كيف نهدم خرافة المثقّف الموسوعي؟

في سياق تراجع المساحة المخصصة للكتاب لصالح المساحة المخصصة لمقاطع الفيديو في مواقع التواصل الاجتماعي، نبتتْ ظاهرة خطيرة وهي ظاهرة "المثقّف الموسوعي"، ويمكن ببساطة تعريف هذه الظاهرة بأنّها شخص يتحدّث في كلّ شيء تقريبا؛ في الدين والتاريخ وعلم الآثار وعلم الاجتماع والفلسفة وعلم النفس والفيزياء وعلم الأحياء إلخ.. وإذا شئنا الدقّة قلنا إنّه "يهرف" في كلّ شيء!

 

هناك إشكاليتان ترتبطان بهذه الظاهرة:

الأولى: إشكالية أخلاقية تعود إلى هذا الذي طرح نفسه كـ"مثقف موسوعي" تحديدا، ذلك بأنّه لا يتورّع أن يقتحم مختلف المجالات بمجرّد أن يقرأ فيها كتابا أو كتابين، فهو معجب بفكرة أنّه "موسوعي" و"يفهم في كل شيء"! وقد تابعتُ أحد هؤلاء مرّةً فوجدته ينقل معلومات مغلوطة، ووجدتُه يزعم معرفته بإحدى اللغات (التي أُتقِنها) ليلقّن المستمعين الكرام معنى إحدى كلمات تلك اللغة بشكل مغلوط تماما، فعلمتُ فورا أنّه يهرف بما لا يعرف، وبأنّه لا يضيره أن يخطئ وينقل معلومات كاذبة، فالمهم أن يأخذ الجمهور انطباع "المثقف الموسوعي" عند الاستماع إليه!

 

يجب عدم قبول أي معلومة دون إسناد ودليل، والارتياب ممّن يتحدث في كل شيء ويزعم أنه يفهم في كل شيء، فهذا شبه مستحيل في عصرنا الذي تشعّبت فيه العلوم
  

ولهذا، أعتقد أنّه يجب تحجيم هذه الظاهرة وتشذيبها بانتهاج هذه المنهجية التي أقترحها على كل من تهمّه متابعة المحاضرات والمقاطع التي يظهر فيها نموذج "المثقف الموسوعي"، بل وأي متحدّث يزعم أنّه يقدّم معرفة ما:

1) المساءلة الدائمة وعدم قبول أي معلومة دون إسناد ودليل، والارتياب ممّن يتحدث في كل شيء ويزعم أنه يفهم في كل شيء، فهذا شبه مستحيل في عصرنا الذي تشعّبت فيه العلوم، ويقضي الباحث فيه سنواتٍ طويلة حتى يطّلع على أهم ما كُتب في تخصّص من التخصّصات!

 

هناك فرقٌ بين مجرّد التفاعل مع مقاطع الفيديو بالتصفيق أو بالهجوم، وبين "التفاعل الإيجابي" الذي تكون حصيلته تشذيب المحتوى المعرفي ورفع جودته

2) عدم التنازل عن نشاط القراءة، وتحديدا في المجال الذي يتم الحديث عنه في مثل تلك المقاطع والمحاضرات، فالقراءة من المصادر الأصلية تفتح الآفاق وتزوّد القارئ بحصيلة معرفية تجعله عصيّا على الإغواء والاجتيال بمقاطع سطحية تتناول المسائل العلمية أو الدينية أو التاريخية باختزال وسطحية.

 

3) الاستماع لوجهات النظر الأخرى في نفس الموضوع، وعدم الانغلاق أمام النقد الموجّه لمثل تلك الأطروحات، ومحاكمة هذا النقد بمنهجية علمية دون التعصّب للأطروحة التي ربما تكون قد أعجبتنا عندما سمعناها أول مرة.

 

4) عدم السكوت عن المغالطات العلمية التي يرتكبها "المثقفون الموسوعيّون" وغيرهم، والإشارة لها دوما في التعليقات والردود في مختلف مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من وسائل الإعلام، وكشف مغالطات كل من تُسوّل له نفسه الاستخفاف بالجمهور ليظهر بمظهر العارف بكل شيء! فمِن شأن هذه الممارسة -لو أصبحت ظاهرة يجتمع على ممارستها المئات- أن تجعل صاحبنا "المثقّف الموسوعي" يراجع معلوماته ويجتهد كثيرا في التحضير قبل أن يُلقي علينا كلامه. أي إنّ نشاط النقد هذا يساهم بشكل كبير في رفع المستوى المعرفي والفكري للمحتوى العربي في الشبكة، أيا كان مجال هذا المحتوى. مع التأكيد على ضرورة التزام الأخلاق والأدب أثناء النقد، فالهدف هو صيانة العلم والمعرفة من عبث العابثين واستخفاف المتصدّرين، وليس إسقاط الشخصيات وتناولها بالإهانة.

 

من شأن هذه المنهجية التي أجملتُها في نقاط أربع -إنِ اتُّبعتْ- أن تكشف عن القيمة المعرفية الحقيقية لما يُطرح في الشبكة من مقاطع ومحاضرات يتحدّث فيها أصحابها عن كلّ شيء تقريبا. وهي تشكّل ضمانا للتفاعل الإيجابي؛ إذ هناك فرقٌ بين مجرّد التفاعل مع مثل هذه المقاطع سواء بالتصفيق أو بالهجوم، وبين "التفاعل الإيجابي" الذي تكون حصيلته تشذيب المحتوى المعرفي ورفع جودته وردْع الأدعياء المنتفخين الذين تُغذّيهم جهالة المتلقّين وانعدام النقد الحقيقي.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قال الجيش الإسرائيلي إن قذيفة أطلقت من قطاع غزة سقطت في منطقة مفتوحة في أشكول جنوبي إسرائيل مساء الاثنين، دون أن توقع قتلى أو جرحى.

تحدثت مصادر حقوقية عن استعدادات متسارعة داخل سجن برج العرب شمالي مصر لتنفيذ حكم الإعدام بحق أربعة متهمين أدينوا في محكمة عسكرية في القضية المعروفة إعلاميا بـ "إستاد كفر الشيخ".

الأكثر قراءة