وضعتُ حياتي على المحكّ

اليوم أغلق صفحة حماقة "العشرين"، كما فعل شارل أزنافور.. وأحدثكم عن توقعات امرأة دخلت العقد الثالث من عمرها. لا أقرأ الكف ولا أشرب قهوة حادة تترك أثر الجبال والتنين والوردة والقلوب المحطمة على الفنجان. بالكاد قهوة "أميركية". لا.. لم أقاطع البضائع الأميريكية بعد.. لكنْ، كغيري من الغاضبات، لبست الكوفية وتظاهرت أمام السفارة الأميركية وصرخت بملء صوتي: القدس عربية! 

اليوم، أعود خمسة عشر سنة إلى الوراء وأتذكر مرحلة الثانوية، حيث التقيت بصديقة بالكاد أذكر وجهها. أخبرتني بأن أصابعي "ليّنة" ويجدر بي تعلّم العزف على "البيانو". يسرّني أن أخبركِ يا ديما بأنني بدأت في سنّ متأخرة وما زلت غير قادرة على عزف أول جملة موسيقية من "Turkish March" . ربما اخترتُ آلة صعبة.. اخترتُ طرقاً صعبة، وزرعت الشغف في عظامي في سنٍ مبكرة.. وما زالت حتى اليوم عظامي قوية.. لكنْ من يعلم في العقد الرابع أي منها سينال من الآخر؟
 

معزوفة بيتهوفن تؤرقني.. والبيانو المهجور يؤرقني.. ثم ذاك الثوب، كالهدف المؤجل، يؤرقني.. لم يعد الأرق لذيذا.. فقط القهوة تضفي عليه بعض اللذة

اليوم، للمرة الأولى، لا أستخدم يدي اليسرى للكتابة، لا أستخدم ورقة وقلما.. بل أطبع مباشرة، بكلتا اليديْن، مذكراتي على مرأى من العالم.. وكأن العالم سيمنحني فرصة أُخرى. طوال هذه السنوات، أرهقت بعضاً من جسدي وتركت البعض الآخر ينال قسطاً طويلاً من الراحة وساعات من الكسل المتواصلة. اتخذت قراراً تلو القرار.. أمسكت بزمام الأمور وتنبأت بالطالع.. لم أؤمن يوماً بالفلك، بل راقبت الفلك.. استلقيتُ على ظهري ساعات أعدّ الشهب التي تقع.وأشير إليها "بسبابتي اليسرى" حتى طلوع الشمس..

ثم هربتُ من حرارة الشمس. عادة لا أهرب.. لكن فكرة الاقتراب من الشمس والسماء أكثر تدفعني إلى الهروب نحو طريق أصعب.. كتبتُ في مذكراتي، منذ أعوام: متى ينتهي البحث عن هدفٍ آخر؟ متى سأوقف العالم عن اختلاق أهدافٍ مستعجلة ؟ في اليوم التالي توقفتُ عن الكتابة.. توقفت عن الرسم.. توقفت عن الغناء.. توقفتُ عن الرقص في العراء… واقتنعت بأن الصالات مكان آمن.

بمرور الوقت، ازددتُ إصراراً على أن الهدف الوحيد الذي يبقيني على قيد الحياة هو لقب مهندسة أو لقب دكتورة أو حتى لقب عالمة فلك.. وما زلت على قيد الحياة.. "قيد"… قيد الحياة؟ لا "أروم" كل ما هو غير حرّ.. لكنني لم أكن يوماً حرّة بالمطلق. حاربت لأجل كل ما هو حرّ.. حاربت في معارك لا تعنيني ألبتّة.. وحشرتُ أناملي في نصوص غيري.. وأنفي في قارورة عطر لا يعنيني مصدرها. ارتكبتُ خطاً تلو الآخر.. اعترفت بخطئي .. وازددت غرورا وإصراراً على الخطأ الذي يليه.

ما ندمتُ يوماً، لأنني اختصرتُ حياتي برمّتها بسيرة عمل.. رغم أنني أعشق الرسم على الهواء.. لم أرسم.. أعشق الغناء في العراء.. توقفت… أعشق الرقص تحت المطر… ابتعتُ مظلة أكبر.. كل ما أريد كان رغبة مؤجلة وهدفاً صغيراً يحتمل الانتظار.

اليوم.. وضعتُ حياتي على المحكّ وبلغتُ الحادية والثلاثين من عمري.. وقررت، ولمرة واحدة، أن أعزف مقطوعة بتهوفن.. "الصمت"

بالمناسبة، الأهداف لا تنتظر سيارة الأجرة على الرصيف كما نفعل…  انتظرت مئات سيارات الأجرة على الرصيف وحملت مظلات كبيرة.. بعضها انحنى وانكسر.. وبعضها الآخر تماسك … أنا لم أنكسر… لم أنحنِ… ويقينا، لم أتماسك.. استبدلت أغنية شارل أزنافور بمقطوعة "الصمت" لبتهوفن.. من أروع ما سمعت… من أروع الأهداف المؤجلة.. أن أعزف المقطوعة تلك! 

كلها أهداف مؤجلة.. راقية.. حالمة… كالجمل القصيرة التي أكتبها الآن… لاحظوا كيف بدأتُ بجمل طويلة وأكثرتُ "النقاط" حتى هذا السطر.. اعلموا بأن النقاط التي أُكثر منها هي المساحة الوحيدة المتبقية لي.. كي لا أكتب.. لأنني أكتب ما أرى .. وأشعر بما أرى.. وليتني كنتُ أرى.. 

معزوفة بيتهوفن تؤرقني.. والبيانو المهجور يؤرقني.. ثم ذاك الثوب، كالهدف المؤجل، يؤرقني.. لم يعد الأرق لذيذا.. فقط القهوة تضفي عليه بعض اللذة.. ثم إنني اشتقت لكل من أحببت.. لذة الابتعاد أجمل من لذة الأرق.. اليوم.. أعود ثلاثين يوماً إلى الوراء… اخترتُ الأهداف المؤجلة.. وابتعدتُ عن كل من أحببت.. تأكدت، وبغرور تام، من أنني، وإن أخطأت، قادرة على المضيّ قدماً.. نحو مقطوعة موسيقية أكثر صعوبة.. اليوم، وضعتُ حياتي على المحكّ وبلغتُ الحادية والثلاثين من عمري… وقررت، ولمرة واحدة، أن أعزف مقطوعة بتهوفن.. "الصمت"…



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة