهولة ومرونة، ولنضرب مثلا، لا قدّر الله لو أعلن الكيان المحتل نيته هدم المسجد الأقصى خلال شهرين، فهل تنتظر الشعوب وتبقى بلا حراك حتّى تتقدّم صورة التنفيذ إلى الواجهة، لتنطلق رافضة لهذه النية، أو حتى يصبح ركاما تتسابق جرافات الاحتلال لإزالة آثاره، أم تستيقظ من سبات الأغلال التي كبّلتها، وتضغط على صناع القرار في العالم العربي والدولي قبل خروج النية إلى الواقع، وتكون بذلك قد حققت فعل صناعة الحدث وليس انتظاره.
 
هناك فرق كبير بين انتظار الحدث وصناعته، فالانتظار هو الشَّعرة التي تقصم ظهر البعير، ويؤدي بالممكن إلى جرف هار، ويجعل من تسارع لحظة الفعل وردة الفعل حالة روتينية، مما يتيح الفرصة لصناع الحدث لتمريره وفق آليات مدروسة، غير مكترثين بردة الفعل التي تجيء متأخرة. أمّا إذا ما جعلت الشعوب نفسها صانعة للحدث، ولم تكتف بأن تظل في دائرة الانتظار، فلن يملك الكيان المحتل أي أدوات للتنفيذ تحت وطأة هدير الشارع، الذي سيعمل بدوره على أن ينحاز صنّاع القرار العربي والعالمي إلى شارعهم.
 
إذن علينا أن نكون صنّاع حدث مقابل حدث مبرم للتنفيذ، صنّاع حدث، نعمل على خلخلة البنية النفسية للكيان المحتل، ولمن تسوّل له نفسه إذابة القضية المركزية لهذه الأمة الحيّة، لحظة ذاك، سنكون فاعلين، وليس فقط إسفنجة لامتصاص الصدمات.


حول هذه القصة

قالت السلطات اللبنانية إن عدد قتلى العاصفة الثلجية التي ضربت المناطق الحدودية مع سوريا ارتفع إلى 15 لاجئا سوريا، وذلك بعدما عُثر صباح اليوم على ضحايا جدد بمنطقة الصويري بالبقاع.

قالت تويتر إنها ستخطر مستخدمي خدمتها الذين اتبعوا حسابات مزيفة على صلة بوكالة روسية يعتقد أنها تدخلت بالانتخابات الأميركية في 2016 أو حتى أعجبوا بتغريدات لتلك الحسابات أو أعادوا تغريدها.

أعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات في مصر عن فتح المجال لتلقي طلبات الترشح في انتخابات الرئاسة ابتداء من اليوم السبت حتى 29 يناير/كانون الثاني الجاري.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة