سرطان الأمة

فقط جاهل أو دجال من يقول إن ثورات ما يعرف بالربيع العربي هي سبب ما تعانيه الأمة من قتل ودمار وفوضى وفقر وتخلف، ركز الفراعنة والدجاجلة هجومهم على تلك النقطة (ثورات الرببع العربي)، يستغلون الجهل العام الذى غرسوه وعززوا زراعته فى المجتمع لعقود بتجهيل ممنهج عبر ما يفترض أنه وسيلة للعلم والمعرفة والثقافة (التعليم والإعلام)!
 
أرادوا أن يعاقبوا فكرة الثورة ذاتها، فتولد فكرة مشوهة عن الثورة والثوار فى أذهان وقلوب العامة وخاصة الأجيال القادمة، مصحوبة بتلك الصور من الدماء والأشلاء والدمار والفوضى، فيخلد الناس للخنوع للقهر وللواقع المرير، بينما يستبد الفراعنة ويمتطون ظهور الناس لعقود طويلة، يطوقون رقابهم بأغلال محكمة إلى قيام الساعة أو إلى أن تتغير تلك الفكرة والصورة المشوهة عن الثورة فى أذهان وقلوب العامة.
 
وكما استمدت ثوراتنا الإلهام من بعضها وكما كانت متشابهة إلى حد كبير وكما هو الواقع الحالي متشابه أيضا لتِلكم الدول التي شهدت ثورات الربيع العربي، وكما هي نتيجة الجولة الآنية متشابهة لصالح الثورات المضادة المتحالفة مع قوى الاحتلال الدولية والمرتزقة، فإن تاريخ تلكم الدول أكثر تشابها وتطابقا مما يبدو عليه، تشابهات في السمات الشخصية للقادة الذين ثارت عليهم الشعوب (كالجهل وتدني المستوى التعليمي، الفساد المادي والأخلاقي، إلخ…).
 
تشابهات أخرى في كيفية إدارتهم البلاد (كالظلم والاستبداد، العمالة والتبعية، الفساد وسوء الإدارة، تزوير الانتخابات، طول مدة الحكم، وهلم جرا). لكن من بين العديد من العوامل المشتركة المؤثرة والتي أدت في النهاية إلى تفجر تلكم الثورات، كان أكثر ما يلفت النظر هو التشابه في كيفية وصول هؤلاء الحكام وجميعهم "عسكر!" إلى سدة الحكم عبر "انقلاب عسكري!". من تونس مرورا بليبيا فمصر وسوريا وصولا إلى اليمن، صعد العسكر إلى الحكم عبر انقلاب عسكري أو بالأحرى "عدة انقلابات عسكرية" كانت أيضا تلهم بعضها بعضا من حيث التكوين والإعداد والتنفيذ وطريقة الوصول.
 

توارث العسكر الحكم لقرابة ستين سنة حتى تفجرت ثورة يناير/كانون الثاني فتلاعب بها العسكر وأخمد عنفوانها حتى انقلبوا على الدكتور "مرسي" أول رئيس مدني أفرزته الثورة بعد عام واحد
 

في "تونس"

كان "زين العابدين بن علي" العسكري السابق، اليد الباطشة بالشعب التونسي للرئيس "الحبيب بورقيبة" حيث كان "ابن علي" وزيرا لداخليته ثم رئيسا للوزارة، وبعدما علم ابن علي نبأ إقالته من رأس الوزارة من قبل بورقيبة حرك "ابن علي" قوات الأمن الوطني وحاصر مبنى الرئاسة والتليفزيون ومقرات الحكومة، واعتقل بورقيبة وأعلن نفسه رئيسا للشعب التونسي عام 87 وظل جاثما على صدر تونس وشعبها لما يقرب من ربع قرن حتى تفجرت الثورة التونسية نهاية عام 2010.

في "ليبيا"
قاد الملازم الأول! "معمر القذافي" انقلابا عسكريا عام 69 على الملك "إدريس السنوسي" وأطاح بالنظام الملكي وأعلن النظام الجمهوري ومنح نفسه لقب العقيد وظل يحكم ليبيا بارتجال جنوني تارة وبالكتاب الأخضر الأكثر ارتجالا وجنونا تارة أخرى، لمدة 42 سنة حتى تفجرت الثورة الليبية عام 2011.

في "مصر"
انقلب العسكر على الملك فاروق عام 52 وشكلت لجنة ثلاثية للوصاية على العرش ما لبثت حتى أطيح بها من قبل الضباط، حيث ألغوا الملكية وأعلنوا الجمهورية برئاسة "محمد نجيب". بعد استفحال الخلاف السياسي والأخلاقي استقال نجيب اعتراضا على التصرفات المشينة لعصبة "جمال عبد الناصر" في مجلس قيادة الثورة فتبع ذلك مظاهرات شعبية جارفة أرغمت عصبة عبد الناصر على إعادته.
 
لكنهم أعادوه رئيسا لجمهورية برلمانية رئيس وزارتها جمال عبد الناصر الذي بدوره قام بالانقلاب على نجيب عام 54 واعتقاله، توارث العسكر الحكم لقرابة ستين سنة حتى تفجرت ثورة يناير/كانون الثاني فتلاعب بها العسكر وأخمد عنفوانها حتى انقلبوا على الدكتور "محمد مرسى" أول رئيس مدني أفرزته الثورة بعد عام واحد من حكمه ليعيدوا إنتاج النظام العسكري ولتبدأ حقبة مصرية أخرى مريرة أسفل براثن العسكر.
  
في "سوريا"
   
هذه الانقلابات وهؤلاء العسكر كانوا بمثابة "السرطان" الخبيث المستوطن فى خلايا الأمة، بينما تلكم الثورات كانت بمثابة العلاج "الكيماوى" الذي لا شفاء إلا عبر تحمل تكاليفه وتضحياته
 
الأمر مضحك حقا، فبعد موجة الانقلابات الأولى التي بدأت عام 49 الذي شهد وحده ثلاثة انقلابات عسكرية، تبعها انقلاب رابع عام 51، ثم خامس عام 54. تلا ذلك موجة انقلابات جديدة بدأها الانفصاليون عام 61، ثم انقلاب الضباط البعثيين عام 63، ثم انقلاب البعثيين على أنفسهم هذه المرة عام 66.  شارك الضابط "حافظ الأسد" فى كل من انقلاب 63 و66 للبعث واستفاد من ذلك.  كان الأسد وزيرا للدفاع أثناء نكسة 67 التي احتل فيها الجولان من قبل اسرائيل، وأثناء أحداث (أيلول الأسود) الذي خسرت فيه سوريا الحرب ضد الأردن عام 70.
  

على إثر ذلك بعدما علم الأسد بقرار عزله، قام هو بعمل انقلاب عسكري اعتقل فيه رئيس الجمهورية واستولى على الحكم وأعلن نفسه رئيسا لسوريا عام 71، وظل يحكم حتى مات عام 2000 بعدما أورثها لابنه "بشار" ومازال هذا النظام يقتل الشعب السوري منذ ما يقرب من نصف قرن حتى هذه اللحظة.
  

في "اليمن"

   

شارك "علي عبد الله صالح" في انقلاب إبراهيم الحمدي واستفاد من تلك الانقلابات والاغتيالات حتى وصل إلى الحكم عام 78 وظل في الحكم حتى تفجرت الثورة اليمنية 2011
  
(كوميديا سوداء) لا تقل عن سوريا، حدث انقلاب عام 48 على حكم الإمام "يحيى" وتم قتله وتولية "عبد الله الوزير" إماما جديدا الذي ما لبث طويلا حتى انقلب عليه "أحمد" نجل الإمام المقتول "يحيى" خلال أقل من شهر، ثم انقلاب آخر عام 62 وتم قتل الإمام أحمد وإعلان الجمهورية فأدى ذلك إلى قيام حرب اليمن التي استمرت حتى عام 70 وتدخلت فيها عدة دول. أثناء الحرب حدث انقلاب آخر في صفوف الجمهوريين عام 67، ثم انقلاب عام 74 بقيادة "إبراهيم الحمدي" ولكن تم اغتياله عام 77، تولى الحكم بعده "الغشمي" الذي اغتيل عام 78. شارك "علي عبد الله صالح" في انقلاب إبراهيم الحمدي واستفاد من تلك الانقلابات والاغتيالات حتى وصل للحكم عام 78 وظل في الحكم حتى تفجرت الثورة اليمنية 2011.
  
استوطنت تلك الدبابات قصور الحكم والشوارع كما زعموا للقضاء على الاستبداد والفساد والتخلف والإحتلال الأجنبي، ولكن لم تعد أبدا لثكناتها فأسست أنظمة لم يشهد التاريخ مثلها فى الظلم والاستبداد والفساد والتخلف والعمالة والتبعية للاحتلال والحكم بالوكالة عنه، يهدون المحتل بلادنا وثرواتنا ومقدساتنا ودماءنا دون أن يتكبد تكاليف ذلك الاحتلال من الأرواح والدماء والأموال والمشقة. هذه الانقلابات وهؤلاء العسكر كانوا بمثابة "السرطان" الخبيث المستوطن فى خلايا الأمة، بينما تلكم الثورات كانت بمثابة العلاج "الكيماوي" الذي لا شفاء إلا عبر تحمل تكاليفه وتضحياته. فقط جاهل أو دجال من يحاول إقناع المريض أن سبب مرضه الشديد وأن ما يقتله هو العلاج وليس السرطان. ما ذنب ربيعنا فيما أحدثه خريف العسكر؟
  
برغم طول المقال – فأنا لم أذكر إلا الانقلابات التي حدثت فى الدول التي شهدت ثورات الربيع العربى، وفقط بدأت العرض تقريبا من منتصف القرن الماضي أو يزيد قليلا، لم أتطرق إلا للانقلابات الناجحة، لم أنوه بعشرات المحاولات الانقلابية التي فشلت، فضلا عن الانقلابات الناجحة والفاشلة للدول العربية والإسلامية الأخرى فى المنطقة التي لم تشهد تلكم الثورات، فذلك مقام آخر لا تستوعبه مقالة ولا يتسع له كتاب.
  
لقد أكثر اليهود حقا من زراعة الغرقد، إلا أن أكثره شوكا أخبثه ثمرا أفتكه سما وأقبحه منظرا، كان ذلك الغرقد الذي زرعوه على العروش وحولها في قصور الحكم في بلادنا.


حول هذه القصة

بعيدا عن صخب الحياة وزحمة الأعمال وبهدف جذب الناس إلى القراءة افتتح في مدينة الفلوجة غرب بغداد مقهى لهواة رواد المطالعة والتصفح، إلى جانب تقديم القهوة العربية والمشروبات الساخنة والباردة.

20/1/2018

أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي اليوم السبت إجراءه تدريبا عسكريا يحاكي الاستيلاء على قرى في جنوب لبنان -بينها النبطية وبنت جبيل ومارون الراس- ومناطق في قطاع غزة، ومواجهة سيناريوهات مختلفة.

20/1/2018

أعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات في مصر عن فتح المجال لتلقي طلبات الترشح في انتخابات الرئاسة ابتداء من اليوم السبت حتى 29 يناير/كانون الثاني الجاري.

20/1/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة